هل ستبدأ معركة التنوير الجديد عربياً من السعودية؟

العالم العربي بحاجة إلى قادة لهم وزن محلي وعالمي فالقائد "الكبير" هو ذلك الذي يتحول إلى رمز وإلى مرجعية

القرارات السعودية الأخيرة تأتي ضمن خطة تنمية وتطوير (رويترز)

هل ستشكل قرارات الحكومة السعودية التنويرية الأخيرة تجاه حرية المرأة، والثقافة، والفنون، لحظة وعي مجتمعية جديدة في العالم العربي والمغاربي؟ هل ستصل ارتداداتها الإيجابية إلى أطراف هذا العالم العربي والمغاربي وكيف؟ تختلف القيادة الثقافية والحضارية كلية عن القيادة العسكرية والحربية والحزبية، فالقيادة الثقافية والحضارية أعمق وأخطر، وهي بقدر ارتباطها بالمحلي متواصلة مع المحيط العالمي بقيمه ومفاهيمه وفلسفاته ومنخرطة فيه.  لقد فشل العرب والمغاربيون في القيادة العسكرية، ولم ينجحوا في القيادة الثقافية والحضارية حتى الآن. لقد أخفق العرب في جميع الحروب التي خاضوها، حتى وإن كانت هذه الأنظمة هي من أكبر الأنظمة التي تصرف ميزانيات غريبة على التسليح تفوق بآلاف المرات ما يصرف على الثقافة أو على البحث العلمي، أخفقوا حتى وإن بدوا في انتصارات احتفالية، سُميت أعياد الاستقلال. فالحرب التي قادتها الشعوب العربية والمغاربية بأشكال مختلفة ضد الاستعمارات التقليدية في القرن الماضي، حتى وإن أسفرت عن استقلال وطني ورفع علم وغناء نشيد وطني وفتح مقبرة للشهداء ووضع صورة زعيم في المكاتب والمؤسسات الرسمية، زعيم لا يرحل ولا يعوض إلا بالموت الطبيعي أو بالموت الانقلابي. 

الواقع المستمر

أمام هذا الاستقلال "المسرحي" فالشعوب لا تزال تعيش الفقر بأشكال متعددة، ولا تزال الأمية متفشية حيث أكثر من سبعين مليون عربي ومغاربي هم أميون. ولا تزال الأمراض فتاكة من الكوليرا إلى الطاعون إلى أمراض أخرى. ولا تزال الحروب بين أبناء هذه البلدان المستقلة قائمة تارة حول "الدفاع" عن "الله" وتارة حول النعرات الطائفية، وأحياناً أخرى حول تقسيم الريع بين أباطرة الفساد، ولا تزال البلدان معرضة للتقسيم والتقطيع والتشرذم كما في السودان واليمن وسوريا والعراق.  لا السياسة القائمة ولا الحروب ولا الأحزاب ولا وزارات الدفاع قادرة على حماية المجتمع والدفع بالفرد والجماعة إلى فضاء التحضر، الخلاص يُبحث عنه في فضاء آخر، فضاء التنوير.  يجب الاعتراف بالهاوية التي أدركها البعض والبقية الباقية على الطريق، وحين أقول هذا لا يعني أبداً التلذذ بتعذيب الذات، إن هذا الإخفاق راجع في بعض عوامله، إلى غياب الكاريزما عند القادة العرب، الكاريزما التي لا تعني أبداً الاضطهاد أو الاستعلاء أو الانفصال عن المحيط، بل تعني ذلك الذكاء المتناسق مع الفعل ومع اتخاذ القرار حتى وإن كان يُغْضِب. 

والكاريزما المطلوبة في القادة العرب والمغاربيين اليوم، مع انتشار وتعميم وسائل التواصل الاجتماعي، يجب أن تكون ذات مكانة محلية وعالمية، فجميع تصرفات القائد مراقبة ومتابعة من مجتمعه لحظة بلحظة، وهي مُسوَّقَة من جهات إعلامية متعددة، ولم يعد صندوق الأسرار مقفلاً، بل لم يعد هناك صندوق للأسرار.   

القائد المطلوب

ودون السقوط في الدعوة إلى الفردانية، والتفرد، العالم العربي بحاجة إلى قادة لهم وزن محلي وعالمي، فالقائد "الكبير" هو ذلك الذي يتحول إلى رمز وإلى مرجعية في المخيال المحلي والعالمي، والقائد اليوم، في ظل الإخفاق المعمم، عليه أن يكون مثقفاً تنويرياً قادراً على الإقناع بأفكاره والدفاع عنها مجسدة في الواقع لا في الإنشاءات والخطب البلاغية العصماء! 

إن مرض الشعبوية في القادة العرب والمغاربيين هو الذي قتل فكرة "الاجتهاد" وقضى على مشروع بناء الدولة المعاصرة.  أن يكون القائد نخبوياً تنويرياً لا يعني أنه غير محترم من المجتمع.  "حب القائد" لا يعني شيئاً لدى الفرد أو المجتمع، المجتمع لا يبحث عن قائد ليحبه، إنما يبحث عن قائد ليخلصه من تخلفه، لقد حولت الشعبوية القائد من إنسان إلى إله متقاعد.  الحب لا يكون إلا للأم أو الزوجة أو الحبيبة أو البنت أو الابن... أما العلاقة التي تجمع الفرد بالقائد فهي علاقة تحقيق الـ"منفعة" الخاصة والعامة.  أن لا يحب مجتمعٌ قائدَه هذا لا يعني مطلقاً أن القائد على خطأ.  

وأعتقد أنه، ما دامت المجتمعات العربية والمغاربية يسودها التخلف وتنتشر فيها الأمية ويسودها الدين السياسي ويخترقها الفكر الاتكالي، فدور القائد التنويري غير المحبوب شعبوياً حاسم جداً، ومطلوب جداً، وبقدر ما يكون القائد متنوراً في مجتمع كمجتمعاتنا فإنه يكون في شبه عزلة، وبلغة واضحة يكون شبه منبوذ، ولكن عزلته ستبدأ بالتلاشي والتفتت بمجرد أن يشرع في تحقيق "المنفعة" العامة.  نحن لا نريد قائداً نحبه كالعشيقة ولا نرغب في قائد نعبده كالإله ولكننا نريد وطناً كالجنة التي وعد بها الآلهة العباد.  

لقد كان الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة قائداً متنوراً وجريئاً، استطاع أن يطرح أفكاراً اجتماعية متقدمة في مجتمع متخلف خارج من الاستعمار، وعلى الرغم من القوى الظلامية الدينية الغوغائية التي عارضت أطروحاته ووصلت إلى تكفيره، مستثمرة في الجهل والأمية الضاربة جذورها في المجتمع باستعمال خطاب ديني شعبوي معاد لكل ما هو عدالة ومساواة ومعاصرة، إلا أنه لم يتراجع، وهو الحقوقي المتخرج من جامعة السوربون المطلع على الآداب العالمية، فرافع ودافع بكل جرأة وقناعة عن أفكاره ومشاريعه المجتمعية كقانون الأحوال الشخصية الذي أعاد للمرأة التونسية كرامتها وإنسانيتها في مجتمع ذكوري، إننا اليوم وبعد مضي ما يزيد على ستة عقود، ها هي تونس وبفضل أفكار الحبيب بورقيبة التي كانت تبدو نخبوية وتغريبية وغريبة في وقتها قد عادت بالخير على تونس التي استطاعت إلى حد كبير أن تتقدم نحو السلم والمعافاة الاقتصادية والسياسية والثقافية والتعددية الإثنية بفضل قوة نسائها ورجالها الذين كانوا ثمرة الفكر البورقيبي.  

السعودية

إن صورة السعودي في المخيال العربي والمغاربي، هي صورة نمطية، على الأقل منذ اكتشاف البترول، وهي صورة محصورة ما بين صفة "الثراء"، مع أن المجتمع السعودي فيه طبقات اجتماعية متفاوتة كبقية المجتمعات العربية والمغاربية، وصفة "السلفي الديني" باعتبار أن بلده هي الأرض التي توجد عليها الأماكن الإسلامية المقدسة والأرض التي بها نزل الوحي، وهي صورة تم تسويقها من طريق الدعاة الذين ملأوا الدنيا بصراخهم وفتاواهم عبر قنوات التلفزيونات والإذاعات والتسجيلات والمنابر ولاحقاً وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت... 

والغرض من تسويق هذه الصورة النمطية (الثراء والسلفية المتحجرة) هو إقامة جدار أمام التطور، فالثراء الريعي هو توأم "الكسل" وعدو ثقافة  "العمل" والدين السلفي هو جدار ضد "التقدم"، ولعل الضحية الأولى في مثل هذه الوضعية هي المرأة والثقافة والفنون، وأعتقد أن تطور أي مجتمع لا يمكنه أن يتحقق إلا إذا تتحرر فيه المرأة لتصبح سيدة قراراتها وسيدة جسدها ومقررة مصيرها، ولن يتطور أيضاً إذا لم تتحرر فيه الثقافة والفن فتصبح حقاً من حقوق المواطن اليومية، وأعني بحقوق الثقافة حرية التمتع بالثقافة والفنون المحلية والعالمية أيضا، فالمواطن لا يكتفي بالعيش بثقافته المحلية فقط بل المرحلة تتطلب الاطلاع على ثقافات العالم التي هي كنوز إنسانية كبيرة، من موسيقى وأدب وغناء ومسرح وسينما وفن تشكيلي. 

ولعل ما صدر من قرارات في الفترة الأخيرة من قبل الحكومة السعودية ضمن خطة تنموية واجتماعية جديدة، والمرتبطة أساساً بالمرأة والثقافة، يمكن اعتبارها محاولة لإسقاط الصورة النمطية عن المواطن السعودي الجديد المرأة والرجل على حد سواء. 

القرارات الجريئة

إن فتح صالات العروض السينمائية وتنظيم حفلات موسيقية عالمية للمواطنات والمواطنين السعوديين لهو قفزة نوعية ضد "الصورة النمطية"، كما أن تحرير المرأة السعودية من فكرة "ناقصة عقل ودين"، ووضعها في موقعها الإنساني الذي يعيد لها كرامتها، وهو ما يلمس في قانون السماح لها بقيادة السيارة ثم باستخراج الوثائق الشخصية والسفر من دون ولي، كل هذه القرارات التي تعد جريئة لا تعود بالإيجاب على المجتمع السعودي وحده بل على العالم العربي والمغاربي برمته، حيث على الرغم مما كانت عليه المرأة من تطور في بعض الدول في الستينيات والسبعينيات إلا أن فقهاء الظلام الذين لا هم لهم سوى مهاجمة المرأة قد أثروا كثيراً في معركة التنوير، وتوازياً مع انتشار الإسلام السياسي المتطرف وتوسع تأثيره في المدرسة بخاصة فقد تراجع واقع المرأة العربية والمغاربية وظهرت ثقافة عنصرية وذكورية جديدة معادية للمرأة وبخطاب ديني.  

إن سقوط الصورة التقليدية النمطية للسعودي والسعودية، وبداية عصر التنوير في هذا البلد، ستكون له ارتدادات إيجابية على المنطقة العربية والمغاربية خاصة فيما يتصل بالحرية الفردية وتحرير المرأة واحترام الحقوق الثقافية، صحيح إن المعركة قد بدأت ولكن الطريق لا يزال طويلاً وشائكاً.  

المزيد من آراء