تعرفوا على بعض الهندوراسيين الساعين إلى حلمهم الأميركي في بلادهم

في الجزء الثالث من سلسلة حول "هندوراس" تتحدث الإندبندنت إلى هندوراسيين يصارعون لتأمين مستقبل لهم في بلدهم

هندوراسيون مرحلون من الولايات المتحدة إلى المكسيك بعد رفض طلبات لجوئهم (رويترز)

تعمل نازاريت ألونسو خمسة أيام في الأسبوع كأمينة صندوق لدى أحد البنوك في مدينة سان بيدرو سولا. وهي تقصد كل مساء، وخلال بعض عطل نهاية الأسبوع أيضاً، جامعة هندوراس التقنية حيث تتابع تخصّصاً في العلاقات الدولية.

وتقول ألونسو التي تبدو أنيقة بقميصها الأحمر القاني وأقراطها الدائرية "أعيش مع أمي التي لا تعمل. أعانتني أمي على دفع أقساط المدرسة الثانوية ولكنني أسدّد هذه الأقساط وحدي الآن. طلبَت منّي أن أتابع دراستي وأسعى للحصول على الماجستير".

وفي حين يتدفُّق الآلاف من الهندوراسيين كباراً وصغاراً خارج البلاد بحثاً عن حياةٍ أفضل لهم في الولايات المتحدة، تنضمّ الصبية ذات الـ28 ربيعاً إلى صفوف السّاعين إلى تحسين حياتهم هنا، وهم أشخاص تمرّ محنتهم من دون أن يلاحظها أحد إجمالاً. وعندما بدأت قوافل المهاجرين بالتجمّع خلال العام الماضي واختار الكثيرون منهم طريق الرّحيل تغمرهم قناعة تامّة بأن ليس لديهم الكثير ليخسروه أساساً، لم تكن ألونسو بينهم.

وتعلّق على الموضوع قائلة "أحسست بالحزن لأن الكثير من الناس يؤمنون أن هذا البلد لا ترتجى منه فائدة. ولكن لو عشت داخل هذا البلد، تستطيع بذل الجهد كي يستحيل عظيماً".

ولا تغشي الأوهام حول هندوراس أبصار ألونسو وغيرها من الطلاب. ففي الأشهر الماضية برزت هذه الدولة في أميركا الوسطى التي تضم 10 ملايين نسمة بصفتها إحدى ساحات المعركة في إطار أزمة المهاجرين التي خصّها دونالد ترمب بعباراته القاسية والعنصرية أغلب الأحيان في سياق خطاب وسلوك يرميان إلى بثّ الحماسة في صفوفِ بعض مناصريه. وفي 2018، رحّلت الولايات المتحدة عن أراضيها 28894 هندوراسياً أي ما يقارب 80 شخصاً كل يوم.

وفي مقابلات كثيرة ومتكرّرة، يعزو المواطنون في هندوراس اضطرار الناس إلى التوجه شمالاً إلى نقص في الفرص الواعدة لا سيما بالنسبة لفئة الشباب. ويصرّ الكثيرون على أنّهم يفضّلون البقاء هنا في حال توافرت لهم الوظائف وتراجعت حدّة العنف وإذا لم يعد الفساد الذي يقال إنه لوّث أعلى مراتب الحكومة، مستشرياً.

وأسس روجر دي فالاداريس جامعة هندوراس التقنية عام 1987، وهي مؤسّسة خاصة لا تتوخى الربح لديها 11 حرماً جامعياً في كافة أرجاء البلاد، وكان هدفه من وراء ذلك توفير التعليم لطلّاب الطبقتين الوسطى والعاملة.

فبسبب توفير الدولة التعليم الأساسي فقط ومع توجُّه أولاد العائلات الميسورة إلى الخارج أو نحو الجامعات الخاصة المُكلِفة من أجل استكمال تحصيلهم العلمي، طرأت له فكرة كي يتيح للشباب أن يدرسوا ويعملوا في وقت فراغهم. ويُكلَّف بعضُهم بأداء مهام إدارية داخل الحرم الجامعي. كما صُمّمت برامج شهادة البكالوريوس في الجامعة كي تنتهي خلال أربعة أعوام مع أن الطالب العادي لا ينهيها قبل فترة ستة أعوام ونصف. ويبلغ القسط الجامعي 1250 دولاراً أميركياً للعام الواحد.

تعتري الحماسة ابن فالاداريس، روجر إنريكي فالادجاريس، وهو نائب الرئيس التنفيذي للجامعة، حين الكلام عن استحداث فرص للشباب. ويقول إن والده يتحدر من بيئة فقيرة للغاية وهذا ما ألهمه مد يد المساعدة للآخرين بعد أن ثبّت موقعه في عالم المصارف.

ويشير فالاداريس إلى فائض المشاكل في هندوراس، منها مثلاً طرق تهريب المخدرات التي تمر عبر البلاد إلى سوق الولايات المتحدة. ويشكل الفساد مشكلة أخرى أيضاً.

 

ويقول "لا يمكنك أن تعمي بصرك عمّا يحدث حولك. فالفساد مستشرٍ في بلدنا. وإن نظرت إلى غواتيمالا والسلفادور فسترى وضعاً مماثلاً هناك أيضاً".

ولكنه يرى قدرات كثيرة في الآن ذاته، في مجالات السياحة والاستثمار الخارجي والتجارة، في حال أتيح للناس بعض الفرص كي يعملوا. ويضيف "نحن كذلك أميركا. وفي هذا المكان حلم أميركي أيضاً".

ويدرس أوسكار راميريز البالغ من العمر 25 سنة مجال التسويق ويعتبر أن على حكومة الرئيس خوان أورلاندو هيرنانديز بذل المزيد من أجل مساعدة الشركات المحلية الصغيرة. ويلفت إلى أنّ تسجيل الشركة وحده يكلّف 600 دولار أميركي.

وفي هذه الأثناء، يسعى هيرنانديز، حليف الولايات المتحدة المحافظ، إلى استقطاب الاستثمار الخارجي عبر تقديم إعفاءات ضريبية للشركات التي تنشئ مقراتها داخل مناطق خاصة للتجارة الحرّة. ولكنه يقول إنّ من يستفيد من هذه الفرصة هم القادرون على التوظّف لدى الشركات الكبيرة، فيما يلفت كثيرون إلى أن الحصول على هذه الوظائف يحتاج لعلاقات أو نفوذ.

ويشير إلى أنّ "الحكومة تحدث التغييرات ولكننا بحاجة لحلٍّ فوري. لأن شبابنا ورواد الأعمال ذوو الأفكار الجيّدة سيذهبون إلى بلادٍ أخرى حيث الفرص أفضل".

 

كما اعتبر أن الحكومة ملزمة بالعمل بسرعة والاستثمار في التعليم. في وقت سابق من هذا العام، صوّت المشرّعون ضد اقتراحات قدّمها هيرنانديز الذي اتُّهم شقيقه بتهريب المخدرات في الولايات المتحدة، من أجل خصخصة قطاعَي الصحة والتعليم. وكشفت وثائق قضائية أميركية أنّ هيرنانديز نفسه كان موضع التحقيق من جانب إدارة مكافحة المخدرات الأميركية.

وفي يونيو (حزيران) أطلقت القوات الأمنية قنابل الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية أثناء مسيرة نظمها الأساتذة والأطباء للمطالبة باستقالة هيرنانديز بعد عقد من إهمال القطاع الصّحي والتعليم منذ حصول الانقلاب الذي أطاح بالرئيس ذو الميول اليسارية مانويل زيلايا.

وأشارت صحيفة الغارديان إلى تقليص الإنفاق الحكومي في هندوراس على التعليم والثقافة من 33 في المئة من الميزانية إلى حوالى 20 في المئة على امتداد العقد الماضي. وفي الوقت ذاته، زاد الإنفاق على الأمن والدفاع وصارت حصتهما من الموازنة 15 في المئة بعد أن كان نصيبهما 13 في المئة منها.

ويقول راميريز الذي يعمل نحو 40 ساعة في منصبٍ إداريٍ داخل جامعة هندوراس التقنية ويدرس 25 ساعة "إن علّمت طفلاً تستطيع تغيير حياته. وإن لم يحصل على التعليم، فسيختار الرحيل إلى الولايات المتحدة".

وفي أحد مقاهي مدينة سان بيدرو سولا الراقية الكثيرة حيث يمضي الناس أوقاتهم بتجاذب أطراف الحديث أو الطباعة على الحواسب المحمولة كما لو أنهم يعيشون في لندن أو سياتل أو طوكيو، يزعم إدواردو فاكوسي أن أكبر تحدٍ أمام هندوراس هو أن الاقتصاد الذي نما بنسبة 3.5 في المئة خلال عام 2018، لا يتوسّع بالسرعة الكافية لتلبية الطّلب. ويقول إن 100 ألف شخص تقريباً يدخلون سوق العمل كل عام من دون أن يستطيعوا إيجاد وظيفة.

ويبلغ معدّل البطالة الرسمي 6 في المئة فيما يضع مؤشر جيني الذي يقيس عدالة توزيع الدخل، هندوراس في المرتبة الخامسة عشر على لائحة أكثر الدول التي تغيب فيها العدالة. وبين الدول الواقعة خارج القارة الأفريقية، وحدها البرازيل وكولومبيا وباناما أسوأ حالاً. وأمّا التحويلات المالية من المهاجرين الهندوراسيين فوصلت إلى 4.75 مليار دولار أميركي عام 2018 ما يعادل 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

ويقول فاكوسي وهو رجل أعمال ومستثمر ينتقد عمل الإدارة الحالية إن حكومة هيرنانديز تناصر الشركات التجارية الكبيرة ولكنها تبذل القليل في المقابل لتشجيع الشركات الصغيرة التي تستطيع استيعاب عدد أكبر من الناس برأيه.

ويضيف "يختلّ التوازن كلياً بين مقدار النمو والوظائف التي نستحدثها". ونتيجة لذلك، يرحل عشرات آلاف الأشخاص سنوياً.

"أما الوجه الثاني من هذه الحال فهو الاضطراب السياسي. والاستثمار مرتبط بالاستقرار، ليس بالضرورة الاقتصادي بل السياسي. ووقع هنا انقلاب في 2009 ثم نظّمت انتخابات مزوّرة في 2017. ولا تتمتّع الحكومة بأية صدقية. ويُضاف إلى ما تقدّم أنّ الفساد مستشرٍ".

ولم يُجب مكتب الرئيس على عدد من طلبات الرد والتعليق.

غير أنّ عضو الكونغرس عن الحزب الوطني الحاكم ألبرتو تشيدراني، يدافع عن الرئيس وعن سياسات حكومته.

ويدّعي أنّ استقطاب الاستثمارات الخارجية الضرورية لاستحداث الوظائف الجديدة صعبٌ بسبب الضّرر الذي ألحقه أعضاء حزب المعارضة بصيتِ البلاد عبر تشجيعهم الناس على الالتحاق بالقوافل والهجرة إلى الولايات المتحدة. وينفي تأثّر صورة البلاد سلباً بأفعال شقيق الرئيس المزعومة.

ويقول "علينا الاهتمام بصورةِ بلادنا. فالرئيس بمفرده وهو يبذل قصارى جهده. وفي وقت يتخرّج الكثير من الطلّاب الجامعيين حالياً ليست لدينا وظائف لهم. إن كانت صورتنا سيئة فلن تستثمر الشركات رؤوس أموالها عندنا".

أحياناً، يوازي تغيير الذهنية تغيير السياسات الاقتصادية أهميةً من أجل إيجاد فرص العمل.

وأمضى كريستيان فورنو، وهو ابن عائلة ثرية على قوله، ستّ سنوات في الدراسة في الولايات المتحدة حاول خلالها متابعة دروس طهي في إحدى مدارس ولاية فلوريدا. وكان بإمكانه البقاء هناك ولكنه قرّر العودة. ويقول إنّ ما ألهمه العودة هو أنّ "هندوراس أرض غير مُكتشفة بعد" بالنسبة لروّاد الأعمال، وأنه أراد المساعدة.

ومن بين الأعمال التجارية التابعة له مطعم بيتزا اسمه فورنو يقع في مدينة سان بيدرو سولا، يوظّف فيه من هم بحاجة الى فرصة. وافتقر العديد منهم إلى الخبرة السابقة في قطاع الأغذية لذلك علّمهم بنفسه. ويقول إنّ الفساد وعدم استثمار الحكومة في شعبها عاملان أعاقا تقدّم هندوراس.

ثمّ يضيف "اخترتُ أن أعود. فالفرصُ وفيرةٌ من أجل محاولةِ تحسينِ حياة الناس".

وفي مطعم فورنو، يستخدم مينور باترييز لوحاً خشبياً عريضاً لإدخال البيتزا إلى الفرن ثم إخراجها منه حين تصبح هشّة وناضجة. وحاول باترييز منذ سنتين دخول الولايات المتحدة مع أحد أصدقائه ولكن سرعان ما قُبض عليه ورُحِّل. وعندما بدأت قوافل المهاجرين تتشكّل العام الماضي، لم يشعر بالرغبة في الانضمام إليها.

ويقول مبتسماً "إنّ الخطر كبير. لكن الناس عاطلون من العمل ولا يملك الجميع فرصة مثلي".

أسهم في التقرير باولو سيراتو من سان بيدرو سولا

© The Independent