Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغرب والغابون... علاقات متينة ومعادلة صعبة

علي بونغو كان مقرباً من حكام الرباط وقائد التمرد عاش ردحاً من الزمن هناك

يحتفل السكان يقودون سيارتهم ويحملون علم الغابون بالانقلاب في ليبرفيل، 30 أغسطس 2023 (أ  ف ب)

بعيد الانقلاب الذي هز عرش الرئيس الغابوني علي بونغو، يعول المغرب على ضمان استقرار هذا البلد الأفريقي وطمأنينة ساكنته، لكنه أيضاً يراهن في المقابل على مد جسور الثقة مع "الحكام الجدد" الذين سيدبرون شؤون الغابون.

يرى مراقبون أن معرفة قائد الحرس الجمهوري الغابوني، الجنرال بريس أوليغي نغيما، بالمغرب الذي عاش فيه ردحاً من الزمن، سواء لما كان طالباً ضابطاً في الأكاديمية العسكرية بمدينة مكناس (وسط البلاد)، أو ملحقاً عسكرياً بالرباط، ستسهم في تعبيد الطريق للحفاظ على ذات العلاقات الوطيدة بين الرباط وليبرفيل.

براغماتية سياسية

عبر المغرب عن موقفه الرسمي من الانقلاب العسكري الذي أطاح نظام علي بونغو، الصديق المقرب جداً من الملك محمد السادس، في بيان مقتضب من وزارة الخارجية، الأربعاء الماضي، ورد فيه أن "المملكة المغربية تتابع من كثب تطور الوضع في الجمهورية الغابونية".

وشددت الخارجية المغربية على أن "المملكة تؤكد أهمية الحفاظ على استقرار هذا البلد الشقيق وطمأنينة ساكنته"، وأن "المغرب يثق في حكمة الأمة الغابونية، وقواها الحية ومؤسساتها الوطنية، للسير قدماً نحو أفق يتيح العمل من أجل المصلحة العليا للبلد، وصون المكتسبات التي تحققت والاستجابة لتطلعات الشعب الغابوني الشقيق".

المتخصص في مجال العلاقات الدولية مولاي هشام معتضد يرى أن العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الرباط وليبرفيل كانت دائماً قوية ومتينة بفضل العلاقة المتميزة التي تجمع العائلة الملكية بالمغرب مع عائلة بونغو الغابونية، بل حرص الملك الراحل الحسن الثاني والملك محمد السادس الارتكاز على علاقتهما الشخصية مع علي وعمر بونغو من أجل بناء علاقات وثيقة بين المغرب والغابون.

وقال معتضد إن البيان الأول الذي تلاه الضباط من القصر الرئاسي لم يقتصر فقط على إلغاء نتائج الانتخابات وتعطيل المؤسسات، بل أشار بشكل قوي إلى إنهاء النظام القائم والقطع الكامل مع مرحلة علي بونغو، وهو ما دفع المغرب إلى التقاط الإشارة بشكل براغماتي وإصدار بيان ينهل من مدرسة الواقعية السياسية بمخاطبة الغابون، الأمة وقواها الحية ومؤسساتها الوطنية من دون أدنى إشارة إلى حقبة نظام بونغو، بغية الحفاظ على قنوات تواصل سياسي مع الساهرين على تدبير المرحلة الانتقالية.

وأشار إلى أن المغرب فضل تسليط الضوء على العمل من أجل المصلحة العليا للبلد، وصون المكتسبات لمعرفته بأن كفة قادة الانقلاب مرجحة على تدبير المرحلة المقبلة، وأن هناك آمالاً ضئيلة واحتمالات ضعيفة لعودة نظام بونغو للإمساك بزمام الأمور السياسية والاقتصادية في هذا البلد الأفريقي.

واستطرد معتضد بأنه أمام هذه الهزة السياسية التي شهدها بلد حليف قوي للمملكة، لم يكن على المغرب، إلا أن يسلك خط البراغماتية السياسية لصيانة مصالحه في الغابون، الشيء الذي يعكس الوعي بأن تدبير العلاقات الدولية وحقل السياسة الخارجية لا يرتبط بأنظمة بقدر ما يجب تدبيره من منطلق المصالح الاستراتيجية للدولة.

نغيما في المغرب

بعد حالة الطي النهائي لصفحة الرئيس الغابوني المحال إلى التقاعد بعد الانقلاب العسكري على نظامه وحكومته، يستشرف المغرب إرساء معادلة سياسية صعبة تتمثل في مد اليد للصديق المقرب من الرباط، ومن الملك محمد السادس أيضاً، وفي الوقت نفسه عدم التصادم مع "النظام الجديد" في ليبرفيل.

وتتسم العلاقات الشخصية بين العاهل المغربي والرئيس الغابوني المعزول بكثير من الود والاحترام، بدليل تفضيل الملك محمد السادس تمضية جل عطله خارج البلاد في ليبرفيل، كما أن بونغو سبق أن تلقى رعاية صحية استثنائية في الرباط خلال فترة وعكته الصحية الأخيرة.

وبعد الانقلاب العسكري في الساعات الأولى من الأربعاء الماضي الذي أعقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية بالغابون، تم اختيار قائد الحرس الجمهوري الجنرال برايس أوليغي نغيما قائداً للمرحلة الانتقالية بالبلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعد نغيما من بين أبرز الشخصيات العسكرية في الغابون، متدرجاً من مراتب ومسؤوليات عدة، غير أن اللافت كونه عاش فترات من حياته، ودرس في الأكاديمية العسكرية بمدينة مكناس، حيث تلقى هناك دروساً نظرية وميدانية طيلة أربع سنوات، هي مدة تخرج الطالب العسكري ضابطاً ضمن صفوف الضباط المشاة، وهي إحدى أقدم وأرقى الكليات العسكرية بأفريقيا، تخرج فيها شخصيات أفريقية بارزة، من بينهم الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبدالعزيز، ورئيس النيجر الأسبق سالو جيبو.

وبوصول علي بونغو إلى سدة الحكم في الغابون، تم تعيين نغيما ملحقاً عسكرياً في المغرب، حيث قضى في المملكة بضع سنوات، قبل أن ينتقل إلى السنغال، ومن هناك إلى الغابون، حيث ترقى إلى رتبة قائد الحرس الجمهوري.

ويبدو أن المغرب سيحاول الارتكاز على "احتضانه" للمسؤول العسكري الغابوني، ومعرفته بالتالي بالسياسة والعقلية المغربية، من أجل الاستمرار في العلاقات الجيدة بين البلدين على رغم طي صفحة بونغو.

يعود معتضد في هذا الصدد ليقول إنها "عوامل تصب في مصلحة المغرب لتدبير سياسته الخارجية مع هذا البلد الأفريقي، حيث إن مرور أوليغي نغيما في المغرب كطالب ضابط وملحق عسكري سيسهل على القيادة في الرباط بناء رموزها السياسية من جديد في ثقافتها الدبلوماسية مع ليبرفيل، من أجل ضمان الاستمرارية لمصالحها الاستراتيجية في هذا البلد الأفريقي".

الحفاظ على الالتزامات

ويبدو من واقع الحال أنه على رغم من كون العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية المتميزة والمتينة تاريخياً بين المغرب والغابون، تجرها الروابط الشخصية والأواصر العاطفية بين قادة البلدين، سواء في حقبة الحسن الثاني وعمر بونغو، أو في الفترة الراهنة، إلا أن المصالح المشتركة ستدفع حتماً البلدين إلى عدم هدر ما تحقق من نجاحات ومكتسبات بين الطرفين.

الذي يزكي سيناريو المحافظة على المصالح المشتركة بين الرباط وليبروفيل هو ما تعهد به الجيش الغابوني، الخميس الماضي، حيث طمأن الجنرال نغيما جميع المانحين والشركاء في التنمية بأن "جميع الإجراءات ستتخذ لضمان الإيفاء بجميع التزامات البلاد الداخلية والخارجية".

ولعل من هذه الالتزامات الخارجية، وفق الباحث في العلاقات الأفريقية بجامعة محمد الخامس عبدالصمد نظير، الشراكة السياسية والاقتصادية بين المغرب والغابون، وأيضاً موقف هذا البلد الأفريقي من نزاع الصحراء بين المغرب و"جبهة البوليساريو".

ويشرح عبدالصمد بأن موقف ليبرفيل الداعم لمغربية الصحراء، الذي عبرت عنه الغابون على مدار عقود خلت منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، يعد من أهم تفسيرات العلاقة الوطيدة بين البلدين.

وتوقع عبدالصمد أن "يحافظ القادة الجدد في الغابون على هذا التوجه والموقف في ملف الصحراء، وأنه في أسوأ الحالات قد يلزم النظام الجديد موقف الحيادي حيال الملف"، مورداً أنه "بخصوص الشراكة الاقتصادية فإن الحكام الجدد مدعوون هم بالأساس إلى الحفاظ على هذه الشراكة بحكم الاستثمارات القوية المغربية الموجودة على أرض الغابون".

المزيد من تقارير