Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تشكل إرث كيسنجر في الشرق الأوسط؟

جولاته المكوكية بين مصر وإسرائيل وضعت الأساس لنقطة تحول تاريخية في المنطقة

هنري كيسنجر والرئيس المصري الراحل أنور السادات (غيتي)

كان هنري كيسنجر الذي توفي بعد أن تجاوز الـ 100 سنة أقوى وزير خارجية أميركي في تاريخ الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فهو الوحيد الذي جمع بين قيادة الدبلوماسية الأميركية في وزارة الخارجية وبين منصبه كمستشار للأمن القومي، وهو ما منحه قوة لا مثيل لها في تشكيل علاقات قوة بلاده مع الاتحاد السوفياتي في ذروة الحرب الباردة، وهندسة سياسة الانفتاح مع الصين والتفاوض للخروج من فيتنام، لكن على رغم أن سياسته كانت موضع تقدير وانتقاد في الوقت ذاته إلا أن إرثه المعقد في الشرق الأوسط اكتسب أهمية خاصة ظلت قائمة حتى أيامه الأخيرة، فما ملامح هذا الإرث؟

احتفاء وتشهير

قليل من كبار الدبلوماسيين الأميركيين الذين نالوا هذا القدر من الاحتفاء والتبجيل أو التشهير والذم مثلما حظي به هنري كيسنجر، فقد اعتبر المعجبون به أنه واقعي بدرجة مفرطة أعادت تشكيل الدبلوماسية لتعكس المصالح الأميركية، بينما وصفه منتقدوه بأنه تخلى عن القيم الديمقراطية وتجاهل حقوق الإنسان في سعيه إلى خدمة أميركا عبر أساليب ماكرة وطموحة جعلته يحمل لقب ثعلب الدبلوماسية الأميركية.

وطوال عمره المديد كان مجرد ذكر اسمه يثير جدالات مريرة، فهو بالنسبة لمعجبيه المهندس العبقري لـ "باكس أميركانا" أو السلام العالمي الذي تسيطر عليه وتقوده الولايات المتحدة، وهو أستاذ الشطرنج الكبير الذي كان على استعداد لقلب الطاولة رأساً على عقب وإرباك الخصوم في التنبؤ بما ستكون عليه الدبلوماسية الأميركية، لكن كيسنجر بالنسبة إلى منتقديه وحتى بعض الأصدقاء والموظفين السابقين كان مغروراً ومتآمراً ومتغطرساً وسريع الغضب، وقادراً على الثناء على أحد كبار مساعديه باعتباره لا غنى عنه، بينما يأمر مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتدخل بصورة غير قانونية للتنصت على هواتف منزله لمعرفة ما إذا كان يسرب المعلومات إلى الصحافة والإعلام.

الرجل الثاني

ومع ذلك لم يقلل هذا من قدره، فقد قدم النصح والمشورة إلى 12 رئيساً أميركياً بدءاً من جون كينيدي وحتى جو بايدن، وعمل مع ربع هؤلاء بشكل لصيق، وفي لحظة حرجة من التاريخ كان في المرتبة الثانية من حيث النفوذ والتأثير بعد الرئيس ريتشارد نيكسون الذي ضمه إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 1969 كمستشار للأمن القومي، وبعد تعيينه وزيراً للخارجية عام 1973 احتفظ بكلا المنصبين، وهو أمر لم يحظ به أي وزير خارجية آخر، وعندما استقال نيكسون ظل في منصبه مع الرئيس الجديد غيرالد فورد حتى نهاية 1976.

وعلى مدى عقود كان كيسنجر الصوت الأكثر أهمية في البلاد في ما يتعلق بإدارة قضية صعود الصين والتحديات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التي فرضها ذلك، وكان هو الأميركي الوحيد الذي تعامل مع كل زعيم صيني من ماو إلى شي جينبينغ الذي التقاه الصيف الماضي حينما بلغ 100 عام من العمر، حيث عومل مثل الملوك الزائرين حتى مع تحول العلاقات مع واشنطن إلى خصومة.

إرثه في الشرق الأوسط

يعد هنري كيسنجر شخصية رئيسة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وينعكس إرثه في الحرب الحالية في غزة، ولا شك أن أول مفاوضات سلام عربية - إسرائيلية ناجحة، وهي معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر التي وقعت عام 1979، تدين بكثير للعملية التي بدأها كيسنجر قبل ذلك بأكثر من خمسة أعوام، إذ توسط باستخدام جميع الأدوات الدبلوماسية في اتفاق فض الاشتباك بين قوات مصر وإسرائيل واتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل، مما وضع الأساس لعملية السلام العربية الإسرائيلية على مدى العقود الأربعة التالية، بحسب مؤسسة "كارنيغي" للسلام.

وتعود أهمية الدور الذي لعبه كيسنجر إلى أن إسرائيل خاضت بعد تأسيسها عام 1948 خمسة حروب مع مصر، أبرزها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، حينما نسقت مصر وسوريا هجوماً مفاجئاً على الأراضي التي تحتلها إسرائيل في شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان، وكانت تلك الحرب الأخيرة بين مصر وإسرائيل.

الدبلوماسية المكوكية

وخلال يناير ومايو (أيار) 1974 انخرط كيسنجر في "الدبلوماسية المكوكية"، وهو مصطلح صاغه أعضاء وسائل الإعلام الذين تابعوا كيسنجر في رحلاته القصيرة المختلفة بين عواصم الشرق الأوسط أثناء سعيه إلى التعامل مع تداعيات حرب أكتوبر 1973، وبعد ثلاثة أسابيع من القتال أدى وقف إطلاق النار إلى تداخل بين القوات الإسرائيلية والمصرية والسورية، مما أتاح للرئيس ريتشارد نيكسون وكيسنجر فرصة لعب دور قيادي في فك ارتباط هذه الجيوش عن بعضها بعضاً، ومحاولة وضع الأساس لمزيد من الخطوات لحل الصراع المستمر منذ 25 عاماً بصورة سلمية.

 

 

وبحسب موقع وزارة الخارجية الأميركية فقد وصل كيسنجر في الـ 11 من يناير 1974 إلى أسوان حيث كان الرئيس أنور السادات يعمل هناك خلال فصل الشتاء للتفاوض حول ثلاثة بنود رئيسة لفض اشتباك القوات، فضلاً عن إعادة فتح قناة السويس مع ضمان المرور الإسرائيلي عبر القناة ومضيق تيران وباب المندب، وكذلك بحث طلب إسرائيل لإعادة مصر بناء مدنها على طول قناة السويس للتأكد من أن الخطر على السكان المدنيين المصريين من شأنه أن يردع مصر عن بدء حرب أخرى.

ومن خلال جولات كيسنجر في رحلات مكوكية بين إسرائيل ومصر لمدة أسبوع تم التوصل إلى اتفاق في الـ 18 من يناير 1974، وتضمنت أبرز نقاط الاتفاق وجود قوات مصرية وإسرائيلية محدودة تقسمها منطقة عازلة تابعة للأمم المتحدة على الضفة الشرقية لقناة السويس، كما وافقت مصر على معظم الضمانات التي طلبتها إسرائيل.

اتفاقات صعبة

وبعد إبرام "اتفاق فض الاشتباك المصري – الإسرائيلي" المعروف باسم "سيناء-1" تحول اهتمام الولايات المتحدة إلى سوريا حيث كان كيسنجر يأمل في أن يؤدي التحرك على الجبهة السورية - الإسرائيلية إلى قيام الدول العربية الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوابك) برفع الحظر النفطي الذي فرضته على الولايات المتحدة، رداً على المساعدة الأميركية لإسرائيل خلال الحرب، وعلى رغم صعوبة المفاوضات مع السوريين إلا أن منظمة "أوابك" رفعت الحظر النفطي، لكنه أصبح خاضعاً للمراجعة في الأول من يونيو (حزيران) التالي، ومع الحاجة إلى إظهار التقدم في المفاوضات بين إسرائيل وسوريا قبل ذلك الحين، تقدم كيسنجر إلى الأمام في مفاوضات أخرى التقى خلالها في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 1974 بصورة منفصلة في واشنطن مسؤولين إسرائيليين ومبعوثاً سورياً رفيع المستوى لمناقشة أسس المفاوضات.

وبحلول نهاية أبريل 1974 قرر كيسنجر أن الوقت مناسب لبدء رحلته المكوكية الثانية في الشرق الأوسط، وفي الأول من مايو 1974 غادر إلى إسرائيل لبدء ما يقارب شهراً من المفاوضات المكثفة بين الإسرائيليين والسوريين، تركزت حول بلدة القنيطرة في مرتفعات الجولان على بعد ثلاثة كيلومترات داخل المنطقة التي استولت عليها إسرائيل خلال الحرب العربية الإسرائيلية في يونيو 1967.

وبما أن القنيطرة لم تضم أية مستوطنات إسرائيلية، فقد أراد السوريون استعادة المدينة كجزء من أي اتفاق، وكذلك الأراضي التي سيطرت إسرائيل عليها خلال حرب أكتوبر، وعلى رغم التقدم إلا أن أياً من الطرفين لم يتمكن من سد الفجوة اللازمة لإتمام الاتفاق، وبعد مفاوضات لأكثر من أسبوعين أراد خلالها الجانبان إدخال تعديلات على اقتراح أميركي وقّعت سوريا وإسرائيل على اتفاق فض الاشتباك في الـ 31 من مايو عام 1974.

كيسنجر في عهد فورد

وفي التاسع من أغسطس (آب) عام 1974 استقال نيكسون من الرئاسة الأميركية، وتولى نائب الرئيس غيرالد فورد المنصب مع إبقاء كيسنجر في منصبه كوزير للخارجية ومستشار للأمن القومي، لكن خلال خريف ذلك العام شعرت الحكومة الأميركية بخيبة أمل بعدما أصدرت القمة العربية في الرباط قراراً في الـ 28 من أكتوبر عام 1974 يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، ويؤكد حقها في إنشاء سلطة وطنية مستقلة على كامل الأراضي المحررة، وهو ما اعتبرته واشنطن قضاء على أي أمل في التوصل إلى اتفاق أردني - إسرائيلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم الجهود الأردنية السابقة خلال العام للتفاوض مع الإسرائيليين في شأن الضفة الغربية والقدس، فإن هذا القرار أجبر ملك الأردن الحسين بن طلال على الإذعان لقرار القمة العربية ولمنظمة التحرير الفلسطينية في المفاوضات المستقبلية مع إسرائيل حول الضفة الغربية والقدس الشرقية.

ومع عدم قدرة الأردن على الضغط على الولايات المتحدة لإجراء مفاوضات مع إسرائيل، وعدم رغبة إسرائيل في التحدث مع منظمة التحرير الفلسطينية، أقنع السادات الرئيس فورد وكيسنجر بضرورة الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق ثان بين إسرائيل ومصر حول سيناء خلال عام 1976، ولكن على عكس اتفاق "سيناء-1" فقد أثبتت المفاوضات في شأن هذا الاتفاق الثاني أنه أكثر صعوبة بكثير واستغرق أشهراً عدة.

وبعد مناقشات أولية مع المصريين والإسرائيليين خلص الرئيس فورد إلى أن الإسرائيليين لم يكونوا متعاونين مثل مصر، ودعا في مارس إلى إعادة تقييم سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، مما أثار غضباً في مجلس الشيوخ الأميركي دفع فورد إلى التراجع عن موقفه، وفي نهاية المطاف أنهى كيسنجر "اتفاق فض الاشتباك المصري - الإسرائيلي الثاني" المعروف باسم "اتفاق سيناء المؤقت" أو "سيناء الثاني" والذي وقعته مصر وإسرائيل في الرابع من سبتمبر (أيلول) عام 1976، وأدى إلى انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الشرق في سيناء وإنشاء منطقة عازلة، وخصص الاتفاق موارد أميركية كبيرة لقوات حفظ السلام وإنشاء ثلاث محطات مأهولة وحقول استشعار إلكترونية في سيناء.

سيد اللعبة

ومهدت هذا الاتفاق الطريق لاتفاقات "كامب ديفيد" عام 1978 الذي أنهى رسمياً حال الحرب بين إسرائيل ومصر، ومهد الطريق لعلاقات دبلوماسية بين البلدين أدت إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من شبه جزيرة سيناء، وهو ما عكس سياسة التوازن لدى كيسنجر على حد قول الدبلوماسي السابق ورئيس معهد الشرق الأوسط في جامعة سنغافورة الوطنية بيلاهاري كوسيكان.

لكن الأهم من وجهة نظر خبراء سياسيين آخرين أن مصر ومن خلال دبلوماسية كيسنجر خرجت من مجال النفوذ السوفياتي وانتقلت إلى مجال النفوذ الأميركي، وهو ما يعتبره بعضهم أحد أعظم انتصارات الحرب الباردة للسياسة الخارجية الأميركية، كما أنه لم يكن بوسع العرب خوض حرب أخرى ضد إسرائيل من دون مصر، وهذا يعد بمثابة نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط.

ومع ذلك اعتبر الدبلوماسي الأميركي الكبير مارتن إنديك في كتابه عن كيسنجر والذي حمل اسم "سيد اللعبة" أن كيسنجر ارتكب أخطاء على طول الطريق، بعضها كان له كلفة بشرية عالية وبعضها الآخر كانت له عواقب استراتيجية لا تزال تؤثر في عملية صنع السلام حتى يومنا هذا، إذ اعتبر أنه لو أخذ السادات على محمل الجد منذ البداية بأن لديه رغبة في السلام مع إسرائيل، لكان من الممكن أن يتجنب حرب أكتوبر، ولو أنه منح العاهل الأردني الملك حسين استعادة موطئ قدم في الضفة الغربية عندما أتيحت له الفرصة للقيام بذلك، لربما كانت نتيجة القضية الفلسطينية مختلفة بصورة كبيرة.

هجوم "حماس"

ومع تحول المنطقة إلى السلام بعد "حرب الخليج الأولى" وعقد "مؤتمر مدريد" في التسعينيات ثم "اتفاقات أبراهام" خلال الأعوام القليلة الماضية، تحولت المنطقة نسبياً إلى خيار السلام، لكن تعنت إسرائيل أخيراً في تقديم أي أمل للفلسطينيين والتمادي في الاستيطان كان أحد العوامل التي أدت إلى هجوم حركة "حماس" على إسرائيل الشهر الماضي، والذي اعتبر كيسنجر أنه يتطلب من إسرائيل فرض عقوبة رداً على ذلك، ولهذا استبعد التوصل إلى وقف سريع لإطلاق النار، واعتبر في مقابلة مع قناة "فيلت" التلفزيونية الألمانية أن محادثات السلام لا يمكن تصورها حالياً إذا تمكن ما وصفهم بالإرهابيين من الظهور علانية واحتجاز الرهائن وقتل الناس.

ورداً على سؤال حول شعوره تجاه احتفال أنصار الفلسطينيين بهجوم "حماس" في شوارع برلين، قال كيسنجر إنه لا يحمل أي شكوى ضد الشعب الألماني، لكنه قال إنهم سمحوا لعدد كبير جداً من الأجانب بدخول البلاد، معتبراً أنه من الخطأ الفادح السماح بدخول هذا العدد الكبير من الأشخاص من ثقافات وأديان ومفاهيم مختلفة تماماً، لأن ذلك يخلق مجموعة ضغط داخل كل دولة تفعل ذلك.

مثير للجدل

غير أن سياسات كيسنجر كانت مثيرة للجدل أيضاً في مناطق أخرى من العالم، فخلال "حرب فيتنام" تفاوض في باريس على اتفاقات السلام التي أنهت التدخل الأميركي في الحرب، وهو الإنجاز الذي منحه "جائزة نوبل للسلام" عام 1973، واعتبر منتقدوه أن بإمكانه عقد الصفقة نفسها قبل أعوام، مما كان سيؤدي إلى إنقاذ آلاف الأرواح، لكن الحرب لم تنته، وفي غضون عامين اجتاحت قوات فيتنام الشمالية الجنوب المدعوم أميركياً لتضع نهاية مهينة أميركياً للصراع كنتيجة حتمية لسياسة كيسنجر الذي كان يريد فقط مساحة زمنية للحصول على سلام مشرف في حرب لا يمكن الفوز بها.

وفي عام 1975 وافق كيسنجر والرئيس فورد بصورة سرية على غزو مستعمرة تيمور الشرقية البرتغالية السابقة من قبل الجيش الإندونيسي المدعوم من الولايات المتحدة، إذ كان يخشى أن تصبح الحكومة اليسارية في تيمور الشرقية شيوعية أيضاً مثل فيتنام، ووفقاً لوثائق رفعت عنها السرية من مكتبة الرئيس فورد فقد قُتل أكثر من 100 ألف من مواطني تيمور الشرقية أو ماتوا جوعاً.

فهمه للقوة والتوازن

وبينما يعد كيسنجر أحد القلائل من الشخصيات التي ظلت مؤثرة في الولايات المتحدة لفترة طويلة جداً، لاحظ الكاتب ورئيس معهد آسبن السابق والتر إيزاكسون أن كيسنجر كان ينجذب إلى خصومه بجاذبية قهرية، وكان يسعى إلى الحصول على موافقتهم من خلال الإطراء والتملق والتلاعب بهم ضد الآخرين، وكان يشعر أن الرجال الأقوياء فضلاً عن القوى العظمى يشكلون العالم، وكان يعلم أن الشخصية والسياسة لا يمكن أن ينفصلا بصورة كاملة أبداً.

 

 

ومن خلال تجربته الشخصية كمراهق هارب مع أسرته من ألمانيا النازية إلى الولايات المتحدة، وعبر دراساته البحثية في "جامعة هارفرد" حول سياسات أوروبا عقب الحروب النابليونية، جاءت السرية في تعاملاته كأداة للسيطرة والنفوذ، وتمتع بشعور غريزي بعلاقات القوة والتوازنات النفسية والجيوسياسية على حد سواء بحسب إيزاكسون.

تصوره للعالم

وفي سن الشيخوخة وعندما تراجعت المنافسات القديمة أو دفنت مع خصومه السابقين، كان كيسنجر يتحدث أحياناً عن الأخطار النسبية للنظام العالمي الذي شكله، وعن عالم أكثر فوضى يواجه خلفاءه، فقد تغير صراع القوى العظمى بصورة كبيرة عن السلام البارد الذي حاول هندسته، ولم يعد الصراع يتعلق بالأيديولوجيا بل بالقوة والنفوذ فقط، وقال إن أكثر ما يقلقه هو احتمال الصراع مع القوة الصاعدة للصين في الوقت الذي تتحدى فيه قوة الولايات المتحدة، بينما كانت روسيا دولة متضائلة، بحسب تعبيره، وغير قادرة على تحقيق الهيمنة على العالم، كما قال في مقابلة أجرتها معه صحيفة "نيويورك تايمز" عام 2016.

لكن كيسنجر لم يضطر قط إلى التعامل مع جماعات مثل تنظيمي "القاعدة" أو "داعش"، أو عالم تستخدم فيه الدول وسائل التواصل الاجتماعي للتلاعب بالرأي العام والهجمات الإلكترونية لتقويض شبكات الكهرباء والاتصالات.

تأثير مستمر

وخلال نصف قرن من الزمان لم يفقد كيسنجر حبه للأضواء العامة والسياسة العالمية، واستغل اتصالاته مع الحكومات الأجنبية وكبار رجال الأعمال في شركة استشارية مربحة هي "كيسنجر أسوشيتس" التي أسسها عام 1982 وحافظ على مهنة طموحة في الكتابة حتى التسعينيات من عمره، إذ نشر كتباً عن التاريخ والسياسة الاستراتيجية وأنشطته الدبلوماسية الخاصة، وفي كتابه "النظام العالمي" الذي صدر عام 2014 كشف كيسنجر عن وجهات نظره للتأثير في عالم أصبح أكثر انقساماً وترابطاً في الوقت ذاته.

وفي عام 2022 عندما كان في أواخر التسعينيات من عمره نشر كتاب "القيادة: ست دراسات في الاستراتيجية العالمية" تناول فيه لمحة عن قادة ما بعد الحرب العالمية الثانية الذين وصفهم بذوي البصيرة، لكن وزير الخارجية الأميركي السابق ومبعوث الرئيس بايدن للمناخ جون كيري اعتبر أن كيسنجر صاغ مفردات الدبلوماسية الحديثة، مثل عبارات "الدبلوماسية المكوكية" و"الصبر الاستراتيجي" كدليل على مدى تأثيره المستمر.

وفيما استمر كيسنجر في تقديم المشورة للبيت الأبيض والكونغرس حتى التسعينيات من عمره، إلا أنه في أواخر حياته كان لا يعرف ما إذا كانت دبلوماسيته يمكن أن تستمر في العصر الرقمي، مشيراً إلى أن ظهور الهواتف الذكية المحمولة والكاميرات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي تحد من الحفاظ على السرية المطلوبة التي استخدمها دوماً لتحقيق اختراقات دبلوماسية كبيرة، وكان يشعر بالقلق من أن شبكة الإنترنت لها تأثير مدمر على الفكر الشعبي، وأن الحداثة في هذا العصر تمثل حاضنة سيئة للقادة ذوي البصيرة.

المزيد من تقارير