الأردن... أكباش فداء على مذبح "مكافحة الفساد"؟

توقيف ستة مسؤولين أردنيين في قضية فساد مليونية أشعل مواقع التواصل الاجتماعي بعد نصف عام على تفجّر فضيحة تصنيع دخان مغشوش وتهرب جمركي بملايين الدنانير، ومرور شهر على جلب المتهم الرئيس في هذه القضية عوني مطيع من الحكومة التركية

صورة عامة من شوارع العاصمة الأردنية عمان (غيتي)

تفاوتت ردود أفعال الأردنيين - المتعطشين لمحاسبة الفاسدين واستعادة ملايين بلادهم المهدورة - بين الترحيب المقرون بدعوات لإنزال أقصى العقوبات بالموقوفين وبين التنبيه إلى عدم إصدار أحكام مسبقة قبل استكمال التحقيقات وتحديد المتورطين؛ وقد يكونوا بالعشرات. شباب ينتمون لعشيرة أحد الموقوفين أشعلوا إطارات وأغلقوا طرقات في مسقط رأسه شمالي الأردن، فيما سعت عائلات المتهمين إلى توكيل محامين للدفاع عنهم.

قرار توقيف "المشتكى عليهم" تضمن أربع تهم؛ استندت أولاها إلى قانوني منع الإرهاب والجرائم الاقتصادية: "القيام بأعمال من شأنها تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر"؛ وهي تحتمل عقوبة السجن المؤبد في حال ثبوتها. وتحمل التهم الثلاث الأخرى صبغة اقتصادية: ".. تغيير كيان الدولة الاقتصادي أو تعريض أوضاع المجتمع الأساسية للخطر (..) والتهرب الضريبي والجمركي". فوق ذلك، يواجه وزير المياه والري السابق منير عويس وموظف بمنصب مستشار في مجموعة المناطق الحرة تهمة "إساءة استعمال السلطة"، فيما أسندت تهمة "قبول رشوة" مكررة ست مرات إلى مدير الجمارك السابق اللواء المتقاعد وضاح الحمود، وكذلك إلى اثنين من كادر هذا الجهاز برتبة مقدم ومسؤول في مجموعة المناطق الحرّة.

سيف الرأي العام

ويرى مرجع قضائي رفيع سابق أن إدراج تهمتي "القيام بأعمال من شأنها تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر (..) وتغيير كيان الدولة" استهدف -على الأرجح- إزاحة القضية من تحت مظلة محكمة الجنايات (القضاء المدني) إلى اختصاص محكمة أمن الدولة (قضاء عسكري خاص). ويبدو أن هذا القرار جاء استجابة لسخونة السجالات الرقمية وداخل دواوين الأردنيين حيال هذه القضية وأبطالها. تحتمل كلا التهمتين - في حال ثبوت أي منهما- عقوبة السجن المؤبد.

أما جنحة قبول رشوة المسندة إلى مدير الجمارك السابق، فتحتمل الحبس ثلاث سنوات في حدّه الأقصى. وبموجب قانون الجرائم الاقتصادية، تجمع المحكمة قرار الحبس عن كل إدانة له؛ وبذلك تصل عقوبة قبول رشوة ست مرات إلى 18 سنة، في حال ثبوتها.                

النائب المستقل نبيل الغيشان يحذّر من "تضخيم أو تحجيم هذه القضية لأن الرأي العام لن يقبل بأقل من الحقيقة المطلقة". ويرى الغيشان أن "لا مصلحة للنظام السياسي في التستر على أي فاسد" منبهاً إلى أن ذلك يضر "بسمعته ويشوهها". إلى ذلك، يطالب رجل التشريع الإدعاء العام "برسم سيناريو واضحاً للقضية بشخوصها، مسرحها والأموال التي خسرتها الخزينة منذ 2004 وحتى افتضاح أمرها عام 2017".      

بين هذا وذاك، يشكو أردنيون من انتقائية توجيه الاتهامات في قضية أثارت الرأي العام مذ فرّ المتهم الرئيس فيها عشية 11 يوليو/تموز 2018، قبل تكشّف خيوط فضيحة التهرّب الجمركي بعشرات الملايين من الدنانير، في بلد يشهد قفزات متتالية في الضرائب والجمارك على أمل سد العجز المزمن في موازنته المثقوبة وخفض دينه العام، الذي يلامس 96 % من إجمالي الناتج المحلي (40 مليار دولار). على خلفية هذه القضية، تراجع دخل الخزينة من الرسوم والجمارك المفروضة على التبغ بأنواعه من مليار و200 مليون دينار (مليار و650 مليون دولار) إلى 850 مليون (مليار 200 مليون دولار) خلال السنوات الخمس الماضية، بحسب تقديرات غير رسمية.

تعمق غضب الأردنيين وارتفعت جرعة تهكمهم لأن المتهم مطيع – الذي لم يكن معروفاً في المجتمع- بات شخصية مؤثرة وصاحبة أياد بيضاء تنتشر صورها مع عشرات السياسيين ورجال التشريع.    

ويجادل مغردون حيال آلية اختيار المتهمين الستة من بين عشرات المشتبه بهم؛ في مقدمتهم أصحاب قرار أو مقربون منهم  سرّبوا للمتهم الرئيس قراراً بالقبض عليه قبل فراره من البلد في 11 يوليو/تموز الماضي. في ذلك الوقت، صدر قرار بمنع سفر سبعة أشخاص يشتبه بتورّطهم في تلك القضيّة، من دون تحديد هوياتهم، باستثناء الإشارة إلى أن أحدهم هولندي الجنسية، فضلاً عن شقيق مطيع ونجله.

المتحدثة باسم الحكومة جمانة غنيمات أوضحت في تصريحات صحافية لاحقة أن عمليات الدهم والتوقيف نفذّت بتاريخ 12 يوليو/تموز، غداة خروج مطيع من الأردن.

 

"ليلة القبض على مطيع"     

بعد خمسة أشهر - تخلّلها غليان شعبي أطاحت إرهاصاته بحكومة هاني الملقي (في يونيو/حزيران 2018)- استعاد الأردن المتهم الرئيس من السلطات التركية، التي اعتقلته على أراضيها.

خلال الشهرين المنصرمين، تجمهر أردنيون قرب مقر الحكومة (الدوار الرابع) مساء كل خميس احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، رفع الضرائب أفقياً وعمودياً و"تلكوء" الحكومات في مكافحة الفساد ومحاكمة المتورطين، على رغم الوعود المتكررة، خصوصاً على لسان رأس الدولة.

"هذه رسالة لجميع الذين يريدون أن يعبثوا، هذا خط أحمر، ونريد كسر ظهر الفساد في البلد"، أكد الملك عبد الله الثاني للأردنيين في أغسطس/آب الماضي، في مواجهة غضب شعبي متصاعد على خلفية فضيحة الدخان. "بكفي خلص بدنا نمشي للأمام"، أضاف الملك مؤكداً: "لا أحد فوق القانون".

على أن التشكيك في نوايا مكافحة الفساد يجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تهدم سقف الحرية في وسائل الإعلام المحلية وانحسار مساحة النقد.      

 

"إذا كان مطيع باشر في تصنيع وتهريب دخانه عام 2006، يكون قد تعاقب على دائرة الجمارك خمسة مدراء عامين"، غرّد الناشط أحمد خليل القرعان، متسائلاً عن سبب توقيف آخر المدراء (استلم منصبه في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 وخرج من الخدمة على خلفية فضيحة الدخّان المزور/ المهرب في 13 سبتمبر/ أيلول 2018). ويتحدث نشطاء عن "نظافة يد" خصاونة طيلة سجّله المهني على مدى ثلاثة عقود، وكذلك عويس الذي صعد في قطاع المياه وصولاً إلى رتبة وزير بعد 37 عاماً من الخدمة. تسلّم الأخير إدارة شركة مجموعة المناطق الحرّة والمناطق التنموية لمدّة ستة أشهر بدءاً من أواخر 2017. ويتساءل قانونيون عن دور سابقيه في إدارة هذه المؤسسة منذ عام 2004، تاريخ بدء عمليات تصنيع تبغ مغشوش في مناطقها المعفاة من الضرائب. كما يتساءلون عن مصير عشرات الشخصيات – من بينهم نوّاب ومسؤولون سابقون - وردت أسماؤهم في سياق هذه القضية، كملازمين للمتهم الرئيس وناقلي رسائل ورشى.

 عمليات الدهم منتصف 2018 رصدت 32 ماكينة (آلة) تصنيع دخان مغشوش يحمل ماركات عالمية، معظمها داخل المناطق الحرّة المنتشرة في المملكة. بموجب قانون الجمارك، تخضع حركة دخول البضائع وخروجها من المناطق الحرّة لرقابة الجمارك العامّة.

شركة التبغ العالمية المتضررة التي كشفت قضية الغش، تقدّر خسارة الخزينة نتيجة التهرب الجمركي بمليار دينار (مليار و400 مليون دولار) على الأقل، علماً أن عمليات التلاعب، التحايل والرشى بـ"فضيحة التتن" تدحرجت ككرة الثلج منذ 2004. هذا الرقم يوازي 90 % تقريباً من إيرادات الخزينة من رسوم الجمارك (المكوس) سنوياً، وهي تشكّل – إلى جانب ضريبتي الدخل والمبيعات- 83 % من الإيرادات المحلية، وفق التقديرات الرسمية.

وكان مدعي عام محكمة أمن الدولة أمر الأربعاء الماضي بتوقيف وزير المياه والري السابق منير عويس ومدير دائرة الجمارك العامة السابق اللواء المتقاعد وضّاح الحمود إلى جانب أربعة من كبار المسؤولين في دائرة الجمارك (ثلاثة ضباط) ومؤسسة المناطق الحرّة (مستشار فيها).

 الدخان المتصاعد من "فضيحة التتن" يشكّل الحلقة الأخيرة في سلسلة كوارث هزّت الاقتصاد على مدى العقدين المنصرمين، في بلد يعيش فيه واحد من كل خمسة مواطنين تحت خط الفقر، أي قرابة مليوني نسمة. تتصدر هذه القضايا صفقات خصخصة مشوبة بشبهات، خصوصاً بيع شركة مناجم الفوسفات؛ نفط الأردن.

ويشكو أردنيون من انتقائية محاكمة المتهمين بالفساد وعجز السلطات عن استرداد الأموال المنهوبة عبر تسهيل خروج/ فرار المدانين لاحقاً قبل صدور الأحكام بحقهم.  

في 2013، أنزلت محكمة الجنايات عقوبة السجن 22 عاماً وغرامات 236 مليون دينار (330 مليون دولار) بحق زوج عمّة الملك وليد الكردي، عقب إدانته بجناية "استثمار الوظيفة". على أن الكردي – الذي يحمل جواز سفر بريطاني- فر قبل صدور الحكم، وهو لا يزال خارج البلاد.

وعلى رغم الوعود الرسمية بمكافحة الفساد، تراجع الأردن على سلم مدركات الفساد من 57 (عام 2016) إلى 59 (عام 2017) من بين 180 دولة وفق تصنيف منظمة الشفافية الدولية. وسجّل 48 من 100 درجة على هذا السلم، أي في المنطقة الحمراء.

محطّات قضية الدخان:

2004/2005: عوني مطيع يشرع في تأسيس مصانع تبغ مع مشاركين أردنيين

2016: شركتا تبغ عالميتان ترفعان قضايا حقوق الملكية ضد تصنيع ماركاتهما العالمية محلياً من دون وكالة

23 ديسمبر/كانون الأول 2016: إحدى الشركتين المتضررتين تُطلع مدير مؤسسة المواصفات والمقاييس حيدر الزبن على حجم التزوير، وتسلّمه تقريراً عن عمليات التصنيع غير قانونية.  

مايو/أيار 2018: إحالة مدير المواصفات والمقاييس للتقاعد. وقيل بعد تفجّر القضية أن لها علاقة بإقالته.    

11 يوليو/تموز 2018: فرار المتهم الرئيس إلى لبنان أولاً قبل انتقاله إلى تركيا

مطلع يونيو/حزيران 2018: نائب أردني يفجّر القضية داخل المجلس بعد أيام على تسلّم عمر الرزاز رئاسة الحكومة

17 ديسمبر/ كانون الأول 2018: الأردن يتسلّم عوني مطيع من تركيا

23 يناير/كانون الثاني 2019: توقيف ستة مسؤولين سابقين وحاليين