Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غولدا مائير تزرع الفراولة وسارة تصفف شعرها

قبل حرب غزة تردد بايدن كثيراً في استقبال نتنياهو بالبيت الأبيض

نتنياهو راكم في مسيرته السياسية كماً هائلاً من الأعداء والخصوم وزوجته زادتهم (أ ب)

في قمة مجموعة الـ"20" عام 2011 التقط الصحافيون دردشة بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. موضوع الدردشة، رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. قال ساركوزي "لم أعد أحتمل رؤيته، إنه كاذب"، فرد أوباما "أنت سئمت منه، لكن أنا عليَّ التعامل معه كل يوم". وقبل حرب غزة تردد الرئيس جو بايدن كثيراً في استقبال نتنياهو في البيت الأبيض، قبل أن يهرع إليه بعد "طوفان الأقصى". نتنياهو راكم في مسيرته السياسية كماً هائلاً من الأعداء والخصوم، إلى درجة أن ليا رابين اتهمته بالتحريض الذي أدى إلى مقتل زوجها إسحاق رابين. "الملك بيبي" كما يوصف في إسرائيل، الأطول عمراً في رئاسة الحكومة وصاحب أطول قائمة بكارهيه. خمس دورات انتخابية بغضون أربع سنوات فشلت في اقتلاعه من منصبه. هناك نوع من تماهٍ عائلي بين رئيس الوزراء وزوجته سارة. فسارة لم تحمل أي بشرى سارة للإسرائيليين، وسلوكياتها جلبت لزوجها مزيداً من النقمة الشعبية عليه، وهي متهمة بالفساد وصرف النفوذ. في مارس (آذار) الماضي حاصرها محتجون لثلاث ساعات داخل صالون تجميل في تل أبيب، واضطرت الشرطة إلى التدخل لفك الحصار وسط هتافات "البلد يحترق وسارة تصفف شعرها". نتنياهو الغيور لم يهضم الحادثة يومها، ونشر تغريدة تضامن مع صورة وهو يضم سارة إلى صدره.

في إسرائيل وفي دول كثيرة ثمة من وجد في طوفان السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي سانحة للتخلص من نتنياهو، هذا الرجل احتاج إلى زلزال وطوفان ليتزحزح في مكانه. فحتى الساعة زحزحة هي ليست إلا، بانتظار مسار المحاسبة ولجان التحقيق التي من المتوقع أن تعاقبه بأحكام ألطفها إقامة جبرية في منزله، تبعده عن المعترك السياسي. أطراف إسرائيلية ودول كثيرة ستتنفس الصعداء لحظة غياب نتنياهو عن المشهد. قراءة المرحلة المقبلة تشوبها عند بعض الجهات الأوهام. خلاصة هذه القراءة تربط هزيمة شخص بتحقيق نصر على إسرائيل. وفي بعض تحليلات المغالين الدائرين في الفلك الإيراني يستشف منها وكأن الصراع في جولته الأخيرة. النصر مؤكد ولا ينقصه إلا صورة نتنياهو في محكمة. بعد حرب أكتوبر عام 1973 حصلت أحداث مشابهة. أخذ الجيش الإسرائيلي على حين غرة، وسمح عنصر المفاجأة بتقدم للجيشين المصري والسوري على الجبهتين. ما حصل ميدانياً، بعد استيعاب إسرائيل الضربة الأولى لا يحب العاطفيون في السياسة إيلاءه البحث والتدقيق. وقد يكون من المفيد التذكير بالارتدادات التي طاولت رئيسة الحكومة آنذاك غولدا مائير. فالمصير الذي ينتظر "بيبي" سبق لغولدا أن واجهته على رغم اختلاف الظروف والنتائج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد شهر من الحرب تشكلت لجنة للتحقيق في أسباب التقصير العسكري للجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات. عرفت اللجنة باسم رئيسها، وهو رئيس المحكمة العليا، شمعون أجرانات. نتائج "لجنة أجرانات" ظهرت عام 1975 أي بعد عامين، لكن غولدا مائير لم تنتظر، وقدمت استقالتها بعد أقل من سنة على الحرب. هلل العرب للنصر العسكري الجزئي، وهللوا لسقوط غولدا مائير. وغابت عن الأنظار الصورة الأشمل. بين عامي 1973 و2023 جرت مياه كثيرة في نهر الصراع العربي - الإسرائيلي ودخلت عليه أيضاً روافد إيرانية. وبينما دخلت أنظمة "الصمود والتصدي" في تقهقر دراماتيكي على كل المستويات، عرفت إسرائيل تصاعداً في قوتها العسكرية، وعززت تأثيرها في لعبة الأمم، وتحولت نمراً اقتصادياً، ورائدة في الصناعات والزراعة وتكنولوجيا المعلومات، وأصبحت جامعاتها بين أرقى الجامعات في العالم. في المقابل نام عرب "الصمود والتصدي" على أمجاد "حرب أكتوبر"، ولم يقدموا لشعوبهم إلا الفقر والظلم وكبت الحريات، وتصدير الإرهاب. فمعدل دخل الفرد السنوي في إيران بلغ العام الماضي 4151 دولاراً، وفي سوريا يبلغ 537 دولاراً، بينما في إسرائيل معدل الدخل السنوي للفرد 55731 دولاراً، أي نحو 103 أضعاف دخل المواطن السوري. بهذه الأرقام تربح الحروب، فالطائرات والصواريخ نتيجة لها. المعركة تبدأ بجامعات مصنفة عالمياً، وليس بتجنيد إجباري لشباب يمضون أحياناً أكثر من 10 سنوات في الحجز للدفاع عن النظام المفدى. من مساخر هذا العقل الذي جمع في الماضي دولاً تحت اسم "جبهة الرفض"، الخلاصة المبهرة التي استخلصها من "نكسة 67". لقد احتلوا الأرض لكن الأنظمة صمدت. أنظمة لا تقيم وزناً للأرقام وللمنطق، والأدهى أنها تعتبر أرواح شعوبها مجرد أرقام. يسقط عشرات آلاف القتلى في أقل من شهرين، ويباد البشر والحجر، ولا تجد محللاً ممانعاً يقول ربما علينا النظر إلى ما يحصل من زاوية أخرى. توغل إسرائيل في التوحش ويوغلون في مراكمة الانتصارات الوهمية والتعلق بحبال الهواء. محاسبة نتنياهو وإدانته شأن إسرائيلي لا علاقة للممانعين به. ليسوا من سيشكل لجنة التحقيق، وأصلاً هذا النوع من المحاسبة السياسية غير موجود في بلدانهم. توحي هذه المراهنة على إدانة نتنياهو، وكأن من سيحل محله في رئاسة الحكومة عضو في حركة "السلام الآن" الإسرائيلية. بعض دولنا قد تنقصها الإمكانات ولكن لا ينقصها الأعداء. والعدو مدرسة لمن يعرف استخلاص العبر منه. وكما تكال الشتائم اليوم لنتنياهو كيلت قبل 50 سنة لغولدا مائير، ووصفت في أدبيات السياسة بالعجوز الشمطاء. هذه العجوز قالت مرة "نحن لا نفرح بالانتصارات. نحن نبتهج عندما يزرع نوع جديد من القطن، وعندما تزهر الفراولة في إسرائيل".

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل