الصناديق الاستثمارية ومدراؤها النجوم.. هل تخطف مصائب نيل وودفورد الضوء عنه؟

هناك سؤال لا بد من طرحه حول وودفورد: هل كان حقا شخصا لامعاً في معظم حياته المهنية، أم محظوظا فقط؟

بورصة نيويورك (أ.ف.ب) 

احذروا النجوم من مدراء الصناديق. هذا هو الدرس الأول من تجميد أبرز صناديق نيل وودفورد الاستثمارية. والثاني هو أن السيولة النقدية مهمة في الاستثمار، وأن بعض الأرصدة، في الشركات الأصغر عادةً، لا تستطيع أن تتحول إلى نقد بسرعة. والدرس الثالث هو أن على المستثمرين قاطبة أن يوزعوا  المخاطر.

ببساطة، ما حدث هو أن ضعف الأداء خلال أشهر قليلة، شجع المستثمرين على سحب أموالهم من صندوقه، ولم يكن بإمكان وودفورد بيع أرصدته بسرعة كافية لإعادة أموالهم إليهم. والنتيجة: الاستثمارات الأساسية ما زالت موجودة هناك، وربما ارتفعت أو انخفضت قيمتها، لكنك في الوقت نفسه لا تستطيع أن تضع أموالك في الصندوق كما لا يمكنك سحبها منه.

يعتبر وودفورد واحدا من أكبر الأسماء في حقل الاستثمارات بلندن. فقد عمل في "انفيسكو" لسنوات عدة، وأنتج عائدات ممتازة للمستثمرين، ثم أسس شركته الخاصة. وكانت غارقة بالمال، ففي ذروة نجاحها كان في "صندوق عائدات أسهم أل أف وودفورد" الرئيس أكثر من 10 مليارات جنيه إسترليني من الأصول؛ والآن لم يعد فيه سوى حوالي 4 مليارات جنيه. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كانت الاستراتيجية التي اتبعها وودفورد تتمثل في وضع الأموال في شركات قديمة لم تعد رائجة، وهذا لأنها ربما تعرضت لبعض المتاعب أو الاخفاقات، وفي مؤسسات صغيرة بعضها ليس لها أسعار في سوق البورصة. وقد تنجح هذه الاستراتيجية عادة، لكن في هذه الحالة، لم تسر الأمور على ما يرام بالنسبة للكثير من استثماراته في وقت واحد، وبطبيعة الحال، فقد المستثمرون الثقة بأحكامه. 

هناك سؤال لا بد من طرحه حول وودفورد، وهو هل كان حقاً شخصا لامعاً في معظم حياته المهنية، أم محظوظا فقط ؟

أظن أن أفضل طريقة للإجابة عن هذا السؤال هو الإشارة إلى أن معظم مدراء الاستثمار يمرون بفترات جيدة وأخرى سيئة، وأننا يجب أن نشعر بالشك حيال الآراء التي تقول إن مديراً ما هو "عبقري" حقيقي. سيتذكر أولئك الأشخاص من أصحاب الذكريات القديمة ذلك التزلف الذي أفرزه جيم سليتر خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ثم ساءت الأمور. وفي فترة أقرب إلينا زمنياً، هناك انتوني بولتون مدير "صندوق مواقف الإخلاص الخاصة"  بين عامي 1979 و2007، والذي احتل الموقع الأول بين مدراء الصناديق في المملكة المتحدة، لكنه حين بدأ منذ عام 2010 بإدارة صندوق الصين، بدأت الأمور تسير مسارا سيئا، ما اضطره في النهاية إلى الاستقالة.

أما في الولايات المتحدة  فكان بيل غروس الذي حقق نجاحا هائلا في حياته المهنية وهو يدير صناديق سندات في "شركة إدارة الاستثمار الباسيفيكي". وهو طوّر "صندوق بيمكو لإجمالي العائدات" بحيث صار أكبر صندوق سندات في العالم، لكنه حين انتقل إلى شركة "جانوس كابيتال" عام 2014 بدا وكأنه قد فقد لمسته السحرية.

بل حتى وارن بفيت، "حكيم أوماها"، الذي حقق مكانة أسطورية، تعثَّر في السنوات الأخيرة. إذ أن أداء شركته "بيركشاير هاثاواي" كان ضعيفاً، و أسوأ بقليل في العقد السابق من مؤشر "أس أند بي 500". أحرز قسطاً كبيراً من النجاح بدءاً من ستينيات القرن الماضي وحتى العقد السابق، لذلك فإن أي شخص استثمر عنده باكرا يكون قد حقق أرباحا ممتازة. غير أنه منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2009، لم يعد الاستثمار في هذا الصندوق مجدياً تماماً، بل صارت عائداتته أقل مما يمكن للمستثمر أن يفوز به في أمكنة أخرى.

هذا يفضي إلى الدرس الثاني، وهو أهمية السيولة النقدية. إذا كان من المرجح أنك ستحتاج إلى سيولة مالية بسرعة، عليك أن تتأكد من إمكانية تحويل استثماراتك إلى نقد في أقصر وقت ممكن . وهذا لا ينطبق على وودفورد وحده بل علينا جميعا.  الأرجح أنه لم يخطر على بال وودفورد نهائياً أن صندوقه قد يتعرض إلى التعامل مع رغبة مجموعة كبيرة من المستثمرين فيه بسحب أموالهم النقدية بوتيرة غير مسبوقة. لكن، كما يعرف أي شخص حاول أن يبيع بيتاً بصورة عاجلة، أن الشخص المجبَر على البيع سيقبل بثمن أسوأ من آخر قادر على الانتظار فترة أطول.

أما بالنسبة إلى الدرس الثالث، وهو ضرورة توزيع المخاطر على أكثر من صندوق، فإن مغزاه بسيط جدا. ليس هناك بيننا من يستطيع معرفة أي من الاستثمارات ستعمل بشكل جيد في المستقبل وأي منها سيخفق. فالتنبؤ بمستقبل الاستثمارات ليس الطريقة التي يعمل العالم وفقها. 

يمكن القول إن استراتيجية "القيمة" التي اتبعها وودفورد كانت سليمة. فهي بشكل عام شبيهة باستراتيجية وارن بفيت، ولو بمقياس أصغر بكثير. لكن خلال السنوات الخمس الأخيرة تقريبا هُزمت استثمارات القيمة أمام استثمارات التقنية العالية. علاوة على ذلك، فإن شراء الأسهم، التي تبدو رخيصة، فكرة رائعة، عدا عن أن ثمة سبب ما لضآلة ثمنها. فهناك خلل ما تعاني منه الشركة صاحبة هذه الأسهم ، أو ربما كان ثمة خلل ما في السوق التي تُطرح فيه للبيع.

والأمر المقلق حقا في هذا المسلسل كله، لا يكمن في الخسائر المالية التي سيتكبدها المستثمرون الذين ربطوا استثماراتهم بصندوق وودفورد. ففي حال استعادت الأسواق عافيتها في المستقبل القريب، من الممكن أن يكونوا في وضع مالي أفضل بسبب إبقاء أموالهم في صندوق وودفورد، وإذا انهارت الأسواق فإن المخاطر ستطاول كل الاستثمارات.

هكذا يكمن الضرر الحقيقي في سمعة إدارة الصندوق بشكل عام. علينا أن ندخر لتقاعدنا. وذلك المال يجب أن يُستثمَر. ومدراء الصناديق هم من يقوم بالاستثمارات، فإن ادخرنا أقل بسبب خلع ملك الاستثمارات المتميز هذا عن عرشه، فإننا نكون قد ارتكبنا خطأ فادحا. وإذا أردنا ضمان مستقبلنا ماليا، علينا أن نعتمد على فائدة مركبة، وليس على مدير "نجم" مزعوم لصندوق ما.

سيشعر البعض بالقلق لوجود مخاطر بالفشل. فسوق البورصة الذي مضى عليه عشر سنوات، وتكفل بتحديد أسواق الأسهم منذ الأزمة المالية العالمية ، يجب أن ينتهي في وقت ما، ووحدها التجربة بعد مرور بعض الوقت ستجعلنا نعرف اين بدأت الثقة بالتلاشي بعدما كانت يوماً قوية. لكن إذا كانت الأزمات السابقة علمتنا أي شيء، فهذا لن يكون سوى هذه الحقيقة البسيطة: المستثمرون يتوترون حقا حين يخبرهم أحد بأنهم لا يستطيعون سحب أموالهم. 

© The Independent

المزيد من آراء