Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خفض مساعدات اللاجئين السوريين وقرار العودة المعلق إلى الوطن

قرار التخفيض بمثابة قطع شريان الحياة عن الغارقين في براثن الفقر وتقويض قدرتهم على العيش الكريم

مخيم للاجئين السوريين في لبنان (رويترز)

يرزح الملايين من اللاجئين السوريين تحت وطأة البؤس بعدما طال أمد لجوئهم القسري لعقد من الزمن. واللاجئون الذين تتقطع بهم سبل العيش في الدول المضيفة ما زالوا يعانون الأزمات وانعدام فرص العمل، بخاصة أن أعمالهم وحرفهم أخذت نار الحرب منها مأخذاً، ولم يبقِ القدر لهم سوى مساعدة إنسانية تعينهم على إكمال الحياة بشق الأنفس.

وقبيل أشهر من نهاية عام 2023 توالت القرارات الأممية بتخفيض المساعدات الإنسانية بسبب نقص التمويل من قبل الدول المانحة كصاعقة على رؤوس النازحين، لا سيما لمن يعول عائلات تحتاج متطلبات الغذاء والطبابة والتعليم في وقت يشهد فيه العالم أزمات كالتضخم والغلاء علاوة عن أزمة أمن غذائي تلوح بالأفق.

ناقوس الخطر

في غضون ذلك، دقت المنظمات الإغاثية ناقوس الخطر حيال ما تواجهه العمليات الإنسانية في سوريا والدول المجاورة من نقص حاد في التمويل، وسط تفاقم احتياجات المتأثرين من الصراع، وكذلك من تداعيات كارثة زلزال السادس من فبراير (شباط) عام 2023 ولهذا أطلقت منظمة الهجرة الدولية نداء استجابة لاحتياجات 15.3 مليون شخص (نحو 70 في المئة من السكان) تنقصهم المساعدة، بينما خطة الاستجابة للعام الماضي ممولة بنسبة 11 في المئة فقط.

وأعلن مدير عام المنظمة أنطونيو فيتورينو في بيان له "الشعب السوري والدول المضيفة أظهروا مرونة استثنائية طوال الصراع الذي طال أمده" في وقت قدمت الدول المانحة في مؤتمر بروكسل في منتصف يونيو (حزيران) من العام الماضي مساعدات إضافية بقيمة 10.3 مليار دولار للسوريين.

إزاء ذلك تنعدم طرق العودة لأكثر من 5 ملايين لاجئ مسجل في البلدان المجاورة، بينما قرار العودة الذي أخذ يتردد بالظهور عام 2017 يترافق مع استقرار شهدته بعض المدن السورية في الشمال ووسط البلاد وبريف العاصمة ما زال يعتريه كثير من المصاعب لأسباب سياسية وأمنية.

 

ويبدو تقاسم أطراف النزاع مناطق النفوذ يترك تأثيره على خريطة العودة، بحيث يتوجس من فر خارج البلاد بعد اندلاع نار المعارك العودة مجدداً إلى مناطق ما زالت تشهد حروباً واضطرابات أمنية، أو العودة لمناطق نفوذ غير مضمونة العواقب، ولا سيما من دون ضمانات تكفل سلامته وأمنه، إذ إن شمال غربي سوريا تحكمه فصائل معارضة، بينما أجزاء من الشمال الشرقي خاضعة للفصائل المدعومة من تركيا، بالتالي يمكن للدولة التركية ترحيل اللاجئين الذين يفوق عددهم ثلاثة ملايين لاجئ إلى مناطق في سوريا قريبة من الشريط الحدودي.

في المقابل هناك عشرات الآلاف من السوريين عادوا إلى الوطن في مناطق سيطرة الحكومة في وقت تنعدم أقنية الاتصال الرسمي والدبلوماسي من جهة كل من بيروت وعمان مع الفصائل المعارضة أو حتى مع مناطق تخضع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ولهذا يعتبر رضوان بني، وهو لاجئ سوري مقيم في بيروت، أن الذهاب إلى الحسكة موطنه الأصلي ومكان سكنه يعد "ضرباً من الخيال". وأردف "تحتاج عودتي عن طريق المعبر الرسمي من بيروت إلى الحسكة وبطريقة رسمية وشرعية إلى كثير من التحديات الأمنية، لا سيما أن المنطقة تختلط بها الفصائل الموالية لأطراف نزاع متنافرة، يبدو قرار السفر وارداً، ولكن ليس للوطن، لكن عبر البحار إلى البلدان الأوروبية".

مواصلة توصيل المساعدات من تركيا

وفي سياق متصل، قال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إن سوريا مددت التصريح الممنوح للأمم المتحدة لإيصال المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في شمال غربي البلاد عبر معبرين حدوديين تركيين لثلاثة أشهر أخرى.

وبعد أن أدى الزلزال إلى مقتل أكثر من 50 ألف شخص في تركيا وسوريا في فبراير 2023، سمحت دمشق في البداية للأمم المتحدة بإرسال المساعدات عبر المعبرين التركيين لمدة ثلاثة أشهر. وبذلك تم تمديد هذا التصريح لمرة رابعة حتى الـ13 من مايو (أيار) 2024.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة قصي الضحاك في منشور على موقع "إكس"، إن الأمم المتحدة يمكنها الاستمرار في استخدام معبري باب السلام والراعي، وفق ما نقلته وكالة "رويترز".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستخدمت الأمم المتحدة أيضاً معبر باب الهوى من تركيا لإيصال المساعدات إلى الملايين في شمال غربي سوريا منذ عام 2014 بتفويض من مجلس الأمن الدولي، لكن هذا الأمر توقف في منتصف يوليو (تموز) من العام الماضي بعد إخفاق المجلس المؤلف من 15 عضواً في التوصل إلى اتفاق لتمديده. وبعد ذلك بأيام، قالت الحكومة السورية إنه يمكن للأمم المتحدة أن تستمر في استخدام معبر باب الهوى لمدة ستة أشهر أخرى. ومددت الحكومة السورية هذه الموافقة الشهر الماضي لمدة ستة أشهر إضافية.

أزمات متعاقبة

ولقد تأثرت أزمة السورية، ولا سيما اللجوء، بعديد من متغيرات دولية وإقليمية طارئة مثل حرب غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) وسبقتها الحرب الروسية - الأوكرانية، وبأزمات مالية واقتصادية عالمية خفضت من شأن التمويل لتغطية احتياجات النازحين.

وتحدث رئيس منتدى "الأمل" لشؤون اللاجئين قصي دالي إلى "اندبندنت عربية" عن توقيت تخفيض المساعدات الذي جاء بصورة مفاجئة مع نهاية عام 2023، وفي وقت ليس مناسباً، إذ خفضت مفوضية اللاجئين في لبنان المساعدة المخصصة للرعاية الصحية والاستشفائية، وامتنعت عن تقديم المساعدة النقدية الشتوية، كما أوقفت المساعدة النقدية الشهرية عن عدد لا بأس به من اللاجئين السوريين. وأضاف "حاجة اللاجئين السوريين إلى المساعدة تتزايد، وذلك من أجل تأمين الحاجات الأساسية الضرورية للحياة اليومية، وخاصة في ظل الأزمات المتعاقبة المتعددة، والأحداث الأخيرة في جنوب لبنان".

ويتوقع دالي ما يمكن أن يفضي إليه تضاؤل المساعدات من انعكاسات خطرة اجتماعية واقتصادية وتدنٍ في سبل العيش للاجئين الأشد عوزاً، وهذا ما يدفع بكثر إلى الاستدانة أو العجز عن دفع إيجار المأوى أو اللجوء للاستجداء من أشخاص عبر وسائل التواصل، ومن المرجح وقوعهم ضحية أولئك الذين يدعون صلتهم بالمنظمات غير الربحية مستغلين الحاجة الإنسانية للأشخاص ومعرفتهم البسيطة.

ويصف رئيس منتدى "الأمل" لشؤون اللاجئين في سياق حديثه عن تأثير تخفيض المساعدات في قرار العودة إلى أوطانهم بـ"كارثة إنسانية" ستفاقم من الأوضاع الصعبة، وأضاف "أن وقف المساعدات الإنسانية ستدفع اللاجئين السوريين للعيش في ظروف صعبة للغاية، وبخاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض أجور العمل، ولكن ليس بالضرورة أن ذلك يدفعهم إلى العودة لبلدهم الأساس". وتابع "قرار التخفيض بمثابة قطع شريان الحياة عن أولئك الغارقين في براثن الفقر المدقع، وتقويض قدرتهم على العيش الكريم، لذا فإنني أحث المنظمات الإنسانية والحقوقية على بذل كل الجهود من أجل مساعدة اللاجئين على تأمين الحد الأدنى من المستوى المعيشي، وضمان حصولهم على الخدمات الأساسية".

وناشد عماد الناجي، سوري يقيم في بيروت، العالم لدعم اللاجئين، وظهر عبر حساب منصة "تيك توك" مطالباً بدعم اللاجئين على الرحيل خارج البلاد وإعادة التوطين. وقال "لا نريد مساعدات ولا جمعيات... نطالب بإعادة التوطين والضغط على الاتحاد الأوروبي من قبل المفوضية لاستيعاب ما تبقى".

ضمانات العودة 

وتعتقد أوساط سياسية وشعبية في بلدان اللجوء السوري، لا سيما الدول المجاورة، إلى كون تخفيض المساعدات الإنسانية عن شريحة واسعة من اللاجئين في لبنان والعراق وتركيا سيدفع أولئك من حزم حقائب النزوح، والتقهقر إلى ديارهم، حيث عاشت هذه الدول أكبر موجة نزوح في عام 2015 مع اشتداد النزاع المسلح.

في المقابل، يقلل متابعون لهذا الملف من جدية عودة من بات بلا مساعدة من اللاجئين إلى ديارهم، وذلك للأسباب نفسها، إذ انقطعت المساعدة هي الأخرى عن السوريين بالداخل بعد قرار من برنامج الأغذية بمكتب سوريا عن وقف تقديم المساعدات الغذائية، وهنا تجزم الناشطة الحقوقية، ربا مرتضى إلى تحول غالبهم إلى الهجرة نحو دول لجوء أوروبية على رغم الصعوبات. وأضافت "من بقي ولم يسافر لأسباب مالية كارتفاع كلف السفر والهجرة أو صعوبة طرق التهريب المحفوفة بالأخطار، سيبحث عن دول أخرى، ولن يعود إلى بلده، لتعرضه للخطر من دون تسوية سياسية وضمانات بعدم التعرض". وأبدت في الوقت نفسه استغرابها الشديد من تخفيض المساعدات داخل سوريا وخارجها، ولكنها رأت "كان من الممكن العمل على عودة النازحين عبر ضمانات تضمن عودة آمنة، ويتبعها استمرار المساعدات الإنسانية والإغاثية للاجئين داخل سوريا وتحويل مساعدات إضافية لمن يود العودة، وهذا ما يشجع الناس على العودة حقاً، لا سيما أن عودتهم إلى أماكن إقامتهم تحتاج إلى أعباء كبيرة من إعمار وإعادة بناء لمنازلهم المهدمة، بالتالي يمكن تشجيع من في الخارج إلى العودة، وبهذا يمكن وضع حل نهائي لأزمتهم".

المزيد من تقارير