Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذكاء الاصطناعي وثورته الاقتصادية المقبلة

هل ينهي أزمة التباطؤ في الإنتاجية على المستوى العالمي؟

مؤشرات اقتصادية متضاربة ترافق الذكاء الاصطناعي التوليدي (إدواردو مورسيانو/ فورين أفيرز)

ملخص

يعتبر الذكاء الاصطناعي التوليدي طفرة نوعية في مسار التكنولوجيا، ويمتلك خصائص متفردة تعليه على نظيره التقليدي. وقد يستطيع حل أزمة تباطؤ الإنتاجية في الاقتصاد العالمي شرط استخدامه بطرق تضعه في مسارات مناسبة.

في يونيو (2023)، ظهرت دراسة عن الإمكانات الاقتصادية الكامنة للذكاء الاصطناعي التوليدي Generative Artificial Intelligence تضمنت توقعاً بأن تلك التكنولوجيا قد تستطيع رفد الاقتصاد العالمي بما يربو على 4 تريليونات دولار سنوياً، تضاف إلى 11 تريليون دولار تأتي من الذكاء الاصطناعي غير التوليدي وأنواع أخرى من الأتمتة. من الواضح أنها أرقام ضخمة. وفي مقارنة مفيدة، يذكر أن حجم الاقتصاد الألماني الذي يحتل المرتبة الرابعة عالمياً، يصل إلى 4 تريليونات دولار. ووفق تلك الدراسة نفسها التي نهض بها "معهد ماكينزي العالمي"، سيتأتى معظم التأثير الاقتصادي المذهل للذكاء الاصطناعي التوليدي من أرباح في الإنتاجية.

وفي الأقل ضمن مستقبل قريب، ستفوق تلك التوقعات المتوثبة ما يتحقق منها بصورة فعلية. وثمة عوائق ستنصب أمام تبلور اقتصاد عالمي يقوده الذكاء الاصطناعي، تشمل المصاعب التقنية وتلك المتصلة بالعمليات والمسائل التنظيمية. في المقابل، إن الإشارة إلى إمكانية عدم التحقق القريب لذلك الانتقال الاقتصادي [أي إمساك الذكاء الاصطناعي التوليدي بدفة الاقتصاد العالمي]، لا تعني أن التأثير الفعلي لتلك التكنولوجيا سيكون صغيراً.

ومع بداية العقد المقبل، يغدو التحول صوب الذكاء الاصطناعي قوة دافعة قيادية في الازدهار العالمي. وستتأتى الأرباح المتوخاة للاقتصاد العالمي من التطورات السريعة في تقدم الذكاء الاصطناعي الذي بات الآن أشد توسعاً مع دخوله مرحلة الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يستطيع ابتكار محتوى جديد، مع ما يرافق ذلك من إمكانات في تطبيقه على معظم مناحي النشاطات الإنسانية والاقتصادية. وإذا غدا مستطاعاً السيطرة على تلك الابتكارات، فقد يقدر الذكاء الاصطناعي على قلب مسار الانحسارات المستمرة منذ أمد بعيد في نمو الإنتاجية، التي يعانيها حاضراً عدد من الاقتصادات المتقدمة.

لن تحدث تلك الثورة الاقتصادية بالاعتماد على قواها الذاتية [الذكاء الاصطناعي بصوره المختلفة]، إذ يتركز معظم الجدل الدائر حاضراً حول الأخطار التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والحاجة إلى قوانين وتشريعات دولية بغية توقي ذلك الخطر الكوارثي. وفي المقابل، يجب إيلاء قدر مواز من الأهمية إلى ابتكار سياسات إيجابية من شأنها تعزيز الاستعمالات التي تعطي الإنتاجية الأعلى. وكذلك يفترض أن تعمل تلك السياسات على نشر التقنيات التي ترفع مستوى القدرات الإنسانية بأكثر من تلك التي تحل بديلاً منها، وتشجيع التبني الفعلي للذكاء الاصطناعي على أوسع نطاق ممكن سواء داخل القطاعات الاقتصادية المختلفة أو في التفاعلات بينها، خصوصاً في الحقول التي تنحو لأن تعطي الإنتاجية الأدنى، وضمان أن تنخرط الشركات والقطاعات في تحقيق الآليات والتغيرات التنظيمية والابتكارات الضرورية من أجل الاستفادة القصوى من الإمكانات الكامنة للذكاء الاصطناعي. وسعياً إلى إطلاق القوة الكاملة للاقتصاد المزود بقوة الذكاء الاصطناعي، يجب إنجاز إطار لسياسة جديدة وتبني وضعية فكرية جديدة حيال الذكاء الاصطناعي. وكخلاصة، يجب احتضان تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات تستطيع تعزيز عبقرية الإنسان وقدراته، وليس تدميرها.

التباطؤ العظيم

تلاقى التقدم المتسارع في الذكاء الاصطناعي مع لحظة محورية في الاقتصاد العالمي. فعلى مدى ثلاثة عقود، استطاع النمو المكثف في القدرات الإنتاجية للصين وغيرها من الاقتصادات الصاعدة، أن يبقي التضخم تحت السيطرة، مما أتاح للبنوك المركزية خفض معدلات الفائدة إلى الصفر مع ضخ كميات هائلة من السيولة في الأنظمة المالية التي تديرها تلك البنوك. لقد انتهت تلك السنوات. وفي عدد من البلدان المتقدمة، يتباطأ النمو ويبقى هشاً، ويأتي ذلك جزئياً من المعركة المديدة مع التضخم التي تنخرط بها البنوك المركزية الآن. ولقد تدنى النمو في الإنتاجية منذ قرابة عام 2005، مع تهاو بارز في العقد الذي تضمن جائحة "كوفيد-19". وفي الولايات المتحدة، اعتاد النمو في إنتاجية العمل تسجيل معدل 1.73 في المئة سنوياً خلال العقد الذي سبق الأزمة الاقتصادية [التي تفجرت في عام 2008]، لكنه هوى بمقدار يفوق الثلثين ووصل إلى 0.53 في المئة خلال العقد الذي سبق الجائحة. وحدث تراجع أكبر في النشاطات الكبرى لقطاع الخدمات الذي يشمل كل مجالات الاقتصاد خارج إطار التصنيع والتجارة، مع الإشارة إلى أن الخدمات تمثل حاضراً 80 في المئة من الوظائف في أميركا. وقد تدنى قطاع الخدمات الذي لم ينمُ قبل الجائحة إلا بـ0.16 في المئة، إلى قرابة الصفر.

 

 

ثمة عوامل أخرى أسهمت في صنع عوائق أمام الإمدادات التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. وفي بلدان تمثل 75 في المئة من مخرجات الاقتصاد العالمي، تباطأ النمو بفعل شيخوخة السكان التي قلصت إمداد الاقتصاد بالقوى العاملة، وكذلك حدث ضغط مالي نجم عن ارتفاع معدلات الاعتمادية الاقتصادية التي تعبر عن النسبة بين عدد من هم في سني العمل والإنتاج ومن لا يعملون. وبرزت نواقص محورية في الأيدي العاملة ضمن عدد من قطاعات الوظائف بما في ذلك القطاع الحكومي والرعاية الصحية والعمل التقليدي بالتجزئة وقطاع الضيافة وأعمال التشييد والبناء. وفي بلدان كالصين وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية، تتقلص القوى العاملة بشكل عام. وترافق ذلك مع تبدل في ملامح أسواق العمل في الاقتصادات الكبرى بسبب ظهور تفضيلات لدى الساعين إلى الوظائف الذين باتوا يختارون وظائف أو يتنقلون بينها، بناءً على مؤشرات تشمل الدخل والمرونة والأمن الوظيفي ومستوى الضغط في العمل. في الوقت نفسه أدى التشابك بين الضغوط الجغرافية - السياسية وصدمات التغير المناخي والجائحة، إلى تحفيز مجموعة من الشركات والدول إلى اتباع نهج "خفض الخطورة" عبر تنويع سلاسل إمداداتها لأسباب لا علاقة لها بمنطق السعي إلى خفض الكلف. وقد أذن ذلك بانتهاء حقبة إرساء سلاسل الإمدادات العالمية على أسس الكفاءة والمنفعة المقارنة وحدهما بصورة حصرية.

باختصار، سيستمر الاقتصاد العالمي في التراجع تحت تأثير تباطؤ النمو وتقلص إمدادات الأيدي العاملة وتدني التوظيفات في القطاع الحكومي وارتفاع كلف رؤوس الأموال. وفي المدى المنظور، لن يتغير ذلك التراجع ما لم تظهر قوة جديدة تعزز الإنتاجية. وفي ظل تلك الظروف العاصفة، ستتلاشى إمكانية تنظيم مرحلة الانتقال إلى الاعتماد على الطاقة النظيفة التي تتطلب إنفاق 3 تريليونات دولار إضافية من التوظيفات المالية فيه، سنوياً وطوال عقود مقبلة، وفق توقعات "وكالة الطاقة الدولية".

تشكل تلك الضغوط الدولية الطويلة الأمد سبباً محورياً في إسباغ الأهمية على ثورة الذكاء الاصطناعي. وفي ثناياها، تحمل تلك الثورة إمكانية إحداث ارتفاع في الإنتاجية من شأنه استعادة قوة الدفع في النمو عبر تفكيك العوائق في الإمدادات التي تكبح منذ مدة نمو الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ما يتعلق بتدني أعداد الأيدي العاملة في بلدان عدة. في المقابل، يجب توفر عدد من الخصائص في ثورة الذكاء الاصطناعي، بهدف ضمان إحداث التبدل المطلوب في الاقتصاد العالمي [أي إخراجه من تباطؤ النمو وتدني الإنتاجية]. ويأتي في مقدمة تلك الخصائص أن تقييم ثورة الذكاء الاصطناعي عبر القيمة المضافة التي ستحدثها في النمو بمعنى أن تتوسع المخرجات المحملة بالقيمة المضافة لدى الشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة، مما يسهم فعلياً في ارتفاع إجمالي الناتج المحلي. واستطراداً، يعني ذلك ألا تقاد تلك الثورة بمؤشرات مبسطة على غرار خفض مدخلات اقتصادية من نوع قوة العمل، فيما يبقى النمو في المخرجات ضعيفاً أو ثابتاً عند مستوى متدن.

ثورة رقمية من نوع مختلف

 في مناح عدة، ثمة ما يفاجئ في تسونامي التوظيفات المنطلق حاضراً في الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبالنتيجة، لقد عملت التقنيات الرقمية على تبديل مناحي الاقتصاد عبر طرق متنوعة ووازنة طوال العقود الثلاثة الأخيرة. ومن بين التفسيرات الممكنة لتلك الإثارة يبرز أن ثورة الذكاء الاصطناعي الحاضرة تختلف عن الابتكارات الرقمية السابقة بأنها عملت على توسيع تأثير التقنيات الرقمية إلى أبعد مما يصطلح على تسميته "العمل القابل للتشفير" Codifiable Work الذي يتمثل بمهام يمكن اختزالها إلى مجموعة من الأوامر الرقمية الدقيقة. وقبل الاختراقات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، لم تتمكن الآلات من أداء مهام لا توجد شيفرة حاسوبية مكتوبة عنها على غرار مراقبة موضوع ما كالهرة. [يشير مصطلح العمل القابل للتشفير إلى أعمال يمكن كتابة شيفرة رقمية حاسوبية عنها ثم تعطى للآلات الذكية فتتمكن من النهوض بها بدلاً من الإنسان. وتظهر أمثلة على ذلك في جداول الحسابات التجارية وتنظيم الدوامات والتحكم بالأدوات والآلات المؤتمتة في المنازل والروبوتات في المصانع وغيرها].

وفي المجالات التي لامستها، بدت تلك الثورة الرقمية دراماتيكية. فعلى نحو مفاجئ، استطاعت الآلات أداء أعمال كثيراً ما أنيطت بالبشر وحدهم. وبصورة كلية أو جزئية، طبقت النظم المؤتمتة الذكية على نشاطات تشمل الإدارة والتدقيق، ونشاطات أرشفة الملفات والمحاسبة، ومعظم الأعمال المتعلقة بالتعامل المباشر مع الجمهور في البنوك، وإدارة أنظمة التحكم بمنظومات كاملة في سلاسل الإمدادات. وفي موازاة ذلك، باتت معظم المعلومات تنقل وتخزن بصورة رقمية مما جعلها أرخص وأسهل في الوصول إليها والتعامل معها. وتبدلت وضعيات اقتصاد المستهلك والتفاعلات الاجتماعية تحت تأثر وفرة الخدمات الشبكية الرخيصة والمجانية.

 

 

وفي المقابل، لم تسفر تلك التغيرات كلها على رغم محوريتها، إلا عن تأثير محدود المدى. وفي اللقطات التي استخدمت فيها التقنيات بكثافة، ارتفعت الإنتاجية بمقدار يوازي ما حدث في الثورة الصناعية الأولى حينما توقف البشر عن حفر الخنادق بأنفسهم وتولت الآلات البخارية ذلك العمل بدلاً منهم. وفي حقول معينة، تراجعت الأعمال بالتوازي مع انخفاض مداخيل أعداد كبيرة من أفراد الطبقة الوسطى. وعرفت تلك الظاهرة باسم "الاستقطاب بين العمل والدخل" job and income polarization. في ملمح مغاير، لم تطاول الأتمتة أنواعاً كثيرة من المهام، من ثم تقلصت حدود توسع عمليات الاستبدال الرقمي. ويضاف إلى ذلك أن التقنيات لم تؤثر إلا قليلاً في صناعات المعرفة والابتكار، على غرار الطب والقانون والإعلان والاستشارة. وفي تلك الحقول، تأتي القيمة المضافة من الخبرات المتخصصة والأداء المتصل بمهام ليس لها طابع تكراري وروتيني.

حطمت ثورة الذكاء الاصطناعي القيود التي لجمت التقنيات الرقمية السابقة عليها

والآن، حطمت ثورة الذكاء الاصطناعي تلك القيود. وبفضل التقدم في تعليم الآلات والتعرف إلى الأنماط خلال السنوات الـ15 الماضية، برهنت بحوث الذكاء الاصطناعي أن الآلات الرقمية تستطيع تخطي حدود قدراتها. ومثلاً، ثمة نشاطات بشرية كثيرة لا يسهل صوغ شيفرات حاسوبية عنها لكنها تتضمن أنماطاً يمكن رصدها والتعرف إليها. وينطبق ذلك الوصف على البحث عن الوقائع والآراء وتجميعها، تقصي البنى المنطقية والمفهومية المتضمنة في اللغة، إعادة صوغ المعلومات والعمل على توليفها، والاستناد إلى الخبرة والمهارة والمعرفة الملموسة بغية إعطاء إجابات عن أسئلة مركبة ودقيقة. وكذلك تمكن البحاثة من إحداث قفزات سريعة في عمليات تعليم الآلات بفضل استخدام تقنيات التعلم العميق المستندة إلى شبكات عصبية إلكترونية معقدة ومتعددة الطبقات بحيث إنها تحاكي الطريقة التي تعمل بها أعصاب دماغ الإنسان أثناء تلقي الإشارات وبثها. وإذ أضيف إلى ما سبق توفر بيانات غزيرة وقوة حوسبة متقدمة، استطاعت المقاربة الآنفة الذكر أن تؤثر بعمق في تقليد عدد كبير من عمليات التعرف إلى الأنماط والتوصل إلى توقعات في شأنها، بل إنها وصلت الآن إلى توليد محتوى مبتكر جديد. ونجم عن ذلك تحقيق سلسلة من الاختراقات المدهشة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحتى قبل دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي، توصلت تقنية تعليم الآلات إلى إنجاز عدد من الابتكارات الكبرى. تتضمن القائمة المختصرة عن تلك الابتكارات التوصل إلى التعرف إلى خطوط الكتابة اليدوية، كذلك الحال بالنسبة إلى الأصوات والأشياء. وقد استعمل عدد من تلك الأدوات في الهواتف الذكية ومجموعة من التطبيقات الرقمية المتصلة بالأعمال وجمهور المستخدمين. يظهر مثل على ذلك في برنامج "ترجمة غوغل" Google Translate الذي يستعمله ما يربو على مليار شخص، وصار قادراً على التعامل مع 100 لغة فيما يسعى عدد من البحاثة في الذكاء الاصطناعي إلى رفع ذلك العدد إلى 1000 لغة وأكثر. وفي مثل أخرى، استطاع نظام "ألفا فولد" AlphaFold الذي طوره قسم "ديب مايند" في مختبر الذكاء الاصطناعي التابع لـ"غوغل"، أن يتوقع التراكيب الداخلية لكل الـ200 مليون بروتين المعروفة لدى العلماء. وحاضراً، يعكف بحاثة من أنحاء العالم على استخدام تلك التراكيب في تسريع وتعزيز بحوثها عن الأمراض، إضافة إلى تطوير علاجات جديدة لها.

في ذلك الصدد، لربما تجسد التطور الأشد قوة في صعود "النماذج اللغوية الكبرى" large language models، اختصاراً "أل أل أم أس" LLMs، إذ تعتبر الأسس التي يستند إليها الذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي القلب نماذج الـ"أل أل أم أس"، تبرز أداة اسمها "المحول" Transformer الذي يمثل هندسة في التعلم العميق [ضمن عملية تعليم الآلات] التي وصفت للمرة الأولى في ورقة علمية صاغها بحاثة "غوغل" في عام 2017 وباتت اليوم ذائعة الصيت، إذ يستفيد "المحول" من التنبه الذاتي للآلات الذكية كي يجعلها قادرة على فهم الروابط والعلاقات بين الكلمات المختلفة. وفي خطوة تالية، يعطي "المحول" للنموذج اللغوي القدرة على تعليم نفسه بنفسه، وذلك بالتآزر مع عمل أدوات تسمى المتضمنات التي يناط بها رسم خرائط عن العلاقات بين الكلمات بالاستناد إلى هندسة عصبية إلكترونية متفردة. وبمجرد تدريبه بتلك الطريقة، يغدو النموذج اللغوي قادراً على توليد مخرجات تشبه المحتوى الذي يصنعه الإنسان. ويتحقق ذلك ببساطة عبر توقع الكلمة التالية أو سلسلة من الكلمات، بالاستجابة إلى سؤال تحفيزي.

وعبر تدريب تلك "النماذج اللغوية الكبرى" الجديدة على بلايين الكلمات، بل وصل عددها الآن إلى التريليونات، ثم تكرار ذلك على مدى فترات طويلة، تتملك تلك النماذج قدرة متصاعدة على توليد إجابات تتشابه مع تلك التي يقدمها البشر في ردهم على أسئلة تحفيزية. وفي ذلك المضمار، يتمثل الأمر الأشد أهمية بأن نماذج الـ"أل أل أم أس" باتت تمتلك قدرات لا تقف عند حدود حقل معرفي بعينه. وبخلاف الابتكارات السابقة في مجال الذكاء الاصطناعي التي صممت دوماً كي تؤدي وظائف محددة، تميل الـ"أل أل أم أس" التي يستند إليها الذكاء الاصطناعي التوليدي، لأن تكون عن جدارة، تقنية تحقق الغايات بعمومها [ولا يقتصر مجال عملها على وظيفة معينة أو حقل معرفي محدد].

دراسات سريعة

يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي خصائص عدة توحي بإمكانية إحداثه تأثيراً اقتصادياً ضخماً بشكل غير اعتيادي. تتمظهر إحدى تلك الخصائص بالتنوع [القدرة على التأقلم مع مجموعة واسعة من الاستخدامات في حقول واسعة ومتباينة]. والآن، تحوز "النماذج اللغوية الكبرى" القدرة على الاستجابة لأسئلة تحفيزية تشمل حقولاً معرفية مختلفة تمتد من الشعر إلى العلوم والقانون، وكذلك تستطيع تقصي المعلومات والبيانات من حقول مختلفة مع مرونة التنقل بين تلك الحقول من دون الحاجة إلى توجيهات معلنة. أبعد من ذلك، تقدر "النماذج اللغوية الكبرى" على التعامل مع الكلمات وشيفرة البرمجيات الحاسوبية، والأصوات والصور وأشرطة الفيديو وغيرها من المدخلات، إضافة إلى توليد محتوى يتصل بكل منها. ويشار إلى ذلك بمصطلح "تعدد المقاربات". من ثم إن قدرتها [النماذج] على العمل بشكل مرن مع نظم ومناهج معرفية متنوعة، توحي بأنها قد تغدو منصة واسعة يمكن استخدامها في صنع تطبيقات تشمل معظم الاستخدامات المعروفة. في ذلك الإطار، توخى كثير من صناع الـ"أل أل أم أس" أن يستطيع آخرون صنع برمجياتهم وتطبيقاتهم في مجال الذكاء الاصطناعي بالاستناد إلى "النماذج اللغوية الكبرى". ولتحقيق ذلك الأمر، ابتكر أصحاب الـ"أل أل أم أس" صناع "واجهات التفاعل بين البرمجيات والتطبيقات" كي توضع بتصرف صناع آخرين نماذجهم في الذكاء الاصطناعي. [يجدر توضيح أن نماذج الذكاء الاصطناعي التي تصنع بالاستناد إلى "النماذج اللغوية الكبرى"، تكون أدنى مستوى وأقل مرونة وضئيلة التمرس، إضافة إلى أن كثيراً منها يميل إلى التخصص في مجال واحد على غرار نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المتخصصة في الرسم أو الموسيقى، وقد تكاثرت بعد ظهور نموذج "تشات جي بي تي" ChatGPT وصنعت بالاستناد إلى نموذجه الأساس الكبير].

ومن ثم، لقد انطلق السباق لابتكار تطبيقات متخصصة في مجموعة واسعة من الحقول والأنظمة الاحترافية، وكذلك وضع عدد كبير منها في الخدمة فعلياً.

في مسار متصل، يؤثر عن الـ"أل أل أم أس" سهولة الوصول إليها. ولأنها صممت أصلاً كي تتجاوب مع اللغة العادية ومدخلات أخرى واسعة الانتشار، تمكن جمهور عادي قوامه أفراد غير المتخصصين من استعمال "النماذج اللغوية الكبرى" من دون امتلاك أي مهارات تقنية، إذ لا يقتضي أمر استخدامها سوى شيء من التمرين على تكوين أسئلة تحفيزية يؤدي رد الـ"أل أل أم أس" عليها إلى الحصول على إجابات معرفية فاعلة. في الوقت نفسه حدث توسع في وضع مواد ضخمة على الإنترنت أو أي مخزن رقمي آخر بتصرف تلك النماذج كي تتمرن عليها، فأدى ذلك إلى أن الـ"أل أل أم أس" اكتسبت خبرات في معظم حقول المعرفة. واستكمالاً، أوصل التفاعل بين الملمحين السابقين إلى إعطاء "النماذج اللغوية الكبرى" قدرات كامنة واسعة تفوق كل ما حازته التقنيات الرقمية السابقة عليها، بما في ذلك تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. وفي يونيو (حزيران) 2023، زار 1.6 مليار شخص موقع "تشات جي بي تي"، ويعتبر ذلك مؤشراً مقنعاً على خفض العائق أمام التفاعل مع ذلك النموذج الأساس الكبير، ومدى اتساع الاهتمام بتلك التكنولوجيا.

 

 

من الصعب إعطاء توقعات تفصيلية في شأن الاستعمالات الممكنة مستقبلاً للـ"أل أل أم أس". في المقابل، يرجح أن يستمر التصاعد في قدرات الـ"أل أل أم أس"، إذا أخذ بالحسبان صفاتها غير العادية واستمرار البحاثة في الابتكارات التقنية المتسارعة المتصلة بها، وكذلك تدفق كميات ضخمة من رؤوس الأموال لمصلحة بحوث الذكاء الاصطناعي. وخلال السنوات الخمس المقبلة، سيدخل مطورو الذكاء الاصطناعي آلافاً من التطبيقات المصنوعة بالاستناد إلى الـ"أل أل أم أس" وغيرها من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي كي توضع في خدمة حقول ونشاطات ووظائف فائقة التنوع. وفي الوقت نفسه ستستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في مستقبل قريب، إلى جانب أنظمة أخرى في الذكاء الاصطناعي. وبصورة جزئية، يرمي ذلك إلى التعامل مع القيود الحالية التي تلجم النماذج التقليدية للذكاء الاصطناعي [فتحررها نظيراتها في الذكاء التوليدي من تلك القيود]، وكذلك لتوسيع قدرات تلك النماذج التقليدية. وتشمل الأمثلة على ذلك الضرب من الاستعمال لـ"أل أل أم أس" أقلمتها كي تساعد تطبيقات تعمل في مجال الإنتاجية، على غرار جداول الحسابات والدوامات، ورسائل البريد الإلكتروني، وإدماج "النماذج اللغوية الكبرى" ضمن الأنظمة الروبوتية بغية تحسين عمل تلك الأنظمة وتطويرها وتوسيعها. إذا نفذ تبني تلك الاستخدامات [للذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذجه] بصورة فاعلة في قطاعات الاقتصاد كلها، فستحدث طفرة كبرى ومديدة في الإنتاجية، وكذلك سيغدو من شبه المؤكد أن تسير على ذلك الدرب نفسه مناح كثيرة في الأداء الاقتصادي.

في ذلك الصدد، تعتبر أنظمة المساعدة الرقمية في أمكنة العمل من المجالات الواعدة تماماً في استعمال الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن الاقتصاد العام. [تعتبر أداة أليكسا Alexa من الأمثلة الشائعة عن أنظمة المساعدة الرقمية. وفي المنازل أو أمكنة العمل، تتولى أليكسا بنفسها التحكم بالإضاءة والتكييف والتهوية والتدفئة وكاميرات الحماية الداخلية والتجهيزات الذكية في المطبخ والحمام، وفق ما يطلبه المستخدم منها. وتعمل أليكسا بالذكاء التوليدي، وتتأقلم بسرعة مع الأمكنة والأوضاع المختلفة التي تستخدم فيها بعد تدريب غير مطول يجريه المستخدمون أنفسهم. وعلى هواتف آيفون، تقدم أداة سيري Seri مثلاً مشابهاً].

وفي دراسة أنجزها إريك براينيولفسون ودانييل لي وليندسي رايموند في أبريل (نيسان) 2023 عن تأثير نظام مساعدة رقمي مزود بالذكاء الاصطناعي ومخصص لمساندة ممثلي خدمات المستهلك في قطاع التكنولوجيا. لقد درب ذلك النظام عبر استخدام مجموعات واسعة من التسجيلات الصوتية للتفاعلات بين الوكلاء والمستهلكين، إضافة إلى منظومات عن الأداء تضمنت أسئلة من نوع "هل حلت المشكلة؟" و"كم احتجت من الوقت كي تحل هذه المشكلة؟" و"هل سر المستهلك بالنتيجة؟" وغيرها. بعد ذلك، وضع ذلك المساعد الرقمي المزود بالذكاء الاصطناعي في خدمة بعض الوكلاء، فيما حجب عن آخرين.

بالنتيجة، رصد مؤلفو الدراسة نتيجتين مهمتين. تجلت الأولى في ارتفاع الإنتاجية لدى المجموعة التي استخدمت ذلك المساعد الرقمي الذكي، بنحو 14 في المئة مقارنة بمجموعة الوكلاء الذين حرموا منه. وتمظهرت النتيجة الثانية والأعلى دلالة، بأن الوكلاء غير المتمرسين بمهنتهم [التعامل مع المستهلك] تحققت لديهم زيادة في الإنتاجية مع استخدام ذلك المساعد الرقمي الذكي، تفوق تلك التي سجلت لدى الوكلاء المتمرسين. وبعبارة أخرى، استطاع المساعد الرقمي الذكي سد الفجوة في الأداء بين الوكلاء المتمرسين بمهنتهم وأولئك المستجدين عليها، مما يوحي بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتلك القدرة على تسريع عملية التدريب المهني.

في الإطار نفسه، ظهر تأثير مماثل على سائقي التاكسي في لندن، مع استخدام الأدوات الرقمية الذكية في الخرائط، إذ تشتهر لندن بأنها مدينة متشابكة بطريقة تفوق التصور. وفي الماضي، استغرق السائقون أشهراً بل سنوات، كي يدرسوا الطرق بشكل واف يمكنهم من اجتياز اختبار قيادة التاكسي المعروف بصعوبته الفائقة إلى حد تلقيبه بـ"المعرفة". وتبدل الأمر مع ظهور تطبيقي "خرائط غوغل" و"وايز" Waze. ولم يلغ كلا التطبيقين الفارق بين سائقي التاكسي المتمرسين وأولئك المستجدين على المهنة، لكنهما قلصا الفارق بين الفئتين على نحو مؤكد. ويبدو أن هذا التأثير المتمثل بتقليص الفوارق في أداء الموظفين، قد يضحى التأثير العام المتأتي من التطور في أدوات المساعد الرقمي المزود بذكاء اصطناعي قوي، واستخدامها في مجالات اقتصادية متنوعة.

وبالاستناد إلى قيمتها البينة، ستتولى أدوات المساعد الرقمي الذكي مجموعة واسعة ومتنوعة من المهام. ومثلاً، ستنتج المسودات الأولى في الإعلام وبرمجيات التسويق، وكذلك الحال بالنسبة إلى كثير من الشيفرات الأساسية التي تحتاج إليها مجموعات من برمجيات الكمبيوتر. وسيترتب على ذلك تسريع دراماتيكي في عمل المطورين الأكثر خبرة ومهارة في صناعة البرمجيات الحاسوبية. وفي مهن كثيرة، ستعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على استيعاب وهضم كميات وافرة من الوثائق والكتب بسرعة تفوق مستويات البشر، مما سيؤدي إلى تسريع إيقاع البحوث والابتكار، وكذلك الحال بالنسبة إلى انتشارهما أيضاً.

ثمة مساحة أخرى قد تتأثر بقوة من دخول "النماذج اللغوية الكبرى" على أعمالها، هي أنظمة المعلومات الحيوية [المتصلة بالحياة البشرية] التي يعمل فيها الذكاء الاصطناعي بالتآزر مع مجسات بصرية أو صوتية بغية مراقبة أداء الإنسان وتعزيز قدراته. ويصلح قطاع الرعاية الصحية مثلاً عن ذلك. وفي دراسة نشرتها مجلة "نايتشر" العلمية خلال عام 2020، تبين أن أنظمة المعلومات الحيوية تعمل بالاستناد إلى مجموعة من الإشارات والمدخلات، على شاكلة تسجيلات للمناقشات بين الأطباء والمتدربين أثناء جولاتهم التفقدية في أقسام المستشفيات، إضافة إلى معلومات مجدولة ومحدثة عن المرضى فيها، ثم تحلل تلك الإشارات والمدخلات بهدف التعرف إلى الإجراءات الناقصة في الرعاية الصحية أو الأسئلة التي أهملت سهواً من قبل مقدمي الرعاية الصحية. وفي خطوة تالية، يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديم ملخصات عما توصلت إليه تحليلاته، كي يستفيد منها أفراد الطواقم الطبية. ووفق بعض التقديرات، يصرف الأطباء حاضراً قرابة ثلث أوقاتهم في كتابة التقارير واتخاذ القرارات، فيما قد تساعدهم أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقليص ذلك الوقت بمقدار 80 في المئة.

وفي مستقبل قريب، قد تتمكن أنظمة الذكاء الحيوي وأدوات المساعد الرقمي من تحسين الكفاءة والشفافية في إدارة سلاسل الإمدادات، إضافة إلى تقديمها يد العون في إنجاز مهام بشرية معقدة. ووفق تقرير صدر من "معهد ماكينزي العالمي" في يونيو (حزيران) 2023، يستبطن الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على أتمتة ما يتراوح بين 60 و70 في المئة وقت العمل. وسيؤدي ذلك إلى إحداث طفرة في الإنتاجية، إضافة إلى تحرير مزيد من قوى العمل البشري كي تنصرف إلى إنجاز مهام أكثر تقدماً، وكذلك إتاحة المجال أمام تسريع الابتكارات.

توجيه خلاق

على رغم وعود الذكاء الاصطناعي، فإن معظم النقاش العام عنه تمحور حول ملامحه الإشكالية وقدراته الكامنة على إحداث الضرر. وكبداية، ليست "النماذج اللغوية الكبرى" موثوقة مئة في المئة. وقد تعبر مخرجاتها أحياناً عن الانحيازات التي تضمنتها المعطيات التي دربت عليها، وربما تعطي مواد مغلوطة أو تتضمن ما يسمى "هلوسة الآلات" التي تظهر على هيئة تأكيدات قد تبدو مقبولة لكنها لا تعبر عن العالم المادي الفعلي. ويبذل البحاثة قصارى جهدهم في التعامل مع تلك القضايا، بما في ذلك استعمال التغذية الإنسانية الراجعة [أي الردود والتقييمات الآتية من البشر]، إضافة إلى وسائل أخرى، بغية توجيه المخرجات. وفي المقابل، ثمة مزيد من الجهد ما زال مطلوباً في ذلك الصدد.

 

 

ثمة مصدر آخر للقلق يتعلق بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق أتمتة عمومية تشمل مجموعة واسعة من القطاعات الاقتصادية، مما يهدد بإطلاق موجة من الخسائر في الوظائف على مستوى واسع. إن تلك الهواجس حقيقية لكنها تتجاهل العوائق التي تحول دون الأتمتة الشاملة في كثير من أمكنة العمل، إضافة إلى اكتساب وظائف بصورة تعوض ما يفقد منها. يأتي بعض من تلك الوظائف المكتسبة من تنامي الطلب على المهن الموجودة حاضراً، فيما يفد بعضها الآخر من تزايد المهن الجديدة بأثر من الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومثلاً، تشير البحوث إلى أنه خلال العقدين المقبلين ستتضاءل بعض المهن، بنسبة قد تصل إلى 10 في المئة وفق بعض التقديرات، خصوصاً تلك التي تتكون من مهام معظمها قابل للأتمتة. في المقابل، ستتنامى مهن أخرى، بعضها موجود بالفعل وأخرى ستستجد مستقبلاً. ولعل التأثير الأكبر الذي سيحدثه الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد عموماً، وقد يشمل ثلثي المهن، سيظهر في تغيير طرق إنجاز الأعمال بسبب تعزيز شريحة من المهام فيها قد تصل إلى الثلث، بواسطة الذكاء الاصطناعي. وبقول آخر، لن تختفي تلك المهن لكن العمل فيها سيتطلب مهارات جديدة حينما سينهض الناس بأعمالهم بالتعاون مع آلات مقتدرة.

في السياق نفسه، لاحظ محللون كثر خطورة إعطاء أنظمة الذكاء الاصطناعي سيطرة واسعة. ووفق ما ظهر في أمثلة متنوعة، تصيب الهلوسة والأخطاء منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي أحياناً، بمعنى أنها قد تختلق أشياء غير موجودة. ومثلاً، طلب من أحد "النماذج اللغوية الكبرى" كتابة مقال عن التضخم، فسارع إلى إعطاء المقال المطلوب لكنه ضمنه قائمة عن قراءات إضافية شملت خمسة مقالات وكتباً لا وجود لها على الإطلاق. وبشكل واضح، تشكل الإجابات المختلقة مصدراً لهواجس رئيسة في التطبيقات التي تتطلب دقة في الوقائع. وحتى حينما لا تعاني الهلوسات، قد تعطي الـ"أل أل أم أس" توقعات سيئة ومحملة بانحيازات خطرة ولا تنجو من السخف أو التخبط. من ثم إن التبني غير المتحوط أو المغرق في التباهي للذكاء الاصطناعي التوليدي، قد يقود إلى تأبيد وجود المعلومات المغلوطة أو حتى الممارسة المهنية السيئة.

ستغدو أنظمة المساعد الرقمي المعزز بالذكاء الاصطناعي منتشرة في عدد من أمكنة العمل قريباً

في ملمح متصل، إن توفر الوصول إلى بيانات أفضل لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، سيؤدي إلى تخفيض أخطار المخرجات المغلوطة، لكن تلك المشكلة الأخيرة تعتمد أيضاً على طريقة عمل "النماذج اللغوية الكبرى".

وحتى لو دربت الـ"أل أل أم أس" على بيانات صحيحة كلياً، قد تنتج تلك النماذج إجابات متباينة وحتى متناقضة في الرد على السؤال التحفيزي نفسه. ويعود ذلك ببساطة إلى أن توقعات الآلات تأتي من عوالم الاحتمالات. من ثم إن مكمن الخطأ في ذلك الأمر كله يتمثل في التفكير في أن قواعد بيانات الـ"أل أل أم أس" تشكل مخازن من المعلومات. وبصورة فعلية، تدرب تلك النماذج عبر آليات احتمالية تستعملها [النماذج] في التعلم وتوليد المخرجات من المواد التي دربت عليها، إضافة إلى إعطائها القدرة على الربط بين أفكار ومفاهيم لم يكن من روابط بينهما بصورة فعلية من قبل [أي قبل أن تعمد النماذج إلى إقامة تلك الروابط بناءً على آليات احتمالية]. من ثم لا يمكن تحديد مخرجات الـ"أل أل أم أس" بصورة كلية [بمعنى معرفة أين ومدى وكيفية حدوث الأخطاء فيها]، حتى لو دربت على معلومات صحيحة بالكامل. وبالنسبة إلى عدد من الشركات والقطاعات الاقتصادية، تملي الحكمة عدم التخلي كلياً عن البشر، في الأقل ليس ضمن المدى المنظور.

ثمة ما هو أبعد من ذلك. ففي بعض الحقول الاقتصادية، لا تحوز الحقائق والدقة الأهمية نفسها التي ينالها الابتكار والأفكار الجديدة. لقد شرع بعض مصممي الموضة في الطلب من الذكاء الاصطناعي أن يستولد أشكالاً أولية لملابس جديدة. وتقدر الـ"أل أل أم أس" على توليد موسيقى وكتابة قصائد وصنع محتوى فني وصياغة مسودات عن روايات. وكأداة مفيدة، قد يغدو الذكاء الاصطناعي التوليدي مصدراً للإلهام. ويتملك البعض هواجس في شأن حلوله بديلاً من الفنانين. ومن المبكر تماماً معرفة التأثير الذي سيخلفه المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي التوليدي في فنون الابتكار والأداء. ووفق أفضل تقديراتنا، سيساعد ذلك الذكاء ويعطي استلهامات في مجال صنع أعمال فنية كاملة، بأكثر من أن يصير المنتج لتلك الأعمال.

إذاً، مع الأخذ في الاعتبار القدرات المتميزة التي يمتلكها الذكاء الاصطناعي التوليدي، والمدى الذي تطاوله تلك القدرات، يبرز السؤال عن توقيت حدوث التأثير الاقتصادي الرئيس لذلك الذكاء. حينما طرح سؤال من ذلك النوع على سوندار بيشاي، المدير التنفيذي لمؤسسة "ألفا"، وهي الشركة الأم لمحرك البحث "غوغل"، أجاب بأن ذلك سيحدث في "اقتصاد المعرفة".

يبدو ذلك صحيحاً تماماً. قد يستبدل ذلك بمصطلح "اقتصاد المعلومات" لكن المنافع الكامنة للتطبيقات المستندة إلى "النماذج اللغوية الكبرى" تبدو واسعة بشكل هائل، إذ تشمل حقول البحث العلمي وتطوير برمجيات حاسوبية إضافة إلى مجموعة من الأعمال المتعلقة بقطاع الخدمات.

معنا وليس ضدنا

على رغم وعوده الضخمة، لا يرجح أن يطلق الذكاء الاصطناعي قفزة شاملة في الإنتاجية تشمل الاقتصاد كله، ولا أن يدعم النمو المستدام والشامل، إلا إذا استعمل بطريقة تضمن رفع مستوى قوى العمل في السوق، إذ يتطلب تحقيق المنافع القصوى الكامنة في الذكاء الاصطناعي، اعتماد مقاربة فاعلة ذات شقين. ويتجسد الشق الأول في توقع طرق إساءة استخدامه أو تأثيراته المضرة، مع الوقاية منها إلى أقصى حد ممكن. ويتجسد الشق الثاني بتعميم استعمالات الذكاء الاصطناعي التي تفيد الناس وتساعدهم إلى أقصى حد ممكن، إضافة إلى تعزيز الاقتصاد ومساعدة المجتمعات في التعامل مع الفرص والتحديات الملحة، عبر تسهيل الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، وضمان انتشاره الواسع، وتشجيع تطبيقاته الأكثر تعزيزاً للإنتاجية.

حتى اللحظة، حازت الوقاية من الأضرار والتخريب حصة الأسد من الاهتمام العام. في مايو (أيار) 2023، وقع ما يزيد على 350 من قادة صناعة الذكاء الاصطناعي رسالة مفتوحة تحذر من أن "تخفيف خطر الانقراض" بفعل الذكاء الاصطناعي يجب أن يغدو ضرورة دولية تقف على قدم المساواة مع الوقاية من الجائحات والحرب النووية. وكذلك وقع كثر من بينهم أحد مؤلفي هذا المقال (مانييكا) رسالة تلقي الضوء على المبدأ الاحترازي الذي يجب تطبيقه دوماً في شأن التقنيات القوية. وكذلك حذر آخرون من إساءة استعمال الذكاء الاصطناعي التوليدي من قبل أطراف فاعلة سيئة لديها دوافع متنوعة، وكذلك الحال بالنسبة إلى التطبيقات العسكرية المنفلتة للذكاء الاصطناعي في ظل غياب تشريعات دولية في شأنه. إن تلك القضايا مهمة ويجب التعامل معها. في المقابل، من الخطأ الافتراض ببساطة أن تقييد إساءة الاستخدام والجوانب المضرة للذكاء الاصطناعي سيضمن أن حصصه الاقتصادية ستقدم بطريقة واسعة وشاملة للجميع. من ثم من شأن التشريعات والسياسات الفاعلة إلى إطلاق عنان تلك الفوائد، أن تؤدي دوراً محورياً في الحسم في شأن تحقيق الذكاء الاصطناعي لكامل قدراته الاقتصادية الكامنة.

 

 

وأولاً، ثمة حاجة إلى صوغ تلك السياسات بغية ضمان أن يعمل الذكاء الاصطناعي على التكامل مع العمل الإنساني، وليس أن يحل بديلاً منه. وفي ظل الممارسة الجارية حاضراً، غالباً ما تطور أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها نقيضاً للأداء الإنساني، بل إنها تقاس به، مما يقود إلى صناعة منحازة نحو الأتمتة. وكثيراً ما جرت الإشارة إلى ذلك التحيز بمصطلح "فخ تورينغ" Turing trap الذي صاغه براينيولفسون للإشارة إلى مقولة عالم الرياضيات آلان تورينغ عن أن الاختبار الأشد أهمية لذكاء الآلات يتمثل في مدى قدرتها على التساوي مع الأداء الإنساني أو تجاوزه. وتوخياً للالتفاف على ذلك الفخ، يجب على التمويل العام والخاص لبحوث الذكاء الاصطناعي تجنب التركيز الضيق النظر بوضوح على صنع ذكاء اصطناعي مماثل للبشري. ومثلاً، في أعداد متزايدة من المهام المحددة، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التفوق على الأداء الإنساني بهوامش كبيرة، لكنها تحتاج أيضاً إلى بشر متعاونين معها بطريقة تجعل قدراتهم الخاصة قابلة للتعزيز والتوسع باستعمال الآلات. ويجب زيادة البحوث عن التقنيات التعزيزية واستعمالاتها، وكذلك الحال بالنسبة إلى إعادة تنظيم دورة العمل في وظائف عدة، مما يسهم في دعم الابتكارات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية البشرية.

وثمة أولوية حاسمة أخرى تتمثل في ضرورة تشجيع الانتشار الأوسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي عبر قطاعات الاقتصاد كلها. في زمن مبكر من الثورة الرقمية، وثق قسم كبير من البحوث أن تبني التقنية حدث بصورة متفاوتة في الشركات والقطاعات الاقتصادية. وتباطأ عدد كبير من القطاعات التي تضم وظائف ضخمة، مما أدى إلى تراجع الإنتاجية. وقد يتكرر ذلك النمط بسهولة. وبالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، يجب إيلاء اهتمام خاص إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم لأنها قد لا تمتلك موارد كافية لإجراء اختبارات والتوصل إلى صوغ خلاصاتها [في شأن ذلك الذكاء]. ومن المحتمل إحداث تخفيضات في الكلف المرتفعة حاضراً لتطوير الذكاء الاصطناعي وبحوثه، وكذلك الحال بالنسبة إلى المنافسة بين المطورين الرئيسين في ذلك الحقل. وستؤدي تلك التخفيضات إلى تطبيقات معقولة الكلفة في الذكاء الاصطناعي تكون قابلة للتنفيذ على نطاق واسع بفضل خفض الكلف وتحفيز النشاط الاستثماري. في المقابل، يجدر بصناع السياسة توخي الحكمة في إرساء قوانين تضمن أن تؤول تلك المناسبة إلى توسيع انتشار التكنولوجيا واستخداماتها.

ثمة قضية متصلة بما تقدم تتمثل في كيفية تسريع استعمال الذكاء الاصطناعي من قبل صناعات تحصل على الحصة الكبرى من المنافع المتأتية منها [يعني ذلك طرح سؤال عن موقف الشركات الصانعة للذكاء الاصطناعي من انتشاره مع ظهور منافسين متكاثرين لها]. وفي حالات عدة، سيكون من المفهوم أن يركز بعض أصحاب المصلحة بمن فيهم الموظفون، على الأخطار [المترتبة على ذلك الانتشار]، ويقاوموا تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي. وسعياً إلى مقاومة هذا الميل، سيحتاج صناع السياسة والشركات إلى استشارة الأطراف المعنية كلها، مع ضمان أخذ مصالحها في الاعتبار. وعلى مستوى الاقتصاد الكبير، يجب التعامل مع التأثير الناجم عن الاستقطاب بين التوظيف والرواتب في ظل تبني الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك اختفاء بعض الوظائف مقابل نمو أخرى. وستظهر الحاجة إلى شراكات بين الحكومة والصناعة والمؤسسات التعليمية بغية مساعدة الناس على التأقلم مع متطلبات المهارات المختلفة التي ستغدو ضرورية في بيئة العمل المعزز بالذكاء الاصطناعي. وقد يغدو دعم المداخيل خلال فترة الانتقال إلى الاقتصاد المعزز بالذكاء الاصطناعي، مسألة مهمة أخرى، خصوصاً في مهن على غرار مراكز الاستجابة للاتصالات والعمليات المتصلة بجمهور المستخدمين التي قد يلقي الذكاء الاصطناعي بضغوط سلبية على الأجور فيها، بل قد يحدث خسائر في المجموع الصافي للوظائف فيها.

 

 

وعلى رغم مخاوف من حدوث العكس، لا تلوح في الأفق إمكانية راجحة لحدوث بطالة واسعة بأثر من الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع ملاحظة النواقص في الأيدي العاملة ضمن عدد من القطاعات. وتستند المخاوف المتعلقة بذلك الشأن على افتراض خاطئ مفاده ثبات الطلب، أو عدم مرونته، من ثم عدم تأثره بالتغيرات في الكلف والأسعار. في عالم من ذلك النوع، تؤدي الأرباح في الإنتاجية إلى حدوث خفوض في الوظائف. في الواقع الفعلي، على رغم ترجيح حصول تغيرات كثيرة في خصائص الوظائف، من ثم إزاحة بعض الوظائف، فإن المستويات الإجمالية للتوظيف لن تتغير كثيراً، إذا استمر الاقتصاد في النمو. وكذلك تقترح البحوث أنه في ظل معظم السيناريوهات، ستضاف وظائف بأعداد تفوق خسارتها خلال العقد المقبل أو أكثر.

في الإطار نفسه، يجدر التعامل مع تحد أكبر يتمثل في التأثير المتفاوت للتقنيات الجديدة، سواء بين البلدان المختلفة أو ضمن البلد الواحد. وضمن البلد نفسه، سيميل النمو في الإنتاجية إلى التمركز في الوظائف المكتبية المعتمدة على العمل الذهني والفكري، فيما سيتدنى ذلك التمركز في الوظائف اليدوية والحرفية، وذلك بسبب خصوصية تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على اقتصاد المعرفة. في المقابل، سيقتضي السعي إلى نمو متماثل في الإنتاجية بين نوعي الوظائف، حدوث قفزات كبرى إضافية في الروبوتات. وعلى رغم التقدم الجيد في ذلك المضمار، تستمر التحديات التقنية على حالها مما يؤدي إلى تباطؤ النمو في الأتمتة وتدني تعزيز التصنيع والأعمال اللوجيستية والمركبات الذاتية القيادة. وقد يترتب على ذلك التفاوت في نمو الإنتاجية بين اقتصاد المعرفة وقطاع الخدمات الواسع والقطاعات الصناعية، مزيداً من الاختلال في توازن توزيع الأرباح المتأتية من الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي التوليدي سيتسبب في تغيير عدد كبير من الوظائف وليس اختفاءها

واستطراداً، ستحتاج البلدان إلى مواجهة التفاوت في تبني التقنيات الرقمية المتقدمة، سواء بين الشركات العاملة في القطاع الاقتصادي نفسه أو بين القطاعات المختلفة. ومثلاً، بين تلك القطاعات، فإن الشركات التي توصف بأنها في المقدمة، وغالباً ما تكون الأكثر تحوطاً، قد فاقت الشركات الأخرى في استعمال التقنيات الرقمية. وعلى نحو مماثل، أظهر قطاعا التقنية المتقدمة والخدمات المالية، سرعة في تبني التقنيات الجديدة تفوق نظيرتها في قطاع الرعاية الصحية، مما أوجد تفاوتاً قد يصبح عائقاً أمام الحصول على مغانم في الإنتاجية ضمن الاقتصاد الواسع.

على المستوى الدولي، تولت الولايات المتحدة الأميركية، وتليها الصين في المرتبة الثانية، قيادة الابتكارات والاختراقات العلمية الحديثة في الذكاء الاصطناعي. ويستضيف كلا البلدين شركات من صناع منصات الذكاء الاصطناعي ممن لديها قوى حوسبة تمكنها من تدريب الأنظمة المتقدمة في "النماذج اللغوية الكبرى".

وعلى خلاف الصوتين كليهما، يتخلف الاتحاد الأوروبي عن الولايات المتحدة والصين في الذكاء الاصطناعي، وحوسبة السحاب وغيرها من الحقول ذات الصلة بالتكنولوجيا. من ثم يبرز سؤال عن مدى سرعة التقدم في مضمار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، عبر الاقتصاد العالمي. وفي ظل النموذج المفتوح الذي سيطر طوال عقود بعد الحرب العالمية الثانية، تمكنت التكنولوجيا من الانتشار بسرعة كبيرة عبر حدود الدول المختلفة، لكن العالم لم يعد كذلك. وثمة تزايد في القيود المعقدة المفروضة على تدفق التكنولوجيا ورؤوس الأموال، سواء بسبب الحرب في أوكرانيا أو العقوبات أو تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة. من ثم أدت تلك الأمور إلى صنع عوائق جديدة أمام الانتشار العالمي.

وبسبب طبيعتها الرقمية، ستنتشر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وفي الواقع الفعلي، سيغدو من الصعب تماماً وقفها عن ذلك الانتشار. وفي المقابل، يتطلب ضمان مواصلة ذلك الانتشار بطريقة صحيحة، ظهور أنواع جديدة من الحوكمة الاقتصادية العالمية. من ثم فحتى مع تلكئه في بحوث الذكاء الاصطناعي، سيتبنى الاتحاد الأوروبي تلك التكنولوجيا وسيستخدمها. وكذلك سيستفيد عدد من الاقتصادات الصاعدة من تلك التكنولوجيا، لكن الوصول إليها بين تلك الاقتصادات سيكون بطيئاً ومتفاوتاً. وسيتحدد مدى تأثير الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي بمقدار تطويره واستخدامه بطريقة متوازية في أصقاع العالم.

التحدي الحقيقي

يملك الذكاء الاصطناعي ونسخته الجديدة المتمثلة في النوع التوليدي منه، إمكانية إحداث قفزة ضخمة وحاسمة في الإنتاجية والنمو، في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد العالمي إلى ذلك الأمر بصورة ملحة. وتضم قائمة التحديات المتعددة الحالية، القيود على سلاسل الإمدادات، وزيادة الضغوط على نمو البلدان المثقلة بديون فائضة، والمتغيرات الديموغرافية، واستمرار التضخم. وتهدد تلك الأمور كلها بأن تقلص قدرة البلدان المختلفة في الازدهار المستدام.

وبفضل المدى الواسع لعمله وسهولة استخدامه، يستطيع الذكاء الاصطناعي فعل الشيء الكثير في مواجهة القوى التي تعوق الازدهار العالمي. أبعد من ذلك، أطلقت ثورة الذكاء الاصطناعي حقبة مكثفة من التجربة والابتكار قد تضيف كثيراً من القيمة إلى الاقتصاد.

وتوخياً للتحقيق الكامل الفعلي لتلك الإمكانية، يجب إيلاء أهمية موازية للسياسة. وسيحتاج البحاثة والحكومات والشركات إلى إعطاء الأولوية لتعزيز المهارات البشرية بأكثر من السعي إلى استبدالها [بأدوات الذكاء الاصطناعي]. وكذلك سيحتاجون إلى تعزيز استعمال التكنولوجيا عبر القطاعات الاقتصادية كافة، إضافة إلى بناء اقتصاد تتجاوب فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي بحساسية، مع حاجات العمال أنفسهم، مع السعي إلى تخفيف الصدمات في صفوفهم، وكذلك الحال بالنسبة إلى التعامل مع المخاوف الواسعة الانتشار من الأتمتة المنفلتة. وفي حال عدم حصول ذلك، فلسوف تظهر مقاومة كبرى لا ضرورة لها.

وكخلاصة، لقد وصل تطور الذكاء الاصطناعي إلى منعطف حاسم. وينصب التركيز بحدة الآن على القدرة الحاسمة التي تحوزها تلك التقنية في جلب مكاسب ضخمة إنسانية واقتصادية، وكذلك قدرتها على التسبب بأضرار جسيمة فعلية وحقيقية. وفي المقابل، إن تسخير قوة الذكاء الاصطناعي إلى الأبد، سيتطلب أكثر من الاكتفاء ببساطة بالتركيز على التهديدات الوجودية والإمكانات التدميرية الكامنة فيها، إذ سيتطلب الأمر رؤية إيجابية في شأن ما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحقيقه، والإجراءات الفاعلة التي تتكفل بجعل تلك الرؤية حقيقة فعلية. ويجدر تذكر أن الأخطار الأكثر ترجيحاً التي يرمي الذكاء الاصطناعي بها عالمنا اليوم، ليست في قدرته على إحداث نوع من الكارثة في الحضارة أو صدمة سلبية هائلة في التوظيف. بالأحرى، يتعلق الخطر الفعلي بأنه إذا غابت القيادة الفاعلة، فقد يجري تطوير وتنفيذ الابتكارات في الذكاء الاصطناعي بطرق تؤدي إلى تضخيم التفاوتات الاقتصادية الموجودة حاضراً بالفعل، من ثم فلسوف تنأى عن إرساء اقتصادي عالمي معزز [بقوة الذكاء الاصطناعي]، على مدى أجيال مقبلة.

 

* جايمس مانييكا، نائب رئيس متقدم ورئيس البحوث والتكنولوجيا والمجتمع في شركة "غوغل ألفابيت"، وأستاذ متميز في "معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان" في جامعة ستانفورد، ورئيس كرسي أكاديمي في "معهد ماكينزي العالمي".

** ميشيل سبنس، حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001، وزميل متقدم في "معهد هانوفر"، جامعة ستانفورد.

فورين أفيرز

نوفمبر (تشرين الثاني)/ ديسمبر 2023

المزيد من آراء