كيف تستطيع قوانين "العلم الأحمر" كبح حوادث إطلاق النار الجماعية في أميركا

منذ وقوع حادث باركلاند بولاية فلوريدا، أصدرت أكثر من عشر ولايات قوانين "الحماية القصوى"، وباتت تعتبر وسيلة لمنع وقوع مزيد من المآسي

بفضل تنفيذ قوانين "الحماية  القصوى من المخاطر"، أُجهِضَتْ مساعي الأميركي داكوتا ريد لتنفيذ مخططه لقتل 30 يهودياً. (أ.ب.)

في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، جذب داكوتا ريد (20 عاماً) انتباه أجهزة إنفاذ القانون الأميركي بعد أن نشر تهديدات مقلقة على الإنترنت، مدعياً أن لديه خطة لمذبحة جماعية.

بعد أسبوعين من إطلاق النار على كنيس يهودي في "بيتسبيرغ" أسفر عن مقتل 11 شخصاً، بدا ريد كأنه يَعِد بمواصلة التقاليد القاتمة للعنف الأميركي، عندما نشر تدوينة على أحد الحسابات السبعة التي كان يحتفظ بها على ما يبدو في "فيسبوك" ويستخدمها لنشر رسائل الكراهية. "سأطلق النار على 30 يهودياً"، وفق كلمات تلك التدوينة.

لكن لم تتسن الفرصة مطلقاً لـريد كي يحقُق تلك التهديدات بنفس طريقة الشخص الذي أطلق النار في بيتسبيرغ، أو غيره ممن نفذوا أعمال عنف جماعي في السنوات الأخيرة.

بدلاً من ذلك، عندما أُخطرت الشرطة من قبل مراقبين أقلقتهم تلك التدوينة، عمدت ببساطة إلى أخذ أسلحته باستخدام "قانون الحماية القصوى من المخاطر" (المعروف أيضاً باسم قانون "العلم الأحمر"). وفق فريق من الباحثين في "كلية ديفيس للطب- جامعة كاليفورنيا"، يمكن لإجراء من النوع الذي نُفّذ حيال ريد، أن يكون أحد أكثر الأدوات فعالية لوقف حوادث إطلاق النار الجماعي. وهناك أنباء عن أن دونالد ترمب يفكر بتطبيقه على المستوى الوطني في أعقاب عمليتي إطلاق النار في بلدتي "إل باسو" و"دايتون".

وفقاً للتقرير الجديد، يُنظَر إلى ما حصل مع ريد في بوصفه إحد حالتين في الأقل نجحت فيهما قوانين "العلم الأحمر" بإيقاف تهديد حقيقي بإطلاق نار جماعي. وتذكيراً، لقد جُرِّدَ ريد من 12 سلاحاً نارياً.

حدثت الواقعة الأخرى في 2018، بعدما وصف رجل في الثامنة عشرة من العمر بوصف المذبحة في "ثانوية مارجوري ستونمان دوغلاس" في باركلاند بولاية فلوريدا، التي حدثت قبل يوم واحد، بأنها "رائعة". وقد وَجَّه في وقت لاحق تهديدات ملموسة، بما في ذلك خطة لارتكاب إطلاق نار جماعي في مدرسته الثانوية، ما دفع السلطات إلى استخدام قانون "العلم الأحمر" في مصادرة 14 سلاحاً نارياً كان يمتلكها، مع الإشارة إلى أن ذلك القانون وُقّع إبريل (نيسان)، بعد شهرين من حادثة إطلاق نار "بارك لاند".

يشار إلى أن فيرمونت وواشنطن من بين 17 ولاية، إضافة إلى مقاطعة كولومبيا التي تضم العاصمة، تبنّت قوانين "الحماية القصوى من المخاطر"، وفق ما أوردته جماعة "غيفوردز" الداعمة لمكافحة الأسلحة. ويرجع تاريخ أول تلك القوانين إلى العام 1999، عندما مهدت ولاية كونيكتيكت الطريق عِبْرَ إقرارها أول قانون من ذلك النوع في البلاد.

في المقابل، لم تكتسب قوانين "العلم الأحمر" زخماً حقيقياً إلا عندما وقع إطلاق النار في باركلاند. إذ لم تعتمد قبل العام 2018، إلا في خمس ولايات أميركية. ومنذ ذلك الحين، جرى توقيع 13 قانوناً في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في ولايات مثل فلوريدا، التي كان لديها حاكم ومشرّع جمهوريان، ويُعرَف عنها رضوخها للوبي الأسلحة النارية الأميركي.

وفي ذلك الصدد، ذكر سام ليفي، المستشار في مجموعة "إيفري تاون فور غن سيفتي" الداعمة لمكافحة انتشار الأسلحة، إنّه "في أعقاب مآسٍ مثل باركلاند وغيرها من عمليات إطلاق النار الجماعية، نحاول الربط بين المعطيات بعد وقوع الحوادث، ما يدفع إلى الأمام بالسؤال عن سبب عدم تبني قوانين وتشريعات تعزّز قوّة الناس، وكذلك تكافح تلك الاستراتيجيات (للأشخاص الساعين إلى تنفيذ إطلاق النار على جماعات معينة)؟"

على أية حال، ثمة حركة في جميع أنحاء البلاد لإقرار قوانين "الحماية القصوى من المخاطر" بعد حادثة باركلاند التي اتضح لاحقاً أن تجنبها كان ممكناً لأن مطلق النار له تاريخ طويل وموثق جيداً من العبث مع الشرطة والمشاكل في المدرسة. وكذلك تسعى تلك الحركة إلى فعل يتجاوز مجرد الحديث عن إطلاق النار الجماعي. إذ يمكن أن تساعد تلك القوانين أشكالاً أخرى من العنف بالأسلحة.

في ذلك السياق، يُذكَر أن حالات الانتحار شكلت حوالى 60 في المئة من الوفيات ذات الصلة بالأسلحة، وقد بلغت 39773 في عام 2017 في الولايات المتحدة، وهي السنة الأخيرة التي توفرت فيها البيانات عن تلك الوفيات، لدى "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها". واستطراداً، قد تعني قوانين "العلم الأحمر" وجود مراقبة دقيقة من صديق أو أحد أفراد الأسرة، يهتم بأن يساعد في حماية شخص لديه أفكار انتحارية.

في الدراسة الجديدة، توصلت مراجعة 159 سجلاً لأوامر الحماية بين عامي 2016 و 2018 إلى أن أياً من أولئك الأفراد لم يرتكب في نهاية المطاف جرائم قتل أو قتل نفسه بالسلاح.

ووفق كلمات السيد ليفي، "لقد وجدنا هذا الأمر فعالاً، خصوصاً فيما يتعلق بالانتحار بالأسلحة النارية".

وهناك تباين في القوانين فيما يتعلق بالإجراءات، لكنها تسمح للناس عموماً بتقديم التماس إلى المحكمة لإزالة أسلحة شخص ما وذخائره في حالة الطوارئ. يمكن للمحاكم أن تفعل ذلك لمدة تصل إلى ثلاثة أسابيع في بعض الحالات. وفي كاليفورنيا، يستطيع القاضي تمديد أمر المصادرة لمدة تصل إلى عام.

في هذا السياق، صرحت آمي هانتر، المتحدثة باسم "الرابطة الوطنية للبنادق" إلى صحيفة "الإندبندنت" إنه بإمكان الجماعة المدافعة عن حقوق التسلح أن تدعم بعض قوانين "العلم الأحمر"، شرط احترام موجبات الحقوق القانونية المنصوص عليها في الدستور الأميركي.

ويذكر أولئك الذين يكتبون القوانين إنهم يصوغون التدابير مع مراعاة تلك المخاوف على وجه التحديد. ورفضت السيدة هانتر أن تحدد قوانين "العلم الأحمر" التي تدعمها "الرابطة الوطنية للبنادق" فعلاً، أو إذا كانت تدعم أياً من مشاريع قوانين "العلم الأحمر" التي جرى التقدّم بها على المستوى الاتحادي.

وفي رسالة إلكترونية، ذكرت السيدة هانتر إن "حماية حقوق ملاك الأسلحة الملتزمين بالقانون، توجب أن تتضمن "قوانين الحماية القصوى للمخاطر"، في الحد الأدنى، حماية قوية للإجراءات القانونية الواجبة، وأن تتطلب الدراسة، وتشمل عقوبات ضد من يقدمون دعاوى عبثية".

يذكر أن قوانين تقييد الأسلحة تلقى دعماً على نطاق واسع في جميع أنحاء الولايات المتحدة، على غرار عدد من أشكال السيطرة على الأسلحة التي تواجه بمعارضة شديدة كي لا تصبح قوانين سارية سواء على مستوى الولاية أو الاتحاد الفيدرالي ككل، نتيجة التأثير الهائل لـ"الرابطة الوطنية للبنادق".

يأتي الدعم لتلك القوانين من "المشتبه فيهم" دوماً (الحزب الديمقراطي) وكذلك من بعض الجمهوريين الذين أفاد 70 في المئة منهم في استطلاع حديث للرأي إنهم يدعمون السماح لأفراد الأسرة بالسعي للحصول على أوامر قانونيّة لتقييد الأسلحة. في المقابل، انخفض مستوى ذلك الدعم نفسه إلى 60 في المئة بين الجمهوريين عند سؤالهم إذا كانوا يدعمون السماح للشرطة بتطبيق تلك الأوامر.

ومع حوادث إطلاق النار الأخيرة في "دايتون" بولاية أوهايو، و"إل باسو" في  تكساس، سُلّط الضوء مرة أخرى على الطريقة التي تُمكّن تلك القوانين من درء المآسي. إذ عبّر مطلقو النار عن خطط عنيفة في أوقات سابقة على تنفيذهم مخططاتهم العنيفة. وكذلك تحظى تلك القوانين بتأييد من جميع الديمقراطيين  المترشحين للسباق الرئاسي عام 2020 لخلافة ترمب.

ومع تذكر سرعة اقرار قوانين تقييد الأسلحة في ولايات عدة خلال الأشهر الـ18 الماضية، يشير السيد ليفي إلى اعتقاده بـ"وجود قوة دفع... ثمة عدد قليل جداً من السياسات التي نمت بهذه الوتيرة في تاريخ حركتنا".

© The Independent

المزيد من تحلیل