سوق رمادية في لبنان لصرف الدولار الأميركي

طلب يفوق المعروض والسعر موجه لضبط استنزاف الاحتياطي النقدي

فرض البنك المركزي بقيادة الحاكم رياض سلامة كوتا لكل مصرف بحسب حجمه وحاجاته لإمداده بالدولار (رويترز)

تشهد السوق المالية في لبنان منذ أسابيع عدة تدابير للحد من استنزاف الدولار الأميركي من الأسواق ما انعكس فرصة امام شركات الصيرفة لتحقيق ارباح استثنائية مع تصاعد الطلب من التجار كما من اللبنانيين، وفي ظل قيود صارمة وضعتها المصارف على التحويلات، ولكن، وعلى الرغم من الضغوط بقيت السوق مضبوطة بتحرك بارز لوزارة الاقتصاد وتحذيرات من مصرف لبنان لتتحول السوق من سوداء متفلتة الى رمادية موجهة.

سعر الصرف اعلى من السعر المحدد من المصرف المركزي وأزمة سوريا تزيد الطلب على الدولار

ويعاني لبنان من عجز في ميزانه التجاري يبلغ 18 مليار دولار ويشكل الاستنزاف الاكبر للعملة الأجنبية، والمشكلة أن 94 في المئة مما يستهلك داخلياً يستورد من الخارج، كما على لبنان سداد التزامات مالية على الدولة بالعملات الاجنبية في وقت يتخطى العجز سنويا خمسة مليارات دولار.

وشكلت السجالات السياسية الداخلية والحروب والمخاطر الجيوسياسية عوامل ضاغطة لتراجع تدفقات النقد الاجنبي الى لبنان، كما شكلت العقوبات على سوريا عامل ضغط آخر في ظل تقارير أشارت الى أن بيروت تعدّ سوقاً موازية للدولار بالنسبة للمستوردين السوريين الذين يستخدمون السوق اللبنانية للقيام بعملياتهم التجارية بظل عقوبات اقتصادية ما زالت تفرضها الولايات المتحدة على سوريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إجراءات احترازية

وفي مقدّم الأسباب التي تستنزف النقد الاجنبي استيراد النفط الذي يُهرّب جزء منه الى سوريا، ومن هنا لجأ مصرف لبنان الى إجراءات احترازية للحد من استنزاف احتياطاته النقدية الضرورية لتمويل حاجات الدولة كما الحفاظ على سعر استقرار الصرف.

الإجراءات الأولى طالت المصارف، إذ فرض البنك المركزي كوتا لكل مصرف بحسب حجمه وحاجاته لإمداده بالدولار الاميركي ما جعل المصارف تتحفظ على التحويلات الكبيرة كما الصغيرة للتجار والعملاء وتحد عمليات التحويل بالضروري جداً، واوقفت المصارف كلياً التحويلات من الليرة اللبنانية الى الدولار التي تسحب نقداً بعدما لاحظت أن العملاء يستفيدون من الفرق بين السعر المعتمد داخل المصارف والسعر لدى الصرافين، إذ يشترون الدولار في المصرف بسعر 1515 ليرة ويبيعونه للصراف بسعر 1545 و1550 ليحققوا أرباحا فورية.

تعديل نظام الصراف الآلي

كما عمد بعض المصارف الى رفع نطاق سعر الصرف الى حدود 1520 ليرة للدولار بينما سعر الصرف الرسمي المحدد لدى مصرف لبنان ما زال عند 1515 ليرة كحد اقصى. وكإجراء هو الاحدث، عمد بعض المصارف الى تعديل نظام الصراف الآلي لضبط عملية سحب الدولار، فلم يعد يسمح لأصحاب الحسابات بالليرة اللبنانية السحب إلا بالليرة اللبنانية فقط، وأصحاب حسابات الدولار السحب فقط بالدولار.

سوق الصيرفة ناشطة وانما مراقبة

صرخة التجار تتعالى وتهديد بإضرابات، فقد دفعت الرقابة المشددة على الدولار في موازاة الطلب المتزايد عليه، الى لجوء حامل العملة الخضراء الى الاحتفاظ بها، وطال هذا التوجه المؤسسات شبه الحكومية، كما طالبت الشركات المستوردة من التجار سداد استحقاقاتهم بالدولار كونهم يدفعون مستورداتهم بالعملة الاجنبية ليلجأ من يحتاج إلى العملة الأميركية للسوق السوداء لتأمين احتياجاته، ومع ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية، علت الاصوات متخوفة من خسائر غير متوقعة تطال نسب ارباحهم المتدنية اصلاً.

ولعلّ اول من رفع الصوت محطات البنزين والشركات الموزعة للمحروقات التي تسدد قيمة المشتريات لمنشآت النفط الحكومية بالدولار كما للتجار بالدولار، بينما تستوفي من المواطن ثمن المشتقات النفطية بالليرة، وطالبت مراراً نقابة الموزعين والمحطات بحل في ظل وعود لم تتحقق حتى الساعة ما دفع الى التلميح بإضراب يشل البلد.

كما رفع تجار القمح واصحاب المطاحن الصوت من غبن مماثل وخسائر يتكبدونها من الفارق بين سعر الدولار الرسمي غير المتوافر والسعر لدى الصرافين، وهددوا بدورهم برفع سعر ربطة الخبز.

أقساط الجامعات

الجامعات الاجنبية وفي طليعتها الجامعات الاميركية طالبت بتسديد الاقساط بالعملة الأجنبية، كما لجأ المواطن لسد احتياجاته اليومية من الدولار الى الصرافين الذين ازدهرت اعمالهم. فالصراف يشتري الدولار بسعر 1545 والبعض يعرض 1550 ليعود ويبيعه بسعر 1560 و1565 للدولار.

ومع ارتفاع الطلب على الدولار، عمد بعض الصرافين منذ أسابيع عدة الى رفع سعر بيع الدولار الى مستويات لامست 1600 ليرة للدولار ما استدعى تدخل وزارة الاقتصاد عبر مصلحة حماية المستهلك، فتم التحقيق مع البعض منهم، كما حذر مصرف لبنان من التلاعب بالليرة في ظل قدرته الكبيرة على تلبية احتياجات السوق.

السوق السوداء مستقرة

فاحتياطيات مصرف لبنان من العملات الاجنبية تفوق 36 مليار دولار حتى نهاية أغسطس (آب) بمستوى مرتفع يؤمن احتياجات السوق كما الدولة، إلا أن اجراءات المصرف احترازية وحمائية من باب الحذر والتحوط لا بسبب ضعف القدرة على المواجهة.

والسوق السوداء مستقرة منذ ايام عدة على سعر صرف يتحرك حول 1560 ليرة للدولار اي بارتفاع ثلاثة في المئة عن السعر المحدد من المصرف المركزي بمستوى يعتبر مقبولاً ولا يشير الى نشاط غير اعتيادي لسوق موازية، وإن كان الطلب سيستمر مرتفعاً في المرحلة المقبلة، الاهتمام سيبقى منصباً حول مدى قدرة المركزي على الحفاظ على الاستقرار، وعلى السيولة، كما الخوف من مزيد من انكماش للقدرة الشرائية للمواطن تنعكس مزيداً من الضعف الاقتصادي.