Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فشل الاتصالات الأميركية - الإيرانية يمنع هدنة في غزة ولبنان

طهران تحدثت أول الأسبوع عن مفاوضات مع واشنطن ونهايته انتقدت "عدم التزامها"

فلسطينيون بين أنقاض المنازل والمباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية خلال حرب غزة  (رويترز)

ملخص

تعثرت جهود التوصل إلى هدنة في حرب غزة ليس فقط بسبب مواقف طرفي النزاع، بل أيضاً للدور الإيراني في ساحة الصراع دفاعاً عن مصالح نظام طهران وتمدده في المشرق

تعثرت جهود التوصل إلى هدنة في حرب غزة عشية حلول شهر رمضان. ليس فقط بسبب مواقف الطرفين المعنيين مباشرة، إسرائيل و"حماس" الشديدة التباعد والتناقض، بل أيضاً بسبب عامل لا تتم الإشارة إليه كثيراً، وهو الدور الإيراني الذي يلعب في ساحة الصراع دفاعاً عن مصالح النظام وتمدده في المشرق.

في واجهة الصورة فإن عملية التفاوض من أجل الهدنة تتعقد لأن إسرائيل تريد استثمار نتائج حربها الدموية المدمرة في هزيمة حاسمة لعدوها، الذي وجه إليها صفعة قاتلة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فيما "حماس" تريد إعادة الأوضاع في القطاع إلى ما كانت عليه قبل غزوها المستوطنات في محيط غزة.

تستند "حماس" في تشديد شروطها إلى امتلاكها سلاحاً مؤثراً يكاد يبدو وحيداً، هو احتجازها عدداً من الإسرائيليين، مدنيين وعسكريين، وتعتقد بإمكانية تكرار تجربة تبادل الجندي شاليط بعدد كبير من الفلسطينيين المسجونين في إسرائيل، لكن الظروف تختلف تماماً، فإسرائيل التي ردت بحرب شاملة تمتلك الآن القوة والانتشار العسكري في معظم أراضي القطاع، ولا تزال، على رغم إيقاعها ألوف الضحايا، وتدميرها معظم المساحات المبنية، تتمتع بدعم لم يتزحزح من الولايات المتحدة والدول الغربية، وبصمت يشبه الرضا في دول، تصنف عادة في خانة داعمي القضية الفلسطينية مثل الصين وروسيا.

الهدنة كنتاج لميزان القوى

في موازين القوى الراهنة يرى المنطق أن هدنة ما يتخللها وقف لإطلاق النار وضخ مواد الغذاء والرعاية الصحية وأساسات السكن هي أفضل الممكن، خصوصاً أنها تحظى باهتمام ورعاية العالم الذي تؤرقه مشاهد الدمار والموت، إذ يمكن أن تسمح للشعب المنكوب في غزة المدمرة بالتقاط أنفاسه. وهي هدنة قد تكون ملائمة لـ"حماس" أكثر منها لإسرائيل المتمسكة بمواصلة القتال، بحيث تتمكن الحركة من إعادة تنظيم أوضاعها وإحصاء خسائرها.

والأهم من ذلك أن هدنة تستمر شهراً ونصف الشهر قابلة للتمديد، يمكن أن توفر فرصة للجهد السياسي والبحث في مستقبل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ومستقبل الشعب الفلسطيني نفسه، الذي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى وحدة. في الرؤية الوطنية، وإلى حل نهائي يضمن له أمنه وسلامه في دولة فلسطينية مستقلة. هذا ما يفترضه المنطق وميزان القوى الراهن، لكن ما يحصل هو عكس ذلك، ولا يكفي لتفسيره الحديث عن رغبات وحسابات يحيى السنوار وخلافه المزعوم مع إسماعيل هنية وقيادة الخارج، وإنما يجب الذهاب أبعد من ذلك، إلى فكرة محور الساحات الموحدة التي ابتدعتها إيران، وانطلق "طوفان الأقصى" استناداً إليها.

مشروع نتنياهو وحاجات طهران

تفضل "حماس" الاستمرار في المعركة، فيرتاح نتنياهو وصقوره إلى قرارها ويعلنون أن الحرب ستستمر حتى يتم اجتثاث الخصم، وربما الشعب الفلسطيني نفسه، وهو ما لم تخفه القيادة الإسرائيلية منذ دفعها سكان القطاع إلى الجنوب ثم محاصرتهم في رفح، وتهديدها في الوقت نفسه أن مصيراً مماثلاً ينتظر سكان الضفة الغربية.

 

فمشاريع الـ"ترانسفير" وطرد الشعب الفلسطيني خارج أرضه كانت قائمة دائماً، لكنها تلقت دفعة قوية بعد هجوم "حماس" واندلاع حرب غزة. وتمسك الحركة الآن بشروطها المعلنة، حق لها، لكنه في الوقت نفسه رهان على نصر، يأتيها من الارتباط بمشروع إيراني، ما زال يكرر، من دون التزام ملموس شعارات الساحات الموحدة والمعركة الحاسمة ضد "الكيان الزائل، ويأمل ويسعى إلى تحويل شهر رمضان إلى عبوة ناسفة في وجه إسرائيل على امتداد فلسطين والعالمين العربي والإسلامي".

إيران تنظم جبهاتها

ليس سراً أن إيران تقف خلف فصيلي القتال في غزة، "حماس" و"الجهاد"، وتقيم علاقات مع منظمات أخرى خارج منظمة التحرير الفلسطينية، وهي تمول وتسلح وتقود عمليات الحوثي في البحر الأحمر وخليج عدن، وتقرر ما ينبغي على "حزب الله" القيام به عبر لبنان، وما هي الأدوار المسموح للمجموعات العراقية أن تلعبها بعد أن سارعت في المناسبة إلى تغيير اسمها من "الحشد الشعبي" إلى "المقاومة في العراق".

حركت إيران مجموعاتها منذ بداية معركة غزة لحجز موقع لها في التفاوض اللاحق على مستقبلها ومستقبل دورها في المنطقة. لكنها، كما يبدو، لم تحصد كل النتائج المتوخاة. نصحتها الولايات المتحدة بالانضباط، وحصر القتال ومنعه من الامتداد إلى أجزاء أخرى. التزمت إيران جزئياً. حافظت على قواها وشجعت حروب الأذرع، وانتظرت ثواباً أميركياً لم يصل. هي تريد إلغاء العقوبات وشراكة في مفاوضات الإقليم. لم تستجب أميركا ولا أشركتها في مفاوضات الهدنة الغزاوية أو في أي بحث يتصل بمستقبل الوضع الفلسطيني، ورداً على هجمات ميليشياتها اكتفت بتوجيه ثماني ضربات في العراق رداً على نحو 180 هجوماً تعرضت له قواتها، وتحركت بخجل ضد مواقع الحوثيين وصواريخهم ومسيراتهم، فيما سعت بجهد لمنع إسرائيل من مهاجمة "حزب الله" ولإنجاز تسوية معه، جندت لها المبعوث الرئاسي الخاص أموس هوكشتاين، في محاولة لمحاصرة الحرب والتوتر على حدود إسرائيل الشمالية، بمعزل عن مصير الاتفاقات المحتملة في شأن غزة.

لا تقدم في المفاوضات الإيرانية - الأميركية

كانت إيران تنتظر من وراء "رقصة وحدة الساحات" استجابة أميركية، قبل انتهاء ولاية بايدن، لمطالبها الخاصة برفع العقوبات والعودة للاتفاق النووي. لم يحصل ذلك، ويصعب أن يتحقق شيء مما تريده الآن مع احتدام الصراع الانتخابي في أميركا. في خطابه السنوي الأخير أمام الكونغرس لم يذكر الرئيس جو بايدن إيران إلا مرة واحدة عندما قال "إن خلق الاستقرار في الشرق الأوسط يعني أيضاً كبح التهديد الإيراني. ولذلك أنشأنا تحالفاً من عشرات الدول للدفاع عن الشحن الدولي وحرية الملاحة في البحر الأحمر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كلام يبدو مهادناً إلى أقصى الحدود، جعل دونالد ترمب، المنافس الرئاسي يقول "بايدن جعل إيران غنية والمشكلات في الشرق الأوسط هي بسبب ذلك. في عهدي كانت إيران مفلسة، والشرق الأوسط ينفجر بسبب بايدن".

يخشى النظام الإيراني عودة ترمب إلى الرئاسة. عبرت عن ذلك وسائل إعلام وكتاب إيرانيون، رأوا في نتائج انتخابات بلادهم الأخيرة وانفراد المتطرفين بالتمثيل الشعبي وصفة لمشكلة قادمة إذا فاز ترمب في الخريف المقبل. لذلك يستعجل النظام الإيراني صفقة مع الولايات المتحدة، يعقدها مع الرئيس الحالي الذي يواصل سياسات نظيره باراك أوباما، لكن استعجاله، ووسائل ضغطه لم توصله إلى مبتغاه، فصعد لهجته، وربما كان مشروعا الهدنة في غزة ولبنان من ضحاياه.

إيران ترفع لهجة التهديد

كان لافتاً أنه خلال الأسبوع الأخير قبل بداية رمضان، ومع تكثيف الاتصالات من أجل هدنة في غزة وتسوية في لبنان، تصعيد القيادة الإيرانية لهجتها الحربية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل ليلحقها مريدوها في لبنان والعراق واليمن (في سوريا أعطت أوامرها بعدم التعرض للأميركيين حسب المرصد السوري).

أطلقت إيران تحذيرات على لسان سفيرها لدى الأمم المتحدة أمير سعيد الأيرواني في رسالة إلى مجلس الأمن والأمين العام أنطونيو غوتيريش، هددت فيها أن إيران "تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات للرد على أي تهديد أو إجراء من قبل إسرائيل ضد أمن إيران ومصالحها الوطنية".

هذه المصالح الوطنية اتضحت في تتمة الرسالة فإيران حرصت على "الحق الأصيل لسوريا ولبنان في اتخاذ الإجراءات اللازمة في مواجهة أي تهديد أو هجوم من جانب الكيان الإسرائيلي".

وفي ترجمة عملية لهذا الخطاب حرص إسماعيل قاني قائد "فيلق القدس" المسؤول عن ميليشيات الخارج على تجديد القول، الأربعاء الماضي، إن "معركة غزة أظهرت أن جبهة المقاومة مجموعة مترابطة ولها قدرات كثيرة. ولم تستخدم كامل قدراتها بعد"، وشدد المرشد علي خامنئي في وقت متزامن أن علينا ألا "نسمح بنزع راية مقارعة الاستكبار من يد إيران في أي فترة".

بعد ساعات على صدور هذه المواقف الإيرانية، أعلن عبدالملك الحوثي أن "القادم أعظم وسيرى العدو والصديق مستوى الإنجازات ذات الأهمية الاستراتيجية"، وزاد أن "جبهة (حزب الله) في لبنان تستمر بزخم. كمي ونوعي وفاعلية وتأثير". في اليوم التالي الذي وافق السبت الماضي، هاجم الحوثي سفناً أميركية حربية ومدنية في أكبر عملية منذ بدء حرب السفن في البحر الأحمر.

وفي هذا الوقت جدد "حزب الله" في لبنان موقفه بأنه يرفض أي وقف للقتال قبل وقفه في غزة، وتكتمل حلقات المشهد بما أدلى به قيادي في "القسام"، الجناح العسكري لـ"حماس" إلى قناة "الجزيرة" وفيه أن الحوثي وضع طاقم سفينة يحتجزها بتصرف "القسام" وأن "قرار جميع الجبهات هو عدم وقف القتال حتى يتوقف العدوان على غزة".

اعتراف علني بالتفاوض مع أميركا

الإثنين الماضي، وفيما كانت الآمال كبيرة بالتوصل إلى هدنة بشر بها بايدن في اليوم نفسه، كشف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني عن أن "القنوات الدبلوماسية بين إيران وأميركا نشطة عبر الوسطاء" من أجل التنفيذ الكامل للاتفاق النووي وإلغاء العقوبات المفروضة على إيران. كانت تلك من الإشارات الإيرانية الرسمية النادرة إلى التواصل الأميركي - الإيراني. بعد يومين التقى مساعد وزير الخارجية علي باقر قني ممثلي الاتحاد الأوروبي في الدوحة.

ومساء الجمعة الماضي تلقى وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان اتصالاً من نظيره العماني "الوسيط" بدر البوسعيدي. في هذا الاتصال انتقد اللهيان "السلوك المتناقض للولايات المتحدة وعدم التزامها تعهداتها في موضوع المفاوضات لرفع الحظر عن إيران". إلا أنه "ثمن الجهود المتواصلة ومبادرات سلطان عمان في هذا الاتجاه".

لم يشر اللهيان إلى مأساة غزة وما إذا كانت جزءاً من التفاوض، لكن تصريحه كان كافياً لإيضاح جوهر التواصل والخلاف الأميركي - الإيراني، وأن ما تريده إيران من أميركا ما زال متعثراً. وهو ما يفسر التصعيد في جبهات المنطقة التي تؤثر فيها طهران، أو تقودها، على وقع هذين التواصل والخلاف.

يصح الاعتقاد في السياق إن تعثر الوصول إلى هدنة في غزة لا يتصل فقط بالشروط القصوى الإسرائيلية، ولا باعتقاد "حماس" أنها قادرة على مقايضة الأسرى بهزيمة إسرائيل الكاملة. أنه تعثر يتصل أيضاً بالحسابات الإيرانية التي تغتنم فرصة الصراع لزج أتباعها في معركة توطيد نظامها وضمان نفوذه الإقليمي. وقد أظهر هؤلاء الأتباع طاعة مميزة في تلبية رغبات مرشدهم وممولهم، ليستمر الفلسطينيون واللبنانيون وغيرهم ضحية محاصرة بين وحشية إسرائيلية وأطماع إيرانية لا حدود لهما.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء