Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أصبح بايدن الخاسر الأكبر من الحرب في غزة؟

إحباطات الرئيس الأميركي تتزايد لكن من غير الواضح ما الخيارات التي يمكن أن يسلكها

الرئيس الأميركي جو بايدن  (أ ف ب)

ملخص

تلقى الرئيس الأميركي جو بايدن ضربة سياسية في الداخل بتخلي جزء كبير من قاعدته الانتخابية عنه بسبب طريقة معالجته الأزمة في غزة خلال عام الحسم الانتخابي، فهل يتمكن من إيجاد وسيلة تغير هذا المسار أم أنه انزلق في هوة سحيقة لا مخرج منها؟

يبدو أن الرئيس الأميركي جو بايدن لا يجد مخرجاً مناسباً من الحرب المستعرة في الشرق الأوسط التي تنذر بالتوسع وتوريط الولايات المتحدة فيها، فقد أدى عجز إدارة بايدن في احتواء الحرب المستمرة في غزة لأكثر من 100 يوم، وعدم انصياع حكومة نتنياهو لطلبات إدارته وضغوطها المتكررة، إلى اتهامات بالتواطؤ وفقدان صدقيته في المجتمع الدولي، في وقت تلقى فيه ضربة سياسية في الداخل بتخلي جزء كبير من قاعدته الانتخابية عنه بسبب طريقة معالجته الأزمة في غزة خلال عام الحسم الانتخابي، فهل يمكن للرئيس الأميركي أن يجد وسيلة تغير هذا المسار أم أنه انزلق في هوة سحيقة لا مخرج منها؟

بايدن محبط

قبل أن يبدأ وزير خارجيته أنتوني بلينكن زيارة الشرق الأوسط في جولة رابعة للضغط على الحكومة الإسرائيلية، وإحداث تغيير ملموس في نهجها القتالي داخل غزة بما يحد من القتلى المدنيين ويسمح بإدخال المساعدات الإنسانية لسكان القطاع، يشعر الرئيس بايدن وغيره من كبار المسؤولين الأميركيين بالإحباط المتزايد تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورفضه معظم طلبات الإدارة الأخيرة المتعلقة بالحرب في غزة، وفق ما نقله موقع "أكسيوس" نقلاً عن أربعة مسؤولين أميركيين على صلة مباشرة بالقضية.

ويعود هذا الإحباط إلى أنه منذ هجوم "حماس" على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أي قبل نحو 100 يوم، لم يتردد بايدن في تقديم دعمه الكامل لإسرائيل، فأرسل حاملة الطائرات الأحدث والأكبر في العالم جيرالد فورد وعدداً من مدمرات الصواريخ وغواصة نووية، فضلاً عن إرسال كل ما تحتاج إليه تل أبيب من ذخيرة وسلاح.

كما ساند نتنياهو دبلوماسياً وقدم الحماية الكاملة في مجلس الأمن أكثر من مرة لمنع استصدار قرارات من مجلس الأمن تدين إسرائيل أو توقف هجومها الانتقامي على غزة، لكن مع ذلك لم تستجب الحكومة اليمينية المتشددة في إسرائيل للطلبات الأميركية، وهو مما أدى إلى ظهور دلائل متزايدة على أن بايدن بدأ يفقد صبره.

من بين هذه الدلائل أن بايدن الذي تحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي كل يومين تقريباً لم يتحدث معه منذ مكالمة متوترة جرت قبل ثلاثة أسابيع وبالتحديد في الـ23 من ديسمبر (كانون الأول)، التي أنهاها بايدن فجأة قائلاً "هذه المحادثة انتهت" بعدما رفض نتنياهو طلبه بأن تفرج إسرائيل عن عائدات الضرائب الفلسطينية التي تحتجزها، وتعد عاملاً مهماً للدور الذي يمكن أن تقوم به السلطة الفلسطينية في أي تصور مستقبلي لغزة.

وإضافة إلى ذلك يعتقد بايدن ومستشاروه أن إسرائيل لا تفعل ما يكفي للسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة وزيادة الضغوط على الإدارة الأميركية التي تتهم من قبل بعض الديمقراطيين بالتخاذل عن ممارسة دور ضاغط، موما زاد من إحباط بايدن عدم رغبة نتنياهو في مناقشة خطط اليوم التالي للحرب بجدية ورفضه الخطة الأميركية الخاصة بدور السلطة الفلسطينية في مرحلة ما بعد "حماس" في غزة.

أولويات مهملة

يبدو أن زيارة وزير الخارجية بلينكن إلى إسرائيل الأسبوع الماضي أدت إلى تفاقم خيبة الأمل داخل البيت الأبيض ووزارة الخارجية، بسبب تجاهل نتنياهو وحكومته الأمور التي تعتبرها إدارة بايدن أولوية لها، إذ لم يوافق نتنياهو سوى على السماح لبعثة تابعة للأمم المتحدة بدخول شمال غزة لتقييم حاجات العودة المستقبلية للمدنيين الفلسطينيين إلى المنطقة، بينما رفض الإفراج عن عائدات الضرائب الفلسطينية التي تعوق الجهود الأميركية للدفع من أجل الإصلاحات في السلطة الفلسطينية.

وبينما يعترف المسؤولون الأميركيون بأنه من المستبعد موافقة نتنياهو على صفقة تمهد الطريق نحو إقامة دولة فلسطينية، فإنهم يحاولون تقديم رؤية بديلة لما يخشى كثر أن تكون حرباً بلا نهاية في غزة، إذ وصف بلينكن خطة الحكومة الإسرائيلية لليوم التالي للحرب بأنها "فطيرة في السماء" وهو تعبير أميركي يقصد به أنها هدف جيد من غير المحتمل تحقيقه، وبدلاً من ذلك أوضح بلينكن أن الدول العربية لن تساعد في إعادة بناء غزة وإدارتها إذا لم تسمح إسرائيل للسلطة الفلسطينية بأن يكون لها دور وإذا عرقلت وجود أفق سياسي للفلسطينيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مأزق بايدن

من الواضح أن إدارة بايدن تشعر الآن بقلق متزايد من أن إسرائيل لن تفي بجدولها الزمني للانتقال إلى عمليات عسكرية منخفضة الكثافة في غزة بحلول نهاية يناير (كانون الثاني) الجاري، استناداً إلى الوضع الحالي في غزة، بخاصة في مدينة خان يونس الجنوبية حيث يدور قتال عنيف في وقت يقول فيه محللون عسكريون إن إسرائيل فشلت في تحقيق ما خططت له، إذ لم تنجح في في اعتقال أو قتل قادة "حماس" الرئيسين مثل يحيى السنوار، المسؤول الأعلى للحركة في غزة، كما لم تتمكن من تأمين إطلاق سراح أكثر من 130 رهينة ما زالوا على قيد الحياة في الأسر، فيما أدى عدد القتلى المدنيين في غزة إلى إثارة انتقادات وضغوط دولية واسعة النطاق على إسرائيل، بما في ذلك من إدارة بايدن.

وبحسب الأستاذ في قسم دراسات الحرب في جامعة كينغز كوليدج في لندن، أهرون بريغمان، فإن تجمع سكان غزة في مناطق أكثر ازدحاماً يتيح لمقاتلي "حماس" أن يندمجوا بشكل أعمق بين السكان ويمكن أن ينقسم المسلحون إلى مجموعات متمردة أصغر حيث يكون من الصعب على إسرائيل ملاحقتها وقتلها لأن الإسرائيليين مدربون على قتال الجيوش النظامية وليس مكافحة التمرد، فيما يشير المحلل العسكري في مؤسسة جينز للاستخبارات الدفاعية جيمس راندز إلى أن القضاء على آخر الجماعات المسلحة سيكون صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.

ويحذر الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، دان بإيمان، من أن الحرب قد تصبح أكثر خطورة بالنسبة إلى شعب غزة، لأنه من دون استراتيجية خروج واضحة قد يكون من المستحيل تحقيق الهدف الاستراتيجي الأوسع لإسرائيل وهو القضاء على "حماس"، مشيراً إلى أن نجاحها سيعتمد جزئياً على تدمير القوة العسكرية لـ"حماس"، ولكن أيضاً على ضمان أن القيادة القادمة في غزة، أياً كانت، ستحظى ببعض الشرعية ولديها بعض القدرة على العمل.

خيارات معقدة

وإذا لم تخفض إسرائيل عملياتها العسكرية وانتشارها في غزة من أجل تقليل الخسائر البشرية الفلسطينية، فقد يواجه بايدن خيارات معقدة وصعبة، أولها أنه قد يكون مطالباً بعدم الحفاظ على نفس المستوى من الدعم للعمليات العسكرية الإسرائيلية، ولكن في الوقت نفسه فإن بلاده التي تعد أقرب حليف وأكبر مورد أسلحة لإسرائيل، ولديها وسائل أقوى لممارسة الضغط على تل أبيب لا تظهر أي استعداد لاستخدامها.

وبالنسبة إلى بايدن شخصياً، فإن عديداً من العوامل تضعف قدرته على التصرف من بينها أن الرأي العام في الداخل الذي لا يزال في غالبيته مؤيداً لإسرائيل وضغوط اللوبي الإسرائيلي القوي في واشنطن، ومعركته من أجل بقائه السياسي على المدى القصير، تقوض إمكانية أن يصبح أكثر صرامة في محاولة إجبار نتنياهو على القبول بالدولة الفلسطينية أو تقديم تنازلات أوسع، خصوصاً أن محاولة إعادة انتخاب بايدن الرئاسية هذا العام تضعه في مواجهة الجمهوريين الذين يتنافسون على التفوق على بعضهم بعضاً في دعمهم إسرائيل.

في المقابل، قاوم بايدن دعوات البعض في حزبه الديمقراطي لاستخدام النفوذ الأميركي لدى إسرائيل، إذ تحدت الإدارة علناً تحرك بعض أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين لربط المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل باتخاذ مزيد من الخطوات الملموسة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين في غزة، واستخدم بايدن بند حالة الطوارئ مرتين للسماح ببيع أسلحة جديدة لإسرائيل من دون موافقة الكونغرس.

غير أنه من المتوقع حدوث محاولة أخرى للضغط على إدارة بايدن وإسرائيل الأسبوع المقبل، إذ يعتزم السيناتور بيرني ساندرز طرح التصويت على إجبار وزارة الخارجية على إخبار الكونغرس ما إذا كانت إسرائيل تلتزم القانون الإنساني الدولي.

خطر التورط

ويحذر بعض الخبراء من أن المأزق الأميركي الحالي يمثل صيغة قد تجبر الولايات المتحدة على المشاركة العسكرية والأمنية بشكل أعمق في الشرق الأوسط، مع تفاقم الأعمال القتالية واستمرار معاناة المدنيين الفلسطينيين.

وبحسب المستشار السياسي السابق في وزارة الخارجية الأميركية لشؤون مكافحة الإرهاب بريان فينوكين، فإن ما يكون مناسباً في السياسة الداخلية على المدى القصير قد لا يكون في مصلحة الولايات المتحدة على المدى الطويل بخاصة إذا أدى ذلك إلى توريط الولايات المتحدة في مزيد من الحروب غير الضرورية في الشرق الأوسط.

ويشير فيونكين إلى أنه في وقت اختتم فيه بلينكن زيارته الدبلوماسية في الشرق الأوسط، ضربت السفن الحربية والطائرات الأميركية أهدافاً في اليمن على أمل قمع الهجمات التي شنها الحوثيون المتحالفون مع إيران على السفن التجارية في البحر الأحمر منذ أن بدأت إسرائيل هجومها المدمر في غزة التي تسيطر عليها "حماس".

رهان خاسر

 لكن يبدو أن نهج بايدن المتمثل في البقاء حليفاً عسكرياً لإسرائيل لا غنى عنه كأفضل طريقة لانتزاع تنازلات من نتنياهو لم يكن كافياً، إذ كان وزراء حكومته يعلنون رفضهم بعض الطلبات الأميركية حتى عندما كان بلينكن لا يزال في المنطقة.

ويعود سبب تصلب موقف نتنياهو بحسب السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة مايكل أورين، إلى أن القادة الأميركيين لم يدركوا مدى تحول الرأي العام الإسرائيلي في شأن القضية الفلسطينية على مر السنين، بخاصة منذ هجوم السابع من أكتوبر الماضي، ومن الطبيعي ألا تلتقي المصالح الأميركية والإسرائيلية دائماً، وإذا قال بايدن توقفوا فلن نتوقف.

محاولات متعثرة

ويعتقد بلينكن ومساعدوه أنه إذا أجرت إسرائيل انتخابات مبكرة، فإن نتنياهو أو خليفته سيدرك أن الدولة الفلسطينية هي المفتاح لأمن إسرائيل على المدى الطويل وسيقبلها لأنه سيكون لها تأثير في عزل إيران ووكلائها، الذين يشكلون التهديد الأكبر لإسرائيل والمنطقة، وأنه إذا كان من الممكن دمج إسرائيل في المنطقة، فستتم العلاقات مع الدول الأخرى، وهذا مسار جذاب للغاية، لكن من الواضح أن ذلك يتطلب طريقاً إلى دولة فلسطينية.

وفي الوقت نفسه تفكر إدارة بايدن على المدى الطويل وتعمل على إبقاء القنوات مفتوحة مع اللاعبين السياسيين الآخرين في إسرائيل، إذ اجتمع بلينكن مع وزير الحرب بيني غانتس، الذي تظهر استطلاعات الرأي المحلية أنه من المرجح أن يفوز بسهولة في الانتخابات الإسرائيلية إذا أجريت اليوم، كما التقى بلينكن أيضاً زعيم المعارضة يائير لبيد ووزير الدفاع يوآف غالانت، المنافس الرئيس لنتنياهو داخل حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء.

لكن حتى الآن، يبدو نتنياهو أكثر استعداداً للاستماع إلى الوزراء القوميين المتطرفين في حكومته وبالتحديد إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش بدلاً مما يقوله رئيس الولايات المتحدة.

الثقل الأميركي يهتز

مع تعثر الوضع الراهن واستمرار قتل مزيد من المدنيين في غزة تعرض الثقل الدبلوماسي الأميركي للخطر واتخذت على أثرها بعض القرارات التي تتحدى إدارة بايدن، كان أولها حين ألغت السلطة الفلسطينية ومصر والأردن اجتماع قمة عمان الذي كان بايدن يسعى إليه بسبب تزايد عدم الثقة في مخططات واشنطن، وحديثه عن حل الدولتين الذي بدا لهم كأنه خدعة.

وفي مرة ثانية حين تحدت دولة جنوب أفريقيا رغبة الولايات المتحدة في عدم تقديم دعوى أمام محكمة العدل الدولية لمقاضاة إسرائيل على ارتكاب ما وصفته بالإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة.

وتسبب هذا العجز من إدارة بايدن في احتواء الحرب المستمرة لأكثر من ثلاثة أشهر، في اتهامات بالتواطؤ وفقدان الصدقية بين مختلف الشركاء الإقليميين وفي الجنوب العالمي الذين يشعرون جميعهم بالقلق وخيبة الأمل من النظام العالمي الضعيف السائد، يتجلى هذا اليأس في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي جعلت المنظمة الدولية والمنظمات المتعددة الأطراف بلا جدوى.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير