المنطقة الآمنة تأخذ مسارها... وقلق من "ذرائع" تركية لقلب الطاولة

القيادتان العسكرية والسياسية في "قسد" تستشعران أن مضامين الاتفاق الأميركي التُركي بحيّزها الأكبر لصالح التطلعات الكُردية

مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية برفقة جنود أميركيين (رويترز)

يبدو أن ديناميكيات الاتفاق الأميركي - التُركي بشأن منطقة شرق الفُرات بدأت تأخذ مسارها السلس، من دون اتجاه واضح، إذ خفت طوال الأسبوع الماضي التهديدات السياسية والعسكرية التُركية بشأن شرق الفراق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في الوقت ذاته الذي أعلنت فيه هذه الأخيرة اتخاذها خطوات عملية لتنفيذ ما اتُّفق عليه.

لكن على الرغم من هذه التهدئة على جانبي الحدود، إلاّ أنّ القوى السياسية والاجتماعية في منطقة شرق الفُرات لا تزال تُعبّر عن مخاوفها مما يُمكن أن تُخطط له تُركيا خلال الفترة المقبلة، في ظل تراجع المشروع التُركي في منطقة إدلب شمال غربي سوريا، وتراجع الوضع السياسي لحزب "العدالة والتنمية" في الداخل التُركي، الأمر الذي قد يدفع الرئيس التركي إلى التصعيد في منطقة شرق الفرات، وأن يختلق لأجل ذلك الكثير من الذرائع.

التزام كُردي بنوايا حسنة

مصدر كُردي قريب من "قسد" أعلن لـ "اندبندنت عربية" أن "القيادتين العسكرية والسياسية لهذه القوات تستشعران أن مضامين الاتفاق الأميركي - التُركي هي بحيّزها الأكبر لصالح التطلعات الكُردية، وتكبح في جوهرها المشروع التُركي الذي كان يسعى إلى تحطيم مشروع منطقة شرق الفُرات، باستراتيجية وآليات شبيهة بما جرى تنفيذه في منطقة عفرين". وأكد أن "الطرف الكُردي تفاجأ بما جرى الاتفاق عليه لجهة كمية التنازلات التُركية لصالح الرؤية المُشتركة بين قواته والطرف الأميركي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبناء على ذلك المُعطى، صارت قوات سوريا الديمقراطية تسعى إلى تنفيذ خطوات الاتفاق بأسرع وقت ممكن، ما فعلته اعتباراً من يوم الثلاثاء 27 أغسطس (آب) 2019، إذ سحبت قواتها القِتالية وأسلحتها الثقيلة من المسافة بين منطقتي تل أبيض ورأس العين، وبعمق يتراوح بين خمسة كيلومترات و14 كيلومتراً، وهي المنطقة الأولى التي من المُفترض أن يُطبق فيها الاتفاق الأميركي - التُركي. كذلك، فإن "قسد" أزالت السواتر الترابية والخنادق الدفاعية في تلك المنطقة.

القوى السياسية في مناطق الإدارة الذاتية الكُردية كانت قد وجّهت رسائل مُطمئنة إلى السُكان المحليين في مناطق سيطرتها، إذ أعلنت أن "الانسحاب كان من المناطق الريفية فحسب، وليس من مراكز المُدن"، وأنها سوف تُسلّم هذه المناطق أمنياً إلى المجالس العسكرية المحلية. كذلك، ذكرت أن التحصينات التي حطمتها كانت دفاعية وأن انتفاء التهديدات التُركية يُلغي الحاجة إليها.

مخاوف ثُنائية

مراقبون للشأن السياسي في منطقة شرق الفرات عبّروا عن ارتياحهم المبدئي لتنفيذ بنود الاتفاق، خصوصاً أنه يدفع الولايات المتحدة إلى إثبات وجودها في تلك المنطقة، وتحويلها إلى مركز نفوذ استراتيجي بالشراكة مع الأكراد. لكنهم أردفوا أن "المخاوف الكُردية الراهنة تتوزع على مستويين اثنين، لا يزالان غير واضحين بالنسبة إلى الطرف الكُردي".

 أولاً، لا يُعرف ما إذا كانت تُركيا سترضى بالتوازن العسكري والسياسي الحالي مع "قسد"، بخاصة أن أنقرة لا تعترف بهذه القوات حتى الآن، وتعتبرها جزءًا من عدوها التاريخي، حزب العُمال الكُردستاني PKK، أو ستختلق بعض القلاقل الأمنية والعسكرية لقواتها، كذريعة للاندفاع صوب قضم المزيد من المناطق في شرق الفُرات.

يتذكر الطرف الكُردي التسجيلات الصوتية التي سُرّبت عام 2013 من الاجتماع "عالي السرية" الذي عُقد في مكتب وزير الخارجية التُركي وقتئذ أحمد داوود أوغلو، الذي أشار فيه رئيس الاستخبارات هاكان فيدان إلى إمكانية الدفع ببعض العناصر إلى داخل الأراضي السورية، والطلب منهم قصف المناطق التُركية من هُناك، وذلك لخلق ذريعة للجيش التُركي للتوغل داخل الحدود السورية.

ويخاف الطرف الكُردي من إمكانية حدوث أمور مماثلة ضد الدوريات الأميركية التُركية المُشتركة في هذه المنطقة الآمنة، لتتحجج القوات التُركية باقتحام منطقة شرق الفُرات.

يتعلّق التخوّف الكردي الثاني بتفصيل عودة اللاجئين السوريين من تُركيا في اتجاه هذه المنطقة. فالاتفاق الأميركي التُركي ينص على تحويل المنطقة الآمنة في شرق الفُرات إلى ما سُمّي "ممر للسلام"، يسمح بعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم. وتعتبر القوى السياسية الكُردية أن الغالبية السُكانية في المنطقة المُتفق عليها كمنطقة آمنة هي كُردية بالمُطلق، وبالتالي، فإن سعي تركيا إلى الدفع بمئات آلاف اللاجئين السوريين إلى تلك المناطق، قد يُهدد بحرب أهلية هُناك أو إحداث تغيرات ديموغرافية.

توتر أمني مواز للتوافق السياسي   

المُلفت للأنظار أن الأوضاع الأمنية والعسكرية في منطقة شرق الفُرات، تحديداً في المناطق ذات الغالبية العربية في محافظة الرقة، شهدت توترات أمنية متصاعدة خلال الأيام الماضية، على عكس المتوقع، إذ كانت التقديرات تميل إلى أن التوافق الأميركي التُركي بشأن المنطقة الآمنة، سيدفع قوات سوريا الديمقراطية إلى الانخراط عسكرياً والإمساك بالأرض أمنياً في باقي مناطق سيطرتها.

وقالت الأنباء الواردة من منطقة الرقة إن "عُنصرين من قوات سوريا الديمقراطية لقيا حتفهُما بإطلاق نار في منطقة قريبة من بلدة السلحبية غرب مدينة الرقة، يوم الاثنين 26 أغسطس 2019". واللافت، أنه بعد ساعات قليلة من ذلك الحادث، أعلنت جهة تُسمي نفسها "حركة أحرار الشعب" مسؤوليتها عنه. هذه الحركة كانت قد أعلنت عن نفسها في أوائل يونيو (حزيران) 2019، حين نشرت تسجيلات مصورة لبعض الشُبان الملثمين، يُعلنون تأسيس هذه الجهة المُسلحة، تتوعد فيها قوات سوريا الديمقراطية وتطالب العشائر العربية بالالتفات حولها.

وفي اليوم ذاته، استهدفت سيارة مفخخة وسط مدينة الطبقة غرب محافظة الرقة، قُتل على إثرها طفل وجُرح عدد من المدنيين. بعد ذلك الحادث بيوم واحد، استهدفت دراجة نارية مُفخخة تجمعاً لعناصر من قوات سوريا الديمقراطية، وسط الشارع العام في بلدة الشدادي جنوب محافظة الحسكة، ما أدى إلى سقوط أربعة جرحى مدنيين، قالت بعض المصادر المحلية إن حال بعضهم حرجة، إلى جانب جرح عُنصر من قوات سوريا الديمقراطية.

المزيد من العالم العربي