النساء يقتحمن حلبة الأدب الجدّي ويربحن الجولة تلو الأخرى ضد سطوة الرجال

مع تربّع الكاتبات على لوائح أفضل الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تتناول كاتبة مقالات الفنون فيونا ستيرجيس اهتزاز عرش المعهود في عالم الأدب لتغييره نحو الأفضل

  رواية العمانية جوخة الحارثي الفائزة بجائزة بوكر العالمية (غودريدز.كوم)

كان عالم الكتب في ما مضى يعمل وفق نظام خاص لكلٍ فيه مكانه ومكانته. فقد انكبّ الرجال العظماء والبارزون على وضع النفائس من الأعمال في مواضيع العلوم والسياسة والتاريخ التي تتحول بسرعة إذا ما اقتناها عددٌ كافٍ من الناس إلى آثار أو أعمال خالدة. وفي المقابل اعتُبرت الكتابة النسائية موجّهة لهواة النوع فاستحدثت لها أنواع أدبية خاصة مثل "الرواية الرومانسية" و"الأدب النسائي" و"الرواية النسائية"- فليسجّل التاريخ أنّ "أدب الرجال" لم يستحدث قطّ. وغالباً ما وُضعت هذه الكتب داخل أغلفة مزيّنة بألوان ناعمة كتب عليها بخطوط دائرية مائلة كي لا يخطئ الناس- أو بالأحرى الرجال، نعم- الظن فيعتقدوا أنها كتب جدّية حقيقية.     

لكن مؤخراً، ظهرت موجة نسائية لتُربك سيطرة الرجال المعهودة على هذا العالم. فأهم الكتب الصادرة هذا الصيف كتبت بأقلام نساء، ومنها كتاب كويني للكاتبة كانديس كارتي ويليامز، و"ثلاثة نساء" (ثري ويمن) للكاتبة ليزا تاديو، والمرآة الخادعة (تريك ميرور) للكاتبة جيا تولنتينو و"فلايشمن في ورطة" للكاتبة تافي بروديسير آكنر و"السماء الرحبة" (بيغ سكاي) للكاتبة كايت آتكينسون. وأثناء كتابة هذا المقال تحتل الكتب التي وضعتها كاتبات المواقع الخمس الأولى على لائحة صحيفة صانداي تايمز لإصدارات الأغلفة السميكة، فيما وضعت كاتبات أربعة عناوين من أصل أول خمسة على لائحة الكتب الروائية وغير الروائية الأكثر مبيعاً التي تصدرها صحيفة نيويورك تايمز.

وحققت هؤلاء الكاتبات النجاح على الرغم من أنف قطاع النشر الذي غالباً ما يحتفي بالكتّاب فيما يتجاهل أو يهمّش أو يشوّه سمعة النساء. وأظهر استقصاء جرى في أميركا الشمالية العام الماضي وشمل أكثر من مليوني كتاب أنّ الكتب التي وضعتها نساء تباع بالمعدّل بأقل من نصف سعر الكتب التي وضعها رجال. كما كشفت الدراسات أنّ الرجال يفضّلون حتى اليوم الكتب التي يكتبها رجال مثلهم وهم يميلون أكثر إلى التوصية بهذه الكتب لأقرانهم، فيما ترشّح دور النشر بالأغلب الكتب التي وضعها رجال للمنافسة على الجوائز الأدبية (مما يفسّر بالتالي استحداث جوائز أدبية للنساء فقط. إذ كيف يمكن لامرأة لولا هذه الجوائز أن تتلقى أي ثناء مهني على عملها؟). وفي الوقت نفسه تميل الوسائل الإعلامية إلى مراجعة كتب لكتّاب وليس كاتبات مع أنّ النساء يفقن الرجال عدداً إن بصفتهن كاتبات أو قارئات. كما أنّ احتمال ذكر سنّ الكاتبة يفوق احتمال ذكر سنّ الكاتب بالضعف في مراجعات الكتب النقدية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مقالة نشرتها مؤخراً في مجلة "ذي أتلانتيك" حول ما تسمّيه "فجوة الجدّية بين الجنسين"، تمعّن الصحافية هيلين لويس بشرح الطرق التي تصنّف وتحجّم بها الكاتبات مثل سالي روني، الروائية التي كتبت "حوارات مع الأصدقاء" (كونفرسيشنز وذ فريندز) و "العاديون" (نورمال بيبول) إذ أثنى أحد النقاد خلال كتابته مقالة نقدية عن كتابتها، على "شفتيها المثيرتين". وتتحدث لويس أيضاً إلى الروائية إليف شفق التي واجهت معاملة مشابهة من النقّاد الذكور وقالت "يعدّ الروائي روائياً في المقام الأول. ولا أحد يشير إلى جنسه. أما الروائية فامرأة في المقام الأول".

إن كنا نشعر بأنّ هذا الواقع مضني لكنه محتوم، ربما تفرحنا المقاومة الدائرة حالياً. وافتتحت العام الماضي مكتبة رائعة اسمها "ذا سيكوند شيلف" في منطقة سوهو اللندنية تبيع الكتب النادرة والإصدارات الأولى والأعمال التي تبعث من جديد وكلّها بأقلام نسائية. وقالت صاحبة المكتبة آن ديفيرز إنها أحست بالحاجة إلى فتح مكتبتها الخاصة بعد أعوام طويلة قضتها في التجوّل داخل معارض الكتب القديمة التي تسلّط الضوء على الكتّاب.    

ومن دواعي السرور أيضاً إنشاء مهرجان بريمادونا هذا العام على يد مجموعة من النساء اللواتي برزن في عالم النشر والترفيه، ومنهن الروائية كيت دو وال والمذيعة ساندي توكسفيغ والكاتبة والناشطة كاثرين ميير والمحررة سابينا أختر ومديرة انتقاء البرامج الكوميدية على قناة بي بي سي سيونيد ويليام. وتهدف الفعالية التي تقام خلال عطلة نهاية الأسبوع المقبل إلى الاحتفاء بالكتابة النسائية وإبرازها ويشمل البرنامج حلقة حوار تحمل عنوان "سبقها ثدياها في دخول الغرفة" وتركّز على محاولات الرجال الرهيبة والخاطئة، إذا لم نقل إنها في غير محلها حين تناول بنية جسد الأنثى التشريحية، في تناول الحياة الجنسية للنساء في كتاباتهم.

لأنّ الخطأ في معاملة النساء في عالم النشر ليس بنيوياً فقط بل هو يطال تصويرهنّ في الكتب أيضاً. وتكثر الأمثلة على ذلك بدءاً باستفاضة إدموند وايت في وصفه الحماسي للثديين "المشدودين بقوة ووضوح إلى عظمة الصدر كجروين جامحين مندفعين يشدان على رسنهما للتفلت منه" (من كتاب الرجل المتزوج الصادر في العقد الأول من الألفية الثانية) ووصولاً إلى وصف جوزيف هيلر لـ"أرداف (المرأة) وفخذيها القويين يهتزّان ويتراقصان يمنة ويساراً ككنزٍ مرعب من الرغبات" (من كتاب كاتش 22 الصادر عام 1961). وتشير هذه الأمثلة على أنّ الرجال يتناولون النساء والجنس بطريقة فظيعة في كتاباتهم منذ عقود طويلة من أجل إمتاع الرجال وإشباع رغبتهم بشكل عام. ولم نشهد سوى مؤخراً على مطالبة النساء باسترجاع تصوير أجسادهن من أجل أهداف بناءة أكثر.

فقد صدرت هذا العام كتب وضعتها الناشطة المناهضة لتشويه الأعضاء التناسلية النسائية نيمكو علي، والصحافيتان لين إينرايت وإليانور مورغان والمذيعة إيما بارنيت. ركّزت هذه الكتب على تبديد الأوهام المحيطة بجسد المرأة ووضع حدٍ لارتباطه بمفهوم العار. كما ظهرت كاتبات مقالات ومنهن شينيد غليسون وجيا تولينتينو وريبيكا سولنيت وإيميلي باين، وهن يبحثن في تفاصيل حياتهن الخاصة في معرض تناولهن مواضيع اضطرابات الأكل والجنس والموافقة والصحة والنفوذ، ويظهرن أجساد النساء على أنها معتركات سياسية. وكل هذا يشير إلى أنّ الكاتبات لسن عنصر تغيير راجحاً فحسب بل أنهن ينتزعن السيطرة على رواياتهن الخاصة أخيراً. ولن نتيقّن فعلياً من أنهن ربحن الحرب سوى حين نتخلص من الأنواع الأدبية الزائفة الخاصة بالنساء فقط.

© The Independent

المزيد من ثقافة