Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطفال غزة: أسماء وصور وحيوات

كان لأطفال غزة حيوات وأحلام. ولكن منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على القطاع، قضى أكثر من 7 آلاف طفل نحبهم نتيجة الغارات الجوية ونيران المدفعية وقذائف الهاون. وغالبا ما حصد القتل أسراً بأكملها في لحظات.

صور بعض الأطفال الذين أزهقت أرواحهم في صراع تقول الأمم المتحدة إنه حول غزة إلى "مقبرة للأطفال" (اندبندنت)

 

ملخص

تقرير يسلط الضوء على قصص 9 أطفال فلسطينيين أزهقت أرواحهم في الحرب كما رواها شهود عيان.

قبل اندلاع النزاع الأخير، كانت شوارع غزة تنبض بحيوية أطفالها وصخبهم. ففي هذا الشريط الضيق من الأرض، الذي يقطنه ما يقارب مليوني شخص، أعمار نصف سكانها هي ما دون سن الـ18. وخلال عطلات نهاية الأسبوع والإجازات المدرسية، كان يتردد في شواطئ القطاع وحدائقه والملاعب، صدى أصوات الأطفال وضحكاتهم وهم يمرحون ويلعبون.

إلا أنه قيض لأطفال غزة أن يتحملوا ثقلاً غير عادي في حياتهم القصيرة. فأحدهم يبلغ من العمر 15 سنة، عايش حتى الآن خمس حروب، بما فيها الصراع المستجد والمستمر. وبالنسبة إلى كثر آخرين، فإن الواقع المرير أجبرهم على النزوح مرات عدة بعد تعرض منازلهم للدمار بسبب القصف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم محنهم السابقة، فإن حجم الدمار هذه المرة لا مثيل له. فمنذ بدء الهجوم الإسرائيلي على غزة، فقد أكثر من 7 آلاف طفل حياتهم بسبب الغارات الجوية والمدفعية وقذائف الهاون. يشار إلى أن هذا الرقم يمثل فقط أولئك الذين تم التعرف إليهم، ويرجح أن كثيراً منهم مدفونون تحت أنقاض المباني المهدمة. وتشمل الحصيلة إصابة الآلاف، في وقت تصف فيه الأمم المتحدة غزة بأنها "مقبرة لآلاف الأطفال"، وتعتبرها "أخطر مكان في العالم بالنسبة إليهم".

ووسط هذه الإحصاءات التي تفوق التصور، تغيب وجوه هؤلاء الأطفال وأسماؤهم وتفاصيل حياتهم ولحظات الفرح التي عاشوها ذات يوم. وفي ما يلي بعض من قصصهم.

رياضية واثقة: سوار المدهون، 13 سنة

كثيراً ما تميزت سوار بقامة تفوق البنات في عمرها، وقد استخدمت هذه الميزة بثقة. فكرة السلة لم تكن مجرد لعبة بالنسبة إليها، بل شغفاً. وقد كرست نفسها لهذه الرياضة، ولعبت في فريق مدرستها في أوقات فراغها، وحتى خلال فصل الصيف، وحازت أوسمة وجوائز. وهناك لحظة آسرة تم التقاطها بالفيديو لها تخلد رقصة النصر المبتهجة على مسرح كبير بعد فوزها ببطولة كرة السلة، وهي محاطة بقصاصات الورق وبالموسيقى الصاخبة. وانضم الفريق بأكمله إلى الاحتفال، وكان أعضاؤه يقفزون فرحاً بميدالياتهم.

كانت سوار ترتدي في كثير من الأحيان قميص كرة سلة قديمة من مدرسة ثانوية في فلوريدا، رسم على جهتها الأمامية طوق وكرة. ولم تقتصر براعتها الرياضية على كرة السلة فحسب، بل برعت أيضاً في لعبة الكرة الطائرة، مستفيدة من طول قامتها في رياضة أخرى كانت تحبها للغاية.

برزت سوار على أنها مستقلة بشكل ملحوظ مقارنة بالفتيات في سنها. ويقول عمها هاني المدهون: "لم تكن في الواقع تبالي بما يدور حولها، فقد كانت تخرج وتتدبر أمورها بنفسها، وتذهب إلى الشاطئ للسباحة، وكان لديها دائماً ما يشغلها، ولم تكن خجولة على الإطلاق".

وعلى رغم أنها كانت تبلغ من العمر 13 سنة فقط، فقد كانت الفتاة تتمتع بالثقة، مما يجعلها الأكثر انفتاحاً بين شقيقاتها وأشقائها. ويتذكر هاني باعتزاز رغبتها الدائمة على مساعدة والديها.

كانت أيضاً مولعة بالنزهات. وعندما يكون في حوزتها دولار واحد، كانت ترتاد برفقة صديقاتها أحد المطاعم القريبة، لطلب الوجبة نفسها - شطيرة شاورما، ومخللات، وسلطة الذرة، وبطاطا مقلية - وكلها معبأة بشكل أنيق في وعاء محكم.

كانت المفضلة لدى الجميع، وكان الجميع أصدقاء لها

الطفلة الوسطى سوار، كانت تفرط في حماية إخوتها وأخواتها الأصغر سناً، كما أبناء عمها الصغار، الذين كانت تحب الاعتناء بهم كلما جاؤوا لزيارة الأسرة. وكانت بنات هاني، اللاتي يأتين من الولايات المتحدة إلى غزة يمضين وقتهن كله مع سوار.

ويقول هاني: "أينما ذهبت بناتي، كانت تذهب معهن. لقد كن مثل ظلها. كانت الشخصية المفضلة لدى الجميع، وكان الجميع أصدقاءها".

عاشق كرة القدم: عمر المدهون، 9 سنوات

كان شغف عمر بكرة القدم لا مثيل له. فمن خلال انخراطه في نقاشات ساخنة مع والده ماجد، كان يعتقد بشدة أن كريستيانو رونالدو هو أعظم لاعب في العالم، بينما كان والده يؤيد كريم بنزيما، لكنهما كانا من المشجعين المتحمسين لفريق "ريال مدريد"، فيما اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي لم يكن موضع نقاش بينهما.

طوال العام الماضي، تركز اهتمام عمر على كأس العالم، إلا أن الحصار الذي فرضته إسرائيل منذ عام 2007 جعل من المستحيل عليه الحصول في غزة على قمصان أو بضائع تمثل لاعبيه المفضلين. إلا أن ذلك لم يثنه عن طلب المساعدة من عمه هاني.

ذهب هاني إلى المتجر وأحضر لعمر بعض قفازات حراسة المرمى وكرة قدم وحقيبة، وبعث بها كلها إلى غزة مع شخص يعرفه، مما جعل الطفل في غاية السعادة. ويقول في هذا الإطار: "لم يكن حتى حارس مرمى، فقد كان يلعب في خط الهجوم، لكنه أراد فقط التباهي".

إلا أن عمر أخذ الأمر على محمل الجد. وشارك في معسكر صيفي لكرة القدم كي يتمكن من تطوير مهاراته وممارسة اللعبة.

سعى إلى التميز، ولم يكن من السهل عليه أن يفعل ذلك لأنه كان يفتقر لشخصية قوية وحضور مؤثر

عندما لا يكون عمر منغمساً في كرة القدم، كان يستمتع بالبقاء برفقة والده. وغالباً ما كان يتسكع حول متجره الذي يبيع فيه السلع المنزلية العامة. وشكلت محاولاته المستمرة لجذب انتباه والده تحديات له أثناء قيامه بعمله.

ويقول عمه هاني: "لقد سعى إلى التميز، ولم يكن ذلك بالمسألة السهلة بالنسبة إليه، لأنه كان يفتقر إلى الشخصية القوية أو الحضور المؤثر".

ويتذكره عمه طفلاً لطيفاً وشخصاً يمكن الاعتماد عليه. ويقول "كان دائماً جاهزاً لتقديم المساعدة عندما يطلب منه ذلك. إنه من النوع الذي يمكنك الاعتماد عليه".

وكان عمر أيضاً مقرباً بشكل خاص من جده. وفي الليلة التي قتل فيها، يقول هاني إن جده رأى حلماً مزعجاً مرتبطاً بالشاب عمر دفعه إلى الاستيقاظ في منتصف الليل. وبعد مرور نحو 10 دقائق، تلقى خبر وفاته.

المشاغب في العائلة: علي المدهون، 7 سنوات

كان علي المشاغب في العائلة. كان صغيراً لكنه كان يتمتع ببنية رياضية، ومستعداً أبداً للمواجهة. وأشار والده مازحاً إلى أنه كانت لديه وظيفة بدوام كامل، تتطلب منه زيارة الجيران لمعالجة المناوشات الأخيرة لابنه علي. ويقول عمه هاني إن والد علي لم يكن بأفضل خلال طفولته.

ظلت طاقة علي غير المحدودة لغزاً بالنسبة إلى الجميع. فأثناء الرحلات العائلية إلى الشاطئ، كان يختفي دائماً عن الأنظار.

ويتذكر عمه هاني أن "الأمر الأكثر صعوبة بالنسبة إليه هو تلقي التعليمات، فقد كان جامحاً، ويندفع نحو المخاطرة، ولا يستجيب للتحذيرات. لقد كان عنيداً للغاية".

وعلى رغم طبيعته العنيدة، فإن كونه الأصغر سناً في العائلة يعني أنه كان محبوباً من الجميع - سواء من أبناء العمومة أو الأجداد أو الآباء أو الأشقاء الأكبر سناً - وغالباً ما يتم تبرير تصرفاته المؤذية بسحر ابتسامته الخادعة.

كان لا ينفصل عن والده ويتبعه في كل مكان.

يشار إلى أن علي وعمر وسوار قتلوا بغارة جوية إسرائيلية في الـ24 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع شقيقتهم الكبرى ريمان ووالديهم ماجد وصفا. وقد لقوا حتفهم قبل ساعة واحدة فقط من بدء وقف النار الأول للنزاع، في منزل أسرتهم، حيث كانوا يحتمون لمدة 40 يوماً.

تلك الغارة كانت ستتسبب بمقتل مزيد من أفراد العائلة، لكن نصفهم كانوا يزورون شقيقة ماجد وهاني في المستشفى، التي أصيبت في غارة جوية أخرى، وكانت تتلقى العلاج. وبقيت الأسرة هناك طوال الليل، لأن أفرادها كانوا يشعرون بقلق من التعرض لنيران القناصة في طريق عودتهم إلى المنزل.

وتطلب الأمر أياماً عدة كي تتمكن الأسرة من استعادة جميع جثثهم. وتم العثور على عمر أولاً بعدما دفع الانفجار بجثته بعيداً من المنزل، إلى أن عثر عليها شخص غريب خارج نطاق البحث، على بعد نحو 20 متراً. وبعد يوم عثروا على والده ماجد تحت الأنقاض، فيما عثروا بعد ثلاثة أيام على علي ووالدته صفاء وشقيقته ريمان.

اليوتيوبر الواعدة: غنى الكرنز، 8 سنوات

كانت لدى الطفلة غنى رغبة شديدة في أن تصبح نجمة على "يوتيوب". وفي سن الثامنة، كانت تصور مقاطع فيديو تعكس روح الدعابة لديها والوقاحة والثقة التي تتمتع بها. وفي أحد مقاطع الفيديو التي لم تنشره، تظهر وكأنها مذيعة متمرسة، تقدم لمشاهديها جولة ممتعة في منزلها. وكانت ترشدنا إلى المطبخ، حيث تعرض بفخر كعك الشوكولاتة الذي تصنعه والدتها، وهي الحلوى المفضلة لديها. وبحسب عمها محمود الكرنز، فقد كانت غنى تنتج مثل هذه الفيديوهات بشكل دائم. ولدى رؤيتها الميكروفون، كانت تنتزعه بصبر نافد، تاركة الجميع في حال من الترقب في شأن وقت قد يستمعون فيه لأغنية منها أو لعرض تقديمي.

ويقول محمود: "كان لديها ذلك الشغف بتوثيق حياتها اليومية ومشاركة عالمها، وعرض أخواتها وإخوتها ومجموعتها من الألعاب. كان لديها كثير من الأحلام، لكنها كانت تطمح قبل أي شيء آخر، إلى أن تصبح من المستخدمين المشهورين لـ’يوتيوب‘ أو ربما تمارس مهنة الصحافة".

تألقت غنى بذكائها وبرز ذلك في إنجازاتها الأكاديمية، بحيث حصلت باستمرار على درجات عالية في المدرسة. وباعتبارها الأصغر بين أفراد أسرتها، فقد تمتعت باهتمام أقاربها، بينما جذبت شخصيتها النابضة بالحياة عدداً كبيراً من الأصدقاء إليها. وارتبطت الفتاة الصغيرة بعلاقة وثيقة مع عماتها وأعمامها، مما أتاح لمحمود متسعاً من الوقت لتمضيته معها، ارتياد مركز السباحة المحلي، حيث علمها السباحة - وتسنى له قضاء أوقات مميزة برفقتها.

ويضيف عمها قائلاً: "كانت متعلقة بي للغاية، وكانت تناديني بـ’محمود بول‘ لأننا كنا دائماً نسبح معاً".

كان لديها كثير من الأحلام، لكن الأهم من ذلك كله أنها أرادت أن تصبح من مستخدمي "يوتيوب" المشهورين أو ربما صحافية

فقدت غنى حياتها في غارة جوية إسرائيلية استهدفت المبنى الذي كانت تحتمي فيه مع أفراد أسرتها في رفح جنوب غزة، وذلك في الـ23 من أكتوبر (تشرين الأول). وتم نشر الخبر المفجع في البداية من جانب "شهداء غزة". وكانت الأسرة قد هربت من القصف في الشمال بحثاً عن الأمان. وبعد وفاة الطفلة المفاجئة، شاركت والدتها مع محمود التفاصيل المؤثرة لتلك اللحظات.

ويقول "أخبرتنا أن غنى كانت تسأل والدتها عما تناولوه على مائدة الغداء. لم يكن أفراد الأسرة يأكلون كل يوم، لأنه لم يكن هناك ما يكفي من طعام في غزة، لذا كانوا في بعض الأحيان يكتفون بتناول الشاي والبسكويت، فقد كانت تشعر بجوع كبير".

في ذلك اليوم المشؤوم، كانت والدة غنى تحضر إحدى الوجبات المفضلة لابنتها: وهي حساء الفاصولياء مع الطماطم. وقد أشارت غنى إليها بمودة باسم "الطعام الأحمر" بسبب لونها الأحمر الغامق. شعرت الطفلة بسعادة غامرة بتلك الوجبة. وبينما كانت والدتها تحرك الطعام في القدر على الموقد، قفزت غنى حولها وهي تصرخ بابتهاج: "طعام أحمر! طعام أحمر! طعام أحمر!".

ولم تمض سوى دقائق فقط، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة في غارة جوية أدت إلى انهيار المبنى. وعثر على جثتها تحت الأنقاض بعد 24 ساعة. وفيما حالف الحظ والدتها بالبقاء على قيد الحياة، إلا أن غنى ماتت جائعة.

هاوي المغامرات في الهواء الطلق: عمر الكرنز، 13 سنة

كان شغف عمر يتمحور حول ألعاب الفيديو وكل ما يتعلق بعالم الألعاب الإلكترونية. وتضمنت تطلعاته للمستقبل أن يصبح مهندس كمبيوتر، وهو المسار الذي كان يأمل في أن يسمح له بكسب لقمة العيش من خلال ممارسة تلك الألعاب (وكانت لديه أيضاً أحلام في أن يصبح لاعب كرة قدم).

ويقول عمه محمود مستذكراً: "كان يهدف دائماً إلى اقتناء أحدث جهاز ’أيباد‘، واستخدام أحدث كمبيوتر محمول لممارسة تلك الألعاب".

كان لدى عمر ولع خاص بألعاب كرة القدم، وغالباً ما كان ينغمس في جلسات مطولة. وعلى رغم شغفه بألعاب الفيديو، فإنه كان يعشق المغامرات في الهواء الطلق، فقد كان يرافق أجداده وعمه محمود في رحلات إلى الشاطئ، يقومون خلالها بالجلوس على حصيرة وشواء الطعام، إضافة إلى صنع طائرات ورقية والتحليق بها على الشاطئ.

عرف المراهق بروح الدعابة، وكانت لديه موهبة في جعل الجميع يضحكون من خلال تقليد أصوات الحيوانات، وكانت لديه القدرة على تقليد أصوات الضفدع والبومة بشكل مثالي تقريباً.

قال إنه أحب بلاده كثيراً ولديه ذكريات جيدة هنا لكنه لا يريد أن يعيش أهوال الحرب بعد الآن

عانى عمر في الأيام الأخيرة من حياته حزناً عميقاً. ففي الـ20 من أكتوبر، قضى أجداده وأعمامه وابن عمه في غارة جوية إسرائيلية. وفي أعقاب تلك الخسارة الفادحة، تحدث معه عمه محمود مرات عدة ولاحظ أن لديه حزناً واكتئاباً عميقين.

وفي تعبير عن سأمه من الصراع الدائر، أعرب عمر - كما يقول محمود - عن تطلعه إلى الهرب من أصوات القصف المتواصلة التي يتردد صداها في جميع أنحاء غزة. وكانت رغبته الصادقة تتمثل في العثور على ملجأ في مكان يمكنه أن يعيش فيه بسلام مع عائلته، بعيداً من اضطرابات الحرب.

ويضيف "قال إنه أحب بلاده التي لديه فيها ذكريات مميزة، لكنه لم يعد يريد أن يعيش أهوال الحرب". وبعد ثلاثة أيام من مقتل أجداده، لقي عمر المصير نفسه. وقضى نحبه مع شقيقته غنى.

محمد، والد غنى وعمر، عمل لدى "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (أونروا)، وشمل دوره خلال الشهر الماضي، مساعدة النازحين من مناطق مختلفة في غزة في العثور على مأوى من القصف المتواصل، وغالباً ما كان يوجههم إلى مدارس الأمم المتحدة بحثاً عن الأمان.

ويتأمل محمود في ما يقوم به محمد قائلاً: "كان يعمل على مساعدة الناس الهاربين من القصف والحفاظ على سلامتهم، لكنه - على رغم جهوده الدؤوبة لمساعدة الآخرين - فإنه لم يتمكن من إنقاذ عائلته".

عالم المستقبل: محمود عثمان، 14 سنة

كان محمود ابن عم عمر وغنى، يتمتع بذهنية مهندس. وقد دفعه فضوله إلى القيام بتفكيك ألعابه وأدواته المنزلية المختلفة وإعادة بنائها، مع شغف خاص بالإلكترونيات.

وسعياً من محمود إلى تحقيق تطلعاته، كانت لديه رغبة قوية في السفر في المستقبل، مدفوعاً بهدف محدد وهو الحصول على أفضل تعليم ممكن. وقد دارت نقاشات مع عمه، واسمه أيضاً محمود وهو مقيم في تركيا، حول إمكانية سفره إلى هناك لمتابعة دراسته.

ويقول محمود: "كان يطلب مني مساعدته في العثور على جامعة جيدة له".

عندما اندلع النزاع، تولى محمود المسؤولية عن أسرته. وباعتباره الأخ الأكبر، فقد قام بذلك على أكمل وجه. وبعد توليه المسؤولية، تواصل مع عمه ليطمئنه إلى أنه سيعتني بوالديه خلال الظروف الصعبة.

ويقول عمه في هذا الإطار: "دعاني إلى عدم القلق عليهما. وقال إنهما آمنان، ويمكنني مساعدتهما في كل ما يحتاجان إليه. أرادني أن أطمئن إلى أن كل شيء على يسير على ما يرام".

إلا أن محمود قتل مع والدته وعمه وأجداده.

المراهقة الأنيقة: جود عبدالعزيز أبو شعبان، 14 سنة

كانت جود عبدالعزيز أبو شعبان تطمح إلى السير على خطى والدها في استكشاف العالم، لدى التحاقه بالمدرسة في الولايات المتحدة. تميزت بشخصية مستقلة وبأسلوبها الخاص، حتى إنها اتصلت أخيراً بوالدها وطلبت منه زوجاً جديداً من الأقراط، قبل وقت قصير من بدء هجمات السابع من أكتوبر.

ويقول عادل أبو شعبان عم جود: "لقد اشتراهما والدها لها، إلا أنها لم تستمتع بهما سوى لمدة أسبوعين".

ولدت جود في عام 2009 في أوج صراع آخر بين حركة "حماس" وإسرائيل، وقد تأثرت نشأتها بالحرب الدائرة من حولها. إلا أن تلك الظروف لم تحل دون أن تصبح "طفلة نموذجية" - تذهب إلى المدرسة وتقضي الوقت مع عائلتها - ولا سيما مع شقيقها الأكبر يوسف.

ويصفها السيد أبو شعبان بأنها "كانت مفعمة بالحياة وأرادت التمتع بالحياة".

لكن الحرب وضعت حداً لحياة جود في الـ18 من أكتوبر بعدما أصاب صاروخ منزل العائلة. فبعد سماع أصوات القنابل الإسرائيلية، هرعت جود وشقيقها وشقيقتها الصغرى ووالداها للاحتماء في قبو منزلهم. إلا أنه عندما أصابت القذيفة الباب المعدني في أعلى الدرج، تطايرت شظاياه وأصابت كثيراً من أفراد الأسرة، بمن فيهم جود.

النينجا الجريء: فريد سلوت، 12 سنة

أظهر الطفل فريد سلوت شجاعة لافتة طوال حياته القصيرة، بحيث واجه تحديات الحرب حتى قبل ولادته. وبينما كانت أمه تحمله في رحمها خلال "عملية عمود السحاب" Operation Pillar of Defence عام 2012 (عملية عسكرية إسرائيلية كبيرة ضد قطاع غزة قضى فيها أكثر من 20 فلسطينياً وسقط عشرات الجرحى)، كانت أصوات الطائرات الإسرائيلية التي تضرب القطاع من بين الأصوات الأولى التي سمعها على الإطلاق.

وقد ولد الطفل فريد وهو مصاب بتشوه كبير في الوجه لا يمكن علاجه في غزة، لكنه ظل طفلاً سعيداً ومحباً للمرح.

كثيراً ما كان فريد يقضي أوقات فراغه بالتسكع في محل الحلاقة الخاص بوالده، وارتكاب الحماقات، وإجراء محادثات مع زبائن المحل. كانت لدى والده تطلعات بأن يتولى فريد، مع شقيقيه، في يوم من الأيام إدارة عمل العائلة.

وكان الطفل مولعاً بالرسوم المتحركة المفضلة لديه المتعلقة بالنينجا، وكان يستمتع بارتداء زي أسود بالكامل والركض وهو يحمل لعبة سيف. وإضافة إلى ذلك، كان يهوى سيارات اللعب، وكان لا يكتفي بالقليل منها.

كان مرحاً للغاية، وكان يحاول دائماً جذب الانتباه

في عام 2016، عندما كان عمره خمس سنوات فقط، حدث تطور بارز، فقد قام "صندوق إغاثة أطفال فلسطين" Palestine Children’s Relief Fund بجمع أموال، ورتب له السفر إلى شريفيبورت في ولاية لويزيانا الأميركية، لإجراء عملية جراحية معقدة لعلاج تشوهه. المفارقة أن إسرائيل لم تسمح لوالديه بمغادرة قطاع غزة، فرافقته جدته هاجر أبو سلمي.

وتتذكر سارة الرموني - وهي فلسطينية أميركية استضافت فريد خلال زيارته للولايات المتحدة - اللحظات التي عقبت استفاقته من الجراحة التي استغرقت 14 ساعة. وقد تضمن هذا الإجراء المعقد إعادة بناء جمجمته، وإعادة تموضع محجري عينيه.

وقد سارعت هي وأطباء آخرون لمساعدته في التوجه إلى الحمام، لكن جدة الطفل تدخلت. وتنقل السيدة الرموني عنها قولها: "لا، لا، لا. نحن لا ندلل أطفالنا. يجب أن يكونوا شجعاناً. نحن لا نعرف ما الذي ينتظرهم في المستقبل". وبالفعل تقبل فريد الموقف بابتسامة.

وتروي السيدة الرموني أنه "كان دائماً مبتسماً ومرحاً للغاية، ويحاول على الدوام لفت الانتباه".

وأثناء فترة تعافيه في شريفيبورت، أخذ فريد يتناول كثيراً من طعامه المفضل، وهو البطاطا المقلية. ومع ذلك، لم يكن يحب النوع الأميركي منها. وبدلاً من ذلك، كانت جدته تقطع البطاطا بشكل عشوائي وتقليها بكثير من الزيت، لتقدم له بطاطا مقلية أكثر سماكة ودسماً، طعمها يشبه طعم تلك التي كان يتناولها في المنزل.

الحارس الهادئ: قصي سلوت، 14 سنة

سلك قصي الطريق نفسه إلى شريفبورت كما شقيقه الأصغر فريد قبل عام، فقد ولد هو أيضاً بالتشوه نفسه في الوجه، وسافر إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج.

إلا أن قصي كان خجولاً بطبيعته، لكونه أكبر سناً من فريد، وكان أكثر دراية بالإجراء الجراحي الطويل والمؤلم الذي سيخوضه.

وتقول السيدة الرموني: "لقد رأى معاناة شقيقه. لذلك شعرت بأنه يعرف مزيداً عما سيحدث له".

يشار إلى أن الصبيين كانت لديهما فجوة متطابقة في جمجمتيهما خالية من العظام، مما شكل خطراً محتملاً هدد حياتهما.

وأوضح الدكتور جيسون داشو الزميل في جراحة شق الشفة والقحف الوجهي، بعد الجراحة التي أجراها لقصي أنه "نظراً إلى طبيعته النشطة، فإن ما قد يؤثر في تلك الفجوة، يجب أن يخترق الجلد في الأساس قبل أن يصل إلى الدماغ. وهو كان يفتقر لغلاف وقائي - على عكس بقيتنا - لفترة طويلة".

وقال لمجلة "مركز الصحة في جامعة ولاية لويزيانا": "أما الآن، وبعدما وضعنا عظماً من شأنه أن ينمو في تلك المنطقة، تماماً كالإجراء الذي جرى اتباعه مع شقيقه. لذا، عندما يسترسلان في اللعب ويتعرضان لصدمات في الجزء الخلفي من الرأس، كما أي طفل آخر، فإنهما يتمتعان الآن بحماية إضافية".

شعرت بأن هذين الطفلين يكبران بشكل أسرع من غيرهما

تمحورت إقامة قصي في شريفبورت حول مواعيده الطبية الكثيرة، وكانت السيدة الرموني ترافقه وتعتني بجدته، تماماً كما فعلت من قبل. وبينما لم تكن الفترة التي قضاها في الولايات المتحدة طويلة كتلك التي أمضاها شقيقه، إلا أنها لاحظت أن قصي أظهر مستوى من النضج يفوق عمره.

وقالت "لا يمكن أبداً تخيل أنه كان في الثامنة من عمره. شعرت بأن هذين الطفلين يكبران بشكل أسرع من غيرهما. ولم يتمكنا حقاً من عيش طفولتهما".

هذا الخوف الدائم والاستعداد للأسوأ لازما دائماً أذهان أفراد عائلة سلوت. وتستذكر السيدة الرموني وهي تسأل والدة قصي وفريد عن السبب الذي جعلها تنجب كثيراً من الأطفال عندما كان الوضع في غزة سيئاً للغاية. وتضيف أنه "لم يكن هناك أي تردد لدى الأم بالقول إن ’نصف أطفالنا لا ينجون‘ لذا علينا أن نواصل إنجاب الأطفال".

وتتابع "إن الطريقة التي قالت بها ذلك كانت كما لو أنهم يعلمون أنه ستكون هناك حرب أخرى، وأن هناك احتمالاً بألا يتمكن هؤلاء الأطفال من النجاة".

إنه لمن المأساة فعلاً أن تصدق تلك التوقعات، فقد سقط فريد وقصي ضحية غارة جوية إسرائيلية في الثامن من نوفمبر في خان يونس، وهو حدث مدمر أودى بحياة جديهما وخالتهما وعمهما وشقيقهما قاسم.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات