Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيانات تعليمية وهمية... للاحتيال وجوه أخرى في مصر

أكاديميات مزيفة تدار بعيداً من القانون تتلاعب بمصائر آلاف الطلاب الحالمين بالحصول على شهادات علمية مُعترف بها دولياً

ضبطت الحكومة المصرية 10 كيانات تعليمية وهمية خلال 40 يوماً (مواقع التواصل)

"بمجموع 50 في المئة احصل على شهادة معتمدة من كبرى الجامعات. فرصتك معنا علشان (كي) تحقق حلمك. سارع بالتقديم واغتنم الفرصة"، عبارات جذابة دائماً ما تنتشر على منصات وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، يلجأ إليها محترفو النصب والاحتيال التعليمي، ممن ينصبون فخاخاً لضحاياهم بإيهامهم بالحصول على شهادات علمية معتمدة وموثقة دولياً من كبرى المؤسسات الدولية، للاستيلاء على أموالهم.

وخلال الـ 40 يوماً المنقضية، ضبطت الحكومة المصرية 10 كيانات تعليمية وهمية، تتلاعب بمصائر الآلاف من الطلاب والشباب الحالمين بالحصول على شهادات علمية معتمدة ومعترف بها من مؤسسات كبرى.

وبحسب إحصاء رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (جهة حكومية)، في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، فإن عدد الطلاب المقيدين بالتعليم العالي زاد إلى 3.495 مليون طالب خلال العام الدراسي 2021 - 2022 مقابل 3.424 مليون طالب خلال العام الدراسي 2020-2021 بزيادة بلغت 70.9 ألف طالب.

وكان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور أيمن عاشور، قد أكد في تصريحات صحافية مطلع يوليو (تموز) من العام الحالي، أن عدد الجامعات المصرية ارتفع من 49 جامعة في عام 2014 إلى 92 جامعة في 2023.

أحلام تتحول إلى سراب

بين عشية وضحاها، انقلبت حياة يوسف أحمد، (اسم مستعار)، رأساً على عقب، وتحوّلت أحلامه إلى سراب، بعدما اكتشف أن الأكاديمية التي التحق بها كيان مزيف ووهمي غير مرخص من وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات (جهة حكومية). إذ لم يكن يعلم أن ضالته التي وجدها لتحقيق حلم الطفولة بدراسة الطب ستكون هي نهاية مستقبله التعليمي.

حصل يوسف على شهادة الثانوية العامة بنسبة 80 في المئة، إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، وتبددت أحلامه في الالتحاق بكلية الطب التي تتجاوز نسبتها الـ90 في المئة، ليحاول البحث عن ملاذ آخر لتحقيق رغبته، محاولاً اللجوء إلى الجامعات الخاصة، إلا أن مصروفاتها الباهظة وقفت حجراً عثرة أمامه ليقرر البحث عن طوق نجاة آخر.

وجد الشاب المصري ضالته عبر محركات البحث "غوغل" حين قرأ إعلاناً بوجود أكاديمية تعليمية للعلوم الحديثة تمنح شهادة الطب بمجموع أقل من 80 في المئة، نظير مصروفات ليست مرتفعة مقارنة بالجامعات الخاصة، ليقرر الالتحاق بها على الفور من دون أن يعلم ما الذي يخبئه له القدر.

يقول يوسف، لـ"اندبندنت عربية"، "لم أفكّر لحظة في الاستعلام عن تلك الأكاديمية أو شروط القبول والالتحاق بها. كل ما كان يشغلني هو تحقيق حلمي، وبعد دخول الكلية ودفع المصروفات المطلوبة فوجئت بتشميعها (غلقها) من قِبل المسؤولين لعدم حصولها على ترخيص من وزارة التعليم العالي".

ويضيف الشاب المصري، "لا أعلم مصيري حالياً بعد ضياع مستقبلي والتوقف عند الحصول على شهادة الثانوية العامة، ومصير الأموال التي دفعتها لتلك الأكاديمية، التي كانت فوق طاقة أسرتي التي ساندتني لتحقيق حلمي".

وكان وزير العدل المصري المستشار عمر مروان قد أصدر قراراً في منتصف ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي بمنح 7 من العاملين بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي صفة مأموري الضبط القضائي، بالنسبة للجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام قانون تنظيم المعاهد العالية الخاصة.

وبحسب تصريحات صحافية سابقة للدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، أكد أن لجان الضبطية القضائية منذ بدء عملها في عام 2015 نجحت في ضبط ومداهمة 364 كياناً تعليمياً وهمياً بمختلف المحافظات المصرية حتى الآن، ووجّه بتكثيف جهود الضبطية القضائية، لمداهمة أية كيانات وهمية، أو مقرات تُمارس أنشطة تعليمية، من دون الحصول على ترخيص.

وعود زائفة

محمد محمود، ابن محافظة الإسكندرية (شمال مصر)، ساقه حظه العاثر ليكون فريسة لمحترفي شبكات النصب والاحتيال التعليمي، بعدما أخفق في الالتحاق بكلية الصيدلة، التي كان يحلم بدخولها منذ الطفولة، بسبب حصوله على 80 في المئة بالثانوية العامة، غير أن قواعد التنسيق ودرجات القبول بكلية الصيدلة كانت تقبل بأكثر من 90 في المئة.

حاول محمود تحقيق حلمه عبر بوابة أخرى من خلال الالتحاق بجامعة خاصة، إلا أن التكلفة الباهظة لتلك الجامعات حالت دون ذلك، ليجد نفسه محاصراً بكم هائل من إعلانات موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" عن أكاديميات تمنح شهادات لكليات الصيدلة ومعترف بها من جامعات دولية، وتضم أساتذة متخصصين، بمجموع أقل من 80 في المئة، ومصروفات لا تتجاوز 10 آلاف جنيه (324 دولاراً أميركياً) في العام الأول.

يحكي محمود أنه انتابه الشك في البداية، خشية من حدوث عملية نصب أو استيلاء على أمواله، فقرر الذهاب إلى مقر الأكاديمية بنفسه، التي كانت تمارس نشاطها من أحد العقارات السكنية، وبعد أحاديث مطولة استطاع مسؤولو الأكاديمية إقناعه بعد إظهار عدد من الأوراق الممهورة بأختام رسمية، التي تزعم أن الأكاديمية معترف بها، إضافة إلى وعود بتوفير فرص عمل في دول خارجية.

لم تلق تحذيرات وزارة التعليم العالي المستمرة من سماسرة النصب والاحتيال التعليمي آذاناً مصغية لدى محمود، الذي قرر أن يخوض المغامرة، وبدأ في تقديم الأوراق المطلوبة منه، إلى جانب المصروفات الدراسية، ليقضي الشاب قرابة عام في الأكاديمية، حتى فوجئ بغلقها من قبل الجهات الأمنية، ليجد نفسه ضحية عملية نصب، بعد أن اكتشف أن تلك الأكاديمية غير مرخصة، وليس معترفاً بها من وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات.

طرق الشاب المصري أبواب كل المسؤولين في محاولة لإيجاد وسيلة لإنقاذ مستقبله التعليمي واسترداد أمواله المنهوبة، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.

محاضر وبلاغات رسمية

وقعت هند عبدالسلام (اسم مستعار)، مقيمة في محافظة الجيزة (جنوب العاصمة المصرية القاهرة)، هي الأخرى ضحية لمحترفي الاحتيال التعليمي، بعد أن علمت من خلال إحدى صديقاتها بوجود إعلانات عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تروج لأكاديمية لـ"الضيافة الجوية"، تقبل الطلاب الحاصلين على الثانوية العامة والدبلومات الفنية والثانوية الأزهرية، بمجموع 50 في المئة فأكثر بشهادة تزعم اعتمادها من جهات رسمية، وبمصروفات تقدر بـ15 ألف جنيه (487 دولاراً)، مقابل الحصول على برامج تدريبية في مجالات التعليم المختلفة وتمنح شهادات تعليمية موثقة من الجامعات المصرية، وتمكنهم من الالتحاق بالشركات الكبرى.

اعتبرت هند الأكاديمية فرصة مناسبة، لتحقيق رغبتها في الالتحاق بكبرى شركات الطيران والعمل في هذا المجال، فسارعت بالتواصل مع الأكاديمية، وتقديم أوراقها، وسددت المصروفات المطلوبة، وبدأت في تلقي التدريبات اللازمة على مدى عام كامل. لكن، سرعان ما تبددت أحلامها بعد أن فوجئت بأن الأكاديمية كيان مزيف غير مرخص، وليس معترفاً به من وزارة التعليم العالي.

لم تجد هند وسيلة أمامها سوى تحرير محضر رسمي بالواقعة برفقة زميلاتها يفيد بتعرضهم للنصب والاستيلاء على أموالهم.

عقوبات قانونية غير رادعة

إلى ذلك، يقول وزير التعليم العالي الأسبق ورئيس جامعة بدر الدكتور أشرف الشيحي، إن الأزمة الكبرى في تلك الكيانات التعليمية الوهمية "تكمن في عدم وجود عقوبات قانونية رادعة لها، ما أسهم في انتشارها وتفاقم الظاهرة".

ويضيف الشيحي، خلال حديثه لـ "اندبندنت عربية"، "تلك الجرائم مستمرة ولن تنتهي، فبمجرد إغلاق الجهات المختصة كياناً وهمياً في مكان، يقوم هؤلاء المحتالون بفتحه في مكان آخر، لأن تلك الكيانات تُدر أرباحاً طائلة، بالتالي يسعى هؤلاء الأشخاص لمواصلة نشاطهم الإجرامي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يُشار إلى أن السيد عطا رئيس قطاع التعليم العالي، المُشرف على قطاع التنسيق بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، كان قد أكد في تصريحات متلفزة سابقة، أن الوزارة تغلق من 2 إلى 3 كيانات تعليمية وهمية أسبوعياً.

ويعود الشيحى ليؤكد ضرورة تغليظ العقوبة في تلك الجرائم، والتعامل معها باعتبارها من الجرائم غير قابلة للتسامح حتى لا يستفيد هؤلاء المحتالون من جريمتهم. موضحاً أن الدولة يجب أن تظهر قوتها في التعامل مع مثل تلك الجرائم، لأن وزارة التعليم العالي ولجان الضبطية القضائية لن يتمكنا بمفردهما من فعل شيء.

ويرى وزير التعليم العالي الأسبق أن الطالب يعتبر ضحية لمرتكبي تلك الجرائم، حيث يدفع أموالاً من دون علمه ما إذا كانت مرخصة ومعترف بها أم لا، وهو أمر يعبر إما عن جهله أو سوء تصرفه.

جرائم مستحدثة

وتعقيباً على دور القانون في مواجهة تلك الكيانات الوهمية، يقول المحامي بالنقض المستشار ميشيل حليم، إن تلك الكيانات المزيفة تندرج تحت مسمى جرائم "اختلاس الألقاب وانتحال الصفة"، ويعاقب عليها قانون العقوبات في الباب العاشر إما بالحبس أو الغرامة.

ويضيف حليم، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن تلك الجرائم مستحدثة، وكان ينبغي على المُشرّع وقت إيداع قانون العقوبات أن يتطور بتطور الجريمة. مشدداً على ضرورة أن يكون هناك "نص قانوني صريح لمعالجة تلك النوعية من الجرائم، إضافة إلى تغليظ العقوبات على مرتكبيها، لأن القانون غير رادع في مواجهة تلك الكيانات الوهمية المزيفة".

على النقيض من الطرح السابق، يرى عضو اتحاد المحامين الأجانب بألمانيا، المستشار عمرو عبدالسلام، إن الطالب دائماً ما يقع فريسة وضحية لتلك الكيانات الوهمية، لأنه مع التطور التكنولوجي الواسع أصبح يسهل على تلك الكيانات المزيفة أن تعلن وتروج عن نفسها من خلال اللجوء إلى المواقع الممولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب ضحاياهم.

ويُشدد عبدالسلام على ضرورة أن يقوم أولياء الأمور بالاستفسار عن قانونية تلك الهيئات أو الأكاديميات أو المراكز التعليمية قبل التقديم لها ودفع الأموال، عبر مراجعة وزارة التعلم العالي للتأكد مما إذا كانت تلك الكيانات معتمدة ومعترف بها أم لا. مشيراً إلى أن وزارة التعليم العالي لا تتابع تلك الكيانات عبر منصات السوشيال ميديا، لكن من خلال الشكاوى والبلاغات التي تصل إليها أو من قبيل الصدفة.

وسرد عبدالسلام لـ"اندبندنت عربية"، تفاصيل واقعة أثارت ضجة في أوساط الرأي العام الماضي جرت أحداثها خلال العامين الماضيين، كان ضحيتها نحو 6 آلاف طالب بعد أن جرى استقطابهم من قِبل كيان مزيف عبر إعلانات ممولة على "فيسبوك"، وكانوا يستهدفون الطلاب الراسبين من الثانوية العامة، وحاملي الدبلومات وأصحاب المجاميع المنخفضة، وإيهامهم بالالتحاق بكليات الطب والهندسة والطيران نظير رسوم تتراوح ما بين 10 آلاف (323 دولاراً) إلى 15 ألف جنيه (485 دولاراً) سنوياً.

وفقاً لـ عبد السلام فإن المفاجأة حين اكتشف الطلاب أن تلك الأكاديمية، التي تُدار من أحد الكراجات المُلحقة بعقار سكني في منطقة المعادي عبارة عن شركة لتنظيم المؤتمرات ولا تمت للعملية التعليمية بصلة، وقام الطلاب بتحرير محاضر بالواقعة في أحد أقسام الشرطة، وتبين استيلاء هؤلاء المحتالين على مئات الملايين من الجنيهات، وألقي القبض على تلك الشبكة الإجرامية.

ويضيف المحامي بالنقض، أن تلك الكيانات التعليمية الوهمية أصبحت عبارة عن بيزنس ضخم للنصب والاحتيال وأشبه بـ"أكاديميات بئر السلم"، وتخضع تلك الجرائم لعقوبات النصب والاحتيال وإدارة منشآت من دون ترخيص، مشدداً على ضرورة أن يكون هناك تشديد من وحدة الرصد في وزارة التعليم العالي لتلك الكيانات المزيفة.

بيزنس للنصب والاحتيال

فيما ألقى عضو هيئة التدريس بجامعة حلوان الدكتور وائل كامل، باللوم والتقصير على وزارة التعليم العالي على رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها لمواجهة تلك الكيانات الوهمية. مُرجعاً السبب في ذلك إلى عدم قيامها بتوفير البيانات الكافية بأسماء الأكاديميات والمؤسسات المعتمدة دولياً بشكل مُيسر أمام الجمهور على نطاق واسع، مما سمح باستغلال الطلاب وتفاقم تلك الظاهرة، متسائلاً: "أين إعلانات الوزارة عن تلك الكيانات والتوعية بخطورة تلك القضية؟".

تصريحات كامل تتناقض مع ما سبق وأدلى به المُتحدث الرسمي لوزارة التعليم العالي المصرية الدكتور عادل عبدالغفار في تصريحات صحافية سابقة، بأنه جرى إعداد قائمة بالمؤسسات التعليمية المُعتمدة من وزارة التعليم العالي للمرحلة الجامعية الأولى (البكالوريوس، الليسانس)، يجري تحديثها بشكل مُستمر، ونشرها على الموقع الإلكتروني لوزارة التعليم العالي، وصفحات التواصل الاجتماعي الرسمية للوزارة، والموقع الإلكتروني للمجلس الأعلى للجامعات، وذلك للاطلاع عليها من جانب الطلاب وأولياء الأمور، حتى لا يقعوا فريسة للكيانات الوهمية، وفي حالة الرغبة في التأكد من شرعية أية مؤسسة أكاديمية.

تجريم برلماني

وعلى الصعيد التشريعي والرقابي، يقول البرلماني المصري وعضو لجنة التعليم بمجلس النواب محمد الكومي، إن الدولة قامت بجهود كبيرة لمواجهة تلك الظاهرة خلال السنوات الماضية، كما وضعت وزارة التعليم العالي المصرية خريطة كاملة بأسماء الأكاديميات والمؤسسات المعترف بها والمعتمدة داخل وخارج مصر حتى لا يقع الطلاب ضحية وفريسة لهؤلاء المحتالين. مشيراً إلى أن البرلمان أقر عديداً من التشريعات والقوانين التي تُجرم تلك الظاهرة.

وأضاف الكومي، خلال حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أن الطالب عليه مسؤولية أيضاً في تلك القضية، ويجدر عليه الاستعلام من الجهات المختصة عن الأكاديميات والمؤسسات المعترف بها دولياً والمعتمدة رسمياً قبل الالتحاق بها ودفع أمواله لها، مردفاً "بعض الطلاب يحصلون على مجموع 50 في المئة، ويحلمون بالحصول على شهادات تعادل كليات القمة. وهنا تكون بداية المأساة".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات