Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل كان دوما الأب أعظم سيناريست في التاريخ كما يؤكد الفرنسيون؟

ربما كان صاحب "الفرسان الثلاثة" بصورة أو بأخرى الفنان الذي لولاه لما كان لهوليوود أي وجود

ألكسندر دوما غيتي)

منذ البداية لا بد من الإشارة الواضحة إلى استحالة أن يكون الأمر منطقياً. ففي الحقيقة لا يمكن بأية حال من الأحوال أن تكون لألكسندر دوما الأب (1802 - 1870) الذي يعتبر واحداً من كبار الكتاب الروائيين، وغير الروائيين، أية علاقة بالسينما وهو الذي رحل عن عالمنا قبل ما لا يقل عن عقدين من ولادة السينما وعروضها الأولى، ومن ثم ليس منطقياً أن يكون أعظم كاتب سيناريو في تاريخ هذا الفن حتى وإن كانت السينما قد اقتبست العدد الأكبر من رواياته مئات المرات ولا سيما منها "الكونت دي مونت كريستو" التي يمكننا القول إنها حضرت على شاشات السينما مباشرة أو مداورة مئات المرات.

ومع ذلك قرر الفرنسيون يوماً، وعلى لسان الكاتب ديدييه ديكوان حين كان عضواً في "أكاديمية غونكور" أن هذا الكاتب الشعبي الكبير ينبغي اعتباره "مخترع السينما" مع إضافة كلمة "تقريباً" على سبيل "التواضع". ومهما يكن من أمر هنا من المؤكد أن هذه "التقريباً" ليست على علاقة بالتأكيد المنافس الذي جاء يوماً على لسان أعظم سينمائيي القرن الـ20 أورسون ويلز حين أعطى اللقب لمعلمه شكسبير الذي كان أبعد عن "اختراع السينما" زمنياً من دوما بما لا يقل عن قرنين ونيف من الزمن. ومن هنا يحق لنا أن نقول من ناحية مبدئية إن الحكاية كلها لا معنى لها، فلا شكسبير ولا دوما ارتبطا بالسينما أي ارتباط، والمسألة رمزية تكريمية لا أكثر.

دور هوليوودي مبكر

بيد أن الفرنسي ديكوان لم يكن من الذين يرتضون من الغنيمة بالإياب، إذ إنه أورد في مجال دعم تأكيداته حكاية تتحدث عما لا يقل عن أن دوما كان بصورة أو بأخرى في خلفية ظهور هوليوود ومعها انطلاق السينما الأميركية ومن خلالها سينما العالم، ويعود ذلك إلى عام 1907 حين لم تكن هوليوود موجودة بعد. ففي ذلك العام كان المخرج الأميركي فرنسيس بونج والمنتج ويليام سيليغ وقد اكتشفا أن شمس ولاية كاليفورنيا الساطعة قادرة على أن تجعل من تلك الولاية مركزاً مفضلاً لتصوير الأفلام السينمائية طافا معاً في أرجاء تلك الولاية، بحثاً عن أمكنة يصوران فيها المحاولة الأولى لإنتاج فيلم مقتبس عن رواية "الكونت دي مونت كريستو" لدوما، التي وحدها هوليوود ستقتبسها أكثر من دزينة من المرات فيما ستقتبسها السينما العالمية مئات المرات الأخرى بل ستؤفلمها من دون أن تشير إلى مؤلفها.

ولقد وفق السينمائيان المبكران إذ عثرا في أنحاء متفرقة من الولاية على ديكورات تبدو وكأنها نسخة طبق الأصل من مواقع فرنسية تاريخية، ثم كي لا يبعدا عن تلك الأماكن أمعنا بعد أن وجدا المواقع الأولى صالحة للمشاهد الخارجية، بحثاً أكثر عند تخوم مدينة لوس أنجليس ليعثرا على هضبة ملائمة لكي تقام عليها تلك الاستوديوهات البدائية الأولى التي ستتحول خلال السنوات القليلة التالية إلى عاصمة مزدهرة للسينما في أميركا حاملة اسم "هوليوود".

عودة للأدب

ويكفينا هنا هذا القدر من حكاية تأسيس هوليوود وهي حكاية معروفة، فما يهمنا هنا هو علاقة دوما بكل ذلك بل مشروعية اعتباره المبدع الذي يجوز أن ينسب إليه تأسيس هوليوود، من ثم نعود إلى حكايتنا الأولى التي تجعل من دوما في الأقل واحداً من أعظم كاتبي السيناريو في سينما العالم، بعد شكسبير بالطبع. لأننا بين تطويب ديكوان لصاحب "الفرسان الثلاثة" بوصفه حامل اللقب وتطويب ويلز لشكسبير لشغل تلك المكانة، نميل نحن إلى اختيار هذا الأخير ولو لمجرد أن الفكرة أتت من ذاك الذي حقق - وانطلاقاً من سيناريوهات كتبها بنفسه - ما لا يقل عن ثلاثة أفلام شكسبيرية كبرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحقيقة أن نظرة كمية تقارن بين حضور الكاتبين الأميركي والفرنسي الكبيرين في الاقتباسات السينمائية عن أعمالهما، ربما تعطي الأولوية لشكسبير الذي ندر أن استنكفت السينما عن أفلمة أي من مسرحياته، لكن دوما يبدو في هذا السياق منافساً حقيقياً له. وللمناسبة لا بد من الإشارة هنا إلى أن "الكونت دي مونت كريستو" تتلوها "الفرسان الثلاثة" تبقى الأكثر أفلمة بين روايات دوما وفي كل البلدان التي عرفت إنتاجاً سينمائياً خلال القرن ونيف من تاريخ السينما وصولاً إلى أيامنا هذه، التي تشهد ظهور فيلمين شعبيين كبيرين مقتبسين عن "الفرسان الثلاثة"، لتنافس "هاملت" و"الملك لير" بالنسبة إلى المسرحات الشكسبيرية.

عمق المسألة

غير أن المسألة تبدو أعمق من ذلك وفي الأقل بالنسبة إلى دوما، الذي لن يكون محيي ذكراه وسينمائيته في القرن الـ20، ديدييه ديكوان، بعيداً من الصواب، إذ يرى هذا أن "الأهمية السينمائية" لهذا الكاتب الكلاسيكي الكبير تكمن في كونه، ومنذ بداياته كروائي قد اختار هذا النوع من الكتابة في سبيل الكتابة نفسها، بل إن الدراسة المعمقة لنصوصه ستجعلنا ندرك أنه إنما كانت غايته الأساسية أن يمكن قارئه من "مشاهدة" ما يرويه له. ويقول ديكوان إن غوستاف فلوبير كان يرى أن دوما كان أول من انكب على الترفيه عن ذلك القارئ وكأنه يصور له الشخصيات والأماكن والأحداث عبر الفانوس السحري".

والحقيقة أن هذا التشبيه سيبدو حافلاً بالغرابة إن نحن تذكرنا كيف أن كل مؤرخي الفن السينمائي يذكرون هذا الفانوس بوصفه التقنية التي شكلت حلقة الوصل بين اختراع العربي ابن الهيثم للغرفة السوداء، الاختراع الذي كان في خلفية الوصول إلى اختراع السينما نفسها. ولعل المدهش هنا أن فلوبير وبحسب ديكوان، أشار إلى العلاقة بين الوصف التفسيري المسهب لما يحدث في روايات دوما والفانوس السحري قبل عقود طويلة من تحول ذلك الفانوس إلى فن سينمائي.

بين الازدراء والإعجاب

ولنذكر أن الأخوين غونكور، الكاتبين اللذين أسسا جائزة غونكور قد سارا على خطى فلوبير حين أكدا، ولو من موقع الازدراء هذه المرة لا من موقع التحبيذ، أن دوما كان من أكثر كتاب زمنه ابتكاراً للعجائب ودمج الصورة القلمية في العملية الكتابية مما جعل كثراً، خارج إطار نظرتي فلوبير وغونكور المتشابهتين في نهاية الأمر، يعتبرون بدورهم ألكسندر دوما ينتمي "إلى كتاب المشاهد الاستعراضية، بأكثر مما ينتمي إلى الكتاب الاستعراضيين"، ومن المؤكد أن هذا التوصيف يكاد يشير إلى ما أوضحه فلوبير في قوله إن "شخصيات دوما، حين تتقافز فوق سطوح الأزقة والعمارات، وتركض وسط الأخطار عابرة بلاط تلك الأزقة"، واصفاً خطورة ما يجابهها عند كل زاوية من دون أن تتوقعه مسبقاً، حيث تصاب بعشرات الجروح وتبدو وكأنها على وشك أن تقتل قبل أن تعيدها معجزة أمام أبصارنا إلى الحياة وهي تركض مندفعة من دون أن يترك لها الكاتب دقيقة لتأمل ما يحدث لها، "ترى كيف يمكننا، يتساءل فلوبير، أن نقرأ ما تصفه لنا كلمات دوما وعباراته، من دون أن نتفاجأ بأن ما نقرأه إنما ينتمي بشكل مسبق إلى ذلك التوصيف لمشاهد سينمائية" ستنتشر كتابتها على أية حال، لتتحول إلى مشاهد متحركة بعد عقود من كتابة فلوبير هذا النص الاستباقي.

لو عاش دوما أكثر

يبقى هنا أخيراً أن نؤسس على هذه النظرة التي يلقيها فلوبير على أدب معاصره الكبير لنتساءل مع ديدييه ديكوان: ترى حين ظهر الفن السابع بعد مرور 15 عاماً على رحيل دوما، هل كان من شأن هذا لو قيض له أن يشهد ولادة ذلك الفن البصري الصامت على أية حال طوال الثلث الأول من تاريخه، أن يدرك علاقته به والإمكانات التي يحملها إليه في إضافة نوعية إلى جهوده الإبداعية، أو ينظر إليه، وعلى غرار ما فعل مخترعا السينما، الأخوان لوميير، على أنه مجرد فن ترفيهي ولعبة مدهشة تليق بالمنوعات التي يقبل عليها الأطفال في الأعياد والأسواق؟ من المؤكد على أية حال أن دوما، ذا الفكر الاستباقي الرؤيوي، وسيد الحركة في الأدب من دون منازع، كان من شأنه أن يفضل الحل الأول وهو ما يجعله، وفي الإمكان على أية حال، يستحق لقب "أعظم كاتب سيناريو في التاريخ".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة