لنراقب الأزمة الدبلوماسية بين اليابان وكوريا الجنوبية

التوتر بين سيول وطوكيو يهدد استقرار المنطقة ويوعد البيت الأبيض بصداعٍ أليم

يدفع البيت الأبيض برنامج التسلح الياباني إلى مستويات عالية عبر مبيعات أسلحة نوعية، ويثير الأمر مخاوف كوريا الجنوبية وجيرانها لأسباب شتى (أ.ب.)

تتجلّى للعيان في آسيا الآن أزمة جيوسياسية؛ وهي ليست من نوع الأزمات الذي يخطر على البال للوهلة الأولى، على غرار المواجهات مع إيران في الخليج أو إلغاء الهند لاستقلال كشمير الذاتي أو الاحتجاجات المتواصلة في هونغ كونغ أو الحرب التّجارية بين الولايات المتحدة والصّين أو عملية إطلاق الصّواريخ الأخيرة لكوريا الجنوبية. إنّها بالأحرى أزمة غير متوقّعة ومفاجئة بين دولتي اليابان وكوريا الجنوبية الديمقراطيتين اللتين من المفترض أن تكونا حليفتين طبيعيتين وأساسيتين في وجه جاراتهما من الأنظمة الاستبدادية.

وحتى هذه اللحظة، لم تحظَ المواجهات، الآخذة في التفاقم، سوى بتغطيةٍ متقطّعة في الغرب، مع أنّ تبعاتها غاية في الخطورة وتمسّ بميزان القوة الاستراتيجي الذي يُمكن أن يُزعزع استقرار المنطقة ويُبليها باضطرابات. يبدو أن أياً من الطرفين لا يرغب في الظّهور بمظهر المنسحب والضّعيف ولن يتوانى عن رشق الآخر بخطابات عدائية شديدة اللهجة وتصعيد وتيرة عقوباته الديبلوماسية والاقتصادية عليه. ومنذ القضايا التّجارية وحتى الاتفاقيات الأمنية، ما يُماط اللثام عنه اليوم هو ثمرة خلافات تاريخية عميقة - سنتكلّم عنها لاحقاً في هذا المقال. وفي المستجدات الدّبلوماسية الأخيرة، أعلنت سيول يوم الخميس إنهاء العمل بمعاهدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين على أثر قرار طوكيو إلغاء وضع التفضيل الذي كانت تتمتع به كوريا الجنوبية في علاقاتها التّجارية باليابان. وأضافت سيول أنّ التّخفيض الذي غيّر "بشكلٍ جذري" وجه التّعاون الأمني بين البلدين، سيشهد مثيله في طوكيو اعتباراً من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. يا له من قرار مؤذٍ ومستهتر بحقّ الثقة المتبادلة بين البلدين، قال رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، داعياً سيول إلى جبر الثّقة التي تصدّعت بينهما.

وبموجب "اتفاق الأمن العام والمعلومات العسكرية" الذي كان من المرتقب أن يتجدّد تلقائياً يوم السبت الفائت، كانت الدولتان تتبادلان المعلومات بشأن التّهديد النّاجم عن صواريخ كوريا الشمالية وبرامجها النووية. وفي حديثٍ مع المراسلين الصّحافيين يوم الجمعة، صرّح نائب مستشار الأمن الوطني الكوري الجنوبي كيم هيون-تشونغ أنّ بلاده "لم تعد ترى داعياً" للمضي قدماً بالاتفاق الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2016، وسط ادّعاءات اليابان بتعرّض الثقة الأساسية معها للتقويض. يبدو أنّ الحلفاء كما الخصوم ينجرّون خلف هذه المواجهات ويتأثرون بها بطرقٍ ملموسة ومثيرة للاهتمام. فاليابان، حسب قول آبي، "مستمرة في تنسيقها الحثيث مع الولايات المتحدة حفاظاً على سلام المنطقة وازدهارها" في أعقاب قرار كوريا الجنوبية. أما سيول، فتتصرّف في الأزمة على أنها "فرصة لا تُعوّض لرفع مستوى التّحالف بين بلادها والولايات المتحدة، بالتعاون الوثيق"، وفق ما ورد على لسان السيد كيم الكوري الجنوبي.

وفي مقابل ذلك، لم تبذل إدارة ترمب جهداً يُذكر لرأب الصّدع القائم بين اثنين من أهم حلفائها، رغم تواجدها العسكري الدائم على أرضهما. وربما يكون وزير الخارجية مايك بومبيو قد حاول التدخل لفترةٍ وجيزة، لكنّ الرئيس، كما يقول مسؤولون أميركيون، إما لا يهتمّ لما يحدث أو يعجز عن استيعاب ما يحدث وما يُمكن أن يتأتى عنه من تداعيات، مكتفياً لحدّ الآن بالإيعاز إلى الطّرفين المتنازعين "بالجلوس إلى طاولة الحوار وتصفية الحسابات العالقة بينهما". وممّا لا شكّ فيه أنّ المصلحة الأميركية بالتّدخل في هذه المشكلة الشرق آسيوية ضئيلة جداً مقارنةً بالمصلحة الأميركية بالتدخّل في المواجهات المستمرّة بين حليفين آخرين للولايات المتحدة، ونعني بهما: قطر والتحالف العربي بقيادة السعودية. فهناك لدينا عامل المال – من مبيعات الأسلحة الأميركية للسعوديين والإماراتيين ومن المساعدات التي تُخصّصها قطر للمشاريع التجارية العائدة لجاريد كوشنر، صهر ترمب. أما هنا، أي في النزاع بين دولتي المحيط الهادئ، فيكاد عامل المال أن يغيب كليّاً عن المعادلة.

وفي الوقت الحاضر، تتحرّك الصّين لسدّ الفجوة التي تُباعد بين اليابان وكوريا الجنوبية، مقترحةً القيام بدور الوساطة. ففي إطار القمة التي عُقدت يوم الأربعاء في بيجينغ بين وزراء خارجية الدول الثلاث، عرض وزير الخارجية الصيني وانغ يي التدخّل من أجل تسهيل الحوار بين الطرفين. لكنّ إنطلاق الحوار لم يكن سلساً بالمعنى الدّقيق للكلمة، مع انتقاد وزيرة الخارجية الكورية الجنوبية كانغ كيونغ-هوا للقيود التّجارية التي تفرضها طوكيو واعتراض نظيرها الياباني تارو كونو على فكرة طرح القضايا الثنائية في اجتماعاتٍ ثلاثية. وبنظر الصين، النّزاع بين اليابان وكوريا الجنوبية فرصتها لإظهار نفسها بمظهر "الأخ الأكبر" الذي يتطوّع لعمل الخير ومساعدة أخويه الأصغر سناً على حلّ المشاكل العالقة بينهما، على أمل التقريب بين دولتين في نزاعاتٍ إقليمية بحرية مع بكين. وتجدر الإشارة إلى أنّ العلاقة بين طوكيو وسيول، في صيغتها الحالية المتدهورة، تضع شراكة تجارية بقيمة 8 مليارات دولار (65 مليون جنيه استرليني) على المحك وتُطيح باتفاق تبادل المعلومات الاستخباراتية الاستراتيجية الذي كان بالغ الفائدة للولايات المتحدة والغرب، حيث كان يمدّهما بمعلومات مهمة عن الصين وكوريا الشمالية.

وعلى المستوى التّجاري، أحكمت اليابان قبضتها على عملية تصدير ثلاث مواد كيمائية ضرورية لإنتاج أشباه الموصلات التي تُعتبر من الصّادرات المهمة والمربحة جداً لكوريا الجنوبية. وقد عزت اليابان خطوتها هذه إلى اشتباهها بتمرير معلومات حساسة إلى كوريا الشمالية – وهذا أمر تنفيه سيول بشدة. وبعدما أصدرت طوكيو قرار إزالة كوريا الجنوبية من قائمة الأفضلية التجارية "الموثوقة"، متسببةً بتأخير عمليات توريد منتجات أخرى على غرار قطع السيارات والإلكترونيات المنزلية، طالبتها سيول بشرح مخططها للتخلص من المياه المبتذلة والملوّثة الناتجة عن إنهيار مصنع فوكوشيما النووي في البحر، وتداعياته البيئية المدمّرة على كوريا الجنوبية. وهذا ليس كلّ شيء، فكوريا الجنوبية شهدت وتشهد أيضاً حملة عامة لمقاطعة مختلف المنتجات اليابانية التي تتراوح بين طعام القطط والسيارات، إلى جانب مظاهر وطنيّة من نوع آخر تتمثّل برفض ملكات الجمال السّفر إلى اليابان للمشاركة في المسابقات وحظر دخول الأحصنة اليابانية إلى أحداث الفروسية واستبدال شخصيات كرتونية يابانية بأخرى محلية في بعض المتاجر.

ويُمكن إرجاع الأزمة الديبلوماسية الأخيرة بين اليابان وكوريا الجنوبية إلى عقود من الضّغائن والخلافات حول التاريخ المشترك الذي يربط بينهما وبين شعبيهما. ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصدرت المحكمة العليا في كوريا الجنوبية قراراً يفرض على الشّركات اليابانية منح تعويضات للكوريين الذين أُجبروا على العمل بالسخرة أثناء احتلال الامبراطورية اليابانية لشبه الجزيرة من عام 1910 وحتى عام 1945. وقال القضاة في قرارهم إنّ بإمكان الضّحايا المطالبة بتعويضاتهم من شركتين يابانيتين متعددتي الجنسيات ألا وهما "نيبون ستيل" (Nippon Steel) و"ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة" (Mitsubishi Heavy Industries). لكنّ اليابان رفضت قرار المحكمة، على أساس أنّ قضية العمل القسري قد حُلّت بالكامل عام 1965 حينما دفعت لكوريا الجنوبية 33 مليون دولار على شكل هبات و200 مليون دولار على شكل مساعدات و200 مليون دولار على شكل قروض، ما مجموعه 4 مليارات دولار بالقيمة الحالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وها هي طوكيو اليوم تُسوّق لاتهامات مفادها أنّ سيول تنكث بالاتفاقيات الموقّعة بينهما، مشيرةً إلى اتفاق العام 2015 الذي دُفعت في إطاره التعويضات وقُدّمت الاعتذارات لـ"نساء المتعة" اللواتي استغلتهنّ القوات العسكرية اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية. ولكنّ رئيس كوريا الجنوبية مون جاي-إن لم يتردد في دحضه في وقتٍ لاحق، قائلاً إنه لم يأخذ في الحسبان أقوال النساء المعنيات. "هذه القرارات مؤسفة للغاية وغير مقبولة، وهي التي أطاحت بالأسس الشرعية لعلاقة الودّ والتعاون التي توطّدت بين اليابان والجمهورية الكورية منذ تطبيع العلاقات الديبلوماسية عام 1965،" على حد تعبير وزير الخارجية الياباني تارو كونو. ويُمكن القول إنها هي التي مهّدت لواقع الحال هذا، فضلاً عن نزاعات تاريخية أخرى. ونذكر في هذا الإطار اتفاق العام 1965 الذي وقّعه الرئيس آنذاك بارك تشونغ-هي بالنّيابة عن كوريا الجنوبية. وبارك هو رجل سياسي محافظ خدم في الجيش الامبراطوري الياباني. وبالنّسبة إلى كثيرين من قوى اليسار في كوريا الجنوبية، أمثال بارك هم مجرّد عملاء وسيطرتهم على الحكم وقتاً طويلاً لا تعني شيئاً. وعلى خطا بارك، سارت ابنته بارك غوين-هاي التي تولّت سدة الرئاسة، لكنّها سرعان ما عُزلت وزُجّت في السجن باتهامات فساد. والرّئيس الحالي مون جاي-إن، هو واحد من قوى اليسار التي تعتبر اتفاق العام 1965 مُعيباً وغير عادل. أما نوبوسوكي كيشي، وهو سياسي ياياني محافظ دخل السّجن على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم حرب في منشوريا (التي حوّلها اليابانيون إلى امبراطورية مانشوكو بقيادة حاكم دمية إبان ثلاثينيات القرن الماضي)، فقد كان يرى في الرئيس بارك صديقاً. ورغم كلّ الاتهامات التي أحاطت بالسيد كيشي، فهو لم يُحاكم وسرعان ما أُطلق سراحه بضغط من الأميركيين المؤثرين الذين رأوا فيه مرشحاً قوياً لتشكيل حلفٍ يميني ضدّ الاشتراكيين. ومع وصول الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى الحكم، استلم السيد كيشي منصب رئاسة الوزراء وحاول استغلال صلاحياته لتغيير دستور البلاد السّلمي الذي يفرضه الأميركيون ويُدين استخدام القوات العسكرية المسلّحة. لكنّ محاولاته باءت كلّها بالفشل.

وفي الوقت الرّاهن، يُحاول السّيد آبي، وهو حفيد السيد كيشي، إحداث تغيّرات مماثلة على الدستور؛ والأرجح أن تكون فرصته بتحقيق هذه الغاية أفضل من فرصة جدّه من قبله، وسط مخاوف بعض الكوريين الجنوبيين من أن تؤول إعادة تسليح اليابان إلى وضع بلادهم في دائرة الخطر. فإرث الحكم الياباني لا يزال واضح المعالم في كوريا الجنوبية. وفي وقتٍ سابق من الشّهر الجاري، في "يوم التّحرير الوطني" الذي يخلّد ذكرى نهاية الحكم الاستعماري تحديداً، احتشد الآلاف في تظاهرات سيّارة في سيول، رافعين يافطات تقول "لا لآبي! لا لليابان!". كان بعضهم يرتدي قمصاناً طُبعت عليها العبارة التالية: "لم أستطع القتال من أجل استقلال كوريا ولكنني سأنضمّ للمقاطعة". وخلال اجتماعٍ حكومي طارئ حول الأزمة التجارية، أعلن الرئيس مون: "كما سبق وحذّرنا؛ لو حاولت اليابان تقويض اقتصادنا عن قصد، فسوف يكون عليها أن تتحمّل العواقب... ليكن معلوماً من الجميع أنّنا لن نرضخ مجدداً لليابان". وفي كوريا الجنوبية كما في بعض دول المنطقة، هناك شكاوى من عدم إقدام اليابان، بعكس ألمانيا، على الاعتذار تماماً عن الجرائم التي ارتكبتها خلال الحرب. أما في الصين وكوريا الشمالية، فهناك تظاهرات منتظمة احتجاجاً على زيارة وزراء يابانيين لـ"ضريح ياسوكوني" الذي يضمّ جثامين مجرمي حرب محكومين، إلى جانب رجال ونساء خسروا حياتهم وهم يخدمون الامبراطور. لكن على الرغم من كلّ الضّغائن، تفرض الأوضاع الجيوسياسية نفسها على كوريا الجنوبية واليابان وتحضّهما على تسوية خلافاتهما في مواجهة الصين التوسعية وكوريا الشمالية المناورِة. ويظهر أنّ الرّجل الوحيد القادر من دون قصد على تسهيل الأمر هو دونالد ترمب. فالرئيس الأميركي يُهدد بسحب قواته من البلدين، من منطلق اعتباره أنّ الأمن والاستقرار مسألتا اتفاقات مالية مع حلفاء يدفعون المال للولايات المتحدة، وأنّ الفشل في كبح جماح كيم يونغ-أون ومنعه من عسكرة كوريا الشمالية هو الذي سيُجبر طوكيو وسيول على التخلّي عن أحقاد الماضي والتّركيز على مخاطر الحاضر والمستقبل.

© The Independent

المزيد من تحلیل