Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صراع مبكر على إعادة إعمار درنة بين المؤسسات الليبية

أهالي درنة يطالبون بتسليم الملف لشركات دولية لضمان ذهاب المخصصات الضخمة إلى هدفها الذي رصدت له

خطط منفصلة ومتعارضة لمشروع إعادة إعمار درنة الليبية (اندبندنت عربية)

في وقت لا تزال فيه مدينة درنة الليبية تلملم جراحها وما تبقى من أشلاء قتلاها الذي لم يتوقف البحر عن إلقاء جثثهم إلى شواطئ المدينة والقرى المحاذية، بدأ الحديث في ليبيا عما بعد الكارثة وكيفية التعامل مع تداعياتها الكثيرة والمتشعبة.

إعادة إعمار المدينة التي دمرت سيول واديها ربع مساحتها وتركت 43 ألفاً من أهلها بلا مأوى، كان أول وأكثر الملفات التي طرحت للنقاش في المرحلة الحالية، وهو ملف بدأ يثير خلافات كثيرة وصراعات قبل حتى أن تجف دموع أهالي درنة المفجوعين من فقد ذويهم وأحبابهم.

ودفعت التجارب السابقة مع الفساد المتغلغل في مؤسسات الدولة أهالي درنة الذين تدعمهم أصوات كثيرة في البلاد إلى المطالبة بتسليم الملف لشركات دولية برعاية الأمم المتحدة، لضمان ذهاب مخصصات الإعمار الضخمة إلى هدفها الذي رصدت له.

إعمار بأياد أجنبية

وكانت إعادة إعمار درنة المنكوبة على رأس المطالب التي نادى بها سكانها في تظاهرة حاشدة أمام مسجد الصحابة منتصف الأسبوع الماضي، لكنهم شددوا على ضرورة أن يسلم هذا الملف إلى شركات أجنبية وتحت إشراف دولي، لضمان جودة العمل وقطع السبل على تسرب الفساد المستشري في البلاد إلى المشروع الذي سيكلف مليارات الدولارات، بالنظر إلى حجم الدمار الحالي.

وفي البيان الذي أصدره أهالي درنة خلال التظاهرة، فقد طالبوا "بوضع خطة عاجلة وفورية لحل مشكلة النازحين وتوفير سكن لهم داخل نطاق المدينة، وضرورة إتمام إعادة الإعمار في أسرع وقت ممكن من طريق هيئات وشركات عالمية متخصصة بما يتوافق مع تراث المدينة التاريخي".

كما عبر المتظاهرون عن "رفضهم لما تم الإعلان عنه بخصوص تشكيل لجنة الإعمار المنبثقة من مجلس النواب"، مشددين على أن "يكون للمدينة بعد المأساة التي مرت بها وضعها الخاص ولجنة إعمارها الخاصة التي يرتضيها سكانها"، وقالوا "لا يعزينا إلا أن تكون عملية إعادة إعمار درنة مشروعاً وطنياً يسترد الكرامة".

وكان المبعوث الأممي لدى ليبيا عبدالله باتيلي تعهد بإنشاء آلية شاملة للإشراف على جهود التعافي وإعادة إعمار المناطق المنكوبة شرق ليبيا وتحديد الأولويات وضمان المساءلة.

لجنة يرفضها الجميع

لجنة الإعمار التي شكلها مجلس النواب ورفضها أهالي درنة خلال جلسة طارئة في مدينة بنغازي الأسبوع الماضي، صوت فيها النواب بالإجماع على إقرار موازنة طوارئ بقيمة 10 مليارات دينار ليبي (2 مليار دولار)، لمعالجة آثار الفيضانات في المناطق المتضررة، على أن تودع في مصرف ليبيا المركزي إلى جانب بقية المخصصات أو المعونات المحلية والدولية.

واللجنة الذي قوبلت طريقة تشكيلها بانتقادات واسعة في ليبيا، خصوصاً أنه لم يتم تحديد حجم الأضرار الكبيرة في مدينة درنة بصورة دقيقة حتى الآن من أية جهة دولية أو محلية، قوبلت برفض آخر من مجلس الدولة في طرابلس، الذي رفض التصديق على قرار تشكيلها وطالب بتعديلات عليه.

وجاء الرفض على لسان رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة الذي طالب مجلس النواب بإلغاء قانون اعتماد موازنة الطوارئ لمواجهة كارثة السيول وإعادة إعمار درنة، ودعا تكالة في بيان "رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلى إعادة النظر في قراره واعتبار ما صدر في تلك الجلسة لاغياً وغير ذي أثر"، مؤكداً "ضرورة الالتزام باحترام القواعد المنظمة للإنفاق الحكومي وإدارة واستخدام المال العام، بما يضمن حفظه ويكفل عدم العبث به ويحقق أهداف إنفاقه".

وأضاف رئيس مجلس الدولة أن "الإنفاق لمواجهة أية حاجات طارئة مخصص له بند في قانون الموازنة العامة للدولة، تتولى الحكومة طبقاً له الصرف على تلك الحاجات، وهو أمر لا يحتاج إلى تدخل تشريعي، فقانون الموازنة تتولى إعداده السلطة التنفيذية ويخضع لقواعد عرضه على المجلس الأعلى للدولة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صراع في غير وقته

التضارب والتعارض في اتخاذ القرارات وتحديد المسؤوليات في ملف إعادة إعمار درنة الذي بدأ باكراً على المستوى التشريعي، بدأ أيضاً بين الحكومتين في بنغازي وطرابلس، مما عزز أكثر المطالب بتسليم الملف للأمم المتحدة للإشراف عليه وتجنيب البلاد لغطاً جديداً في توقيت حساس وغير مناسب.

وعلى عكس البرلمان، بدأت الحكومتان المتنافستان البحث عن شركاء أجانب لإعادة إعمار درنة، ففي طرابلس عقد رئيس مجلس الدولة الاستشاري محمد تكالة ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة لقاء أمس الخميس، لبحث تداعيات الكارثة التي تعرضت لها مدينة درنة وعدد من مدن الشرق الليبي جراء العاصفة "دانيال".

وقال المكتب الإعلامي التابع لمجلس الدولة إن "اللقاء تمحور حول معالجة مخلفات العاصفة وكيفية ترميم الأضرار والتعاقد مع الشركات الأجنبية لإعادة إعمار درنة والمدن المتأثرة".

وفي التوقيت ذاته طالبت وزارة المالية بحكومة الوحدة البنك الدولي بإدارة أموال إعادة الإعمار في المناطق المنكوبة وإنشاء برنامج سريع للتحويلات المالية.

وقبلها بيوم واحد كان رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد يبحث ملف إعادة الإعمار مع عدد من ممثلي الشركات المصرية في ليبيا، وأكد حماد، بحسب بيان الحكومة، ضرورة بدء الإعمار في درنة وضواحيها عقب الانتهاء من عمليات البحث والإنقاذ، مشدداً على "ضرورة التعجيل بالمشاريع في المدينة لأهميتها في تقديم الخدمات لمواطني المناطق المنكوبة".

فتح شهية الفساد

المحلل الاقتصادي سليمان الشحومي علق على الصراع القائم حالياً لتولي ملف إعادة إعمار درنة قائلاً إن "إعادة إعمار المدينة ومدن وقرى الجبل الأخضر يبدو أنها فتحت شهية كثيرين، فالبرلمان يخصص الأموال ويعد بأنه سيشرف على الإنفاق، ومن جهة أخرى فرئيس المجلس الرئاسي يتحدث بالاتفاق مع رئيس الحكومة على أن إعادة الإعمار ستكون عبر مؤسسات الدولة الليبية"، مضيفاً "في دولة منهارة تعج بالفاسدين وليس لديها قدرة تنظيمية وإدارية وفنية لإدارة مشروع وطني لإعادة الإعمار، يريد المسؤولون فيها تولي هذا الملف الضخم، فكيف ستكون النتيجة؟".

ورأى أن "إعادة الإعمار تحتاج إلى إنشاء مجلس متخصص من مستقلين وخبراء وبمشاركة مؤسسات دولية لديها الخبرة والقدرة العالمية للإدارة والإشراف على مثل هذه البرامج، لضمان عمله بشفافية مطلقة ورقابة واسعة من أبناء ليبيا ومناطقها المعنية بهذا الشأن".

وأكد الشحومي أن "البنك الدولي لديه خبراء ومتخصصون في كثير من الجوانب المتعلقة بإعادة الإعمار يمكن الاستفادة منهم، فهي فرصة لتقديم نموذج تنموي وطني في المناطق المنكوبة بأبعاد تنموية عالمية".

اجترار تجارب فاشلة

وفي المقابل حذر أستاذ الاقتصاد علي الفايدي من "دخول مؤسسات الدولة على خط ملف إعادة إعمار درنة مع وجود مشاريع تنموية كبيرة خلال أعوام سابقة لم يتم تنفيذها عبر الحكومات المتعاقبة، وتكرار تجربة الحديث عن مشاريع إعمار جديدة من دون تنفيذها على أرض الواقع".

ويكمن حل هذه القضية، بحسب الفايدي، في إقامة مؤتمر دولي لإعادة إعمار درنة والمدن المتضررة، وتأسيس صندوق دولي تشرف عليه الأمم المتحدة حول إقامة المشاريع بتمويل محلي وخارجي".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات