Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السينما منحت أعمال العمراني الإسباني غاودي مجدا إضافيا

من أنطونيوني إلى المبدع الياباني الذي عوض في برشلونة حسرته على دمار هيروشيما

كاتدرائية العائلة المقدسة تأخرت قرناً محتفظة بأسرارها (موقع الكاتدرائية)

من المخرج الإيطالي الكبير ميكائيل أنجلو أنطونيوني إلى زميله الأميركي وودي آلن، مروراً بعدد لا بأس به من سينمائيين وأهل تلفزة آخرين ومن بينهم واحد من أبرز السينمائيين اليابانيين، هيروشي تيشيغاهارا، اهتم أهل الشاشة كثيراً بالمشهد العمراني في مدينة برشلونة الإسبانية، ولكن غالبا طبعاً انطلاقاً مما صنعه عمراني تلك المدينة الكبير أنطوني غاودي في المدينة وتحديداً خلال الربع الأول من القرن العشرين. ولقد أسفر ذلك الاهتمام عن عدد من أفلام يمكن دائماً التوقف عند نحو 20 منها تتوزع بين روائية ووثائقية، بل روائية تصل إلى حدود الوثائقية والعكس بالعكس. صحيح أن العدد الأكبر من تلك الشرائط وما يزيد على عددها من أفلام تلفزيونية - الغالبية هنا وثائقية طبعاً وبعضها يشكل أجزاء من برامج تثقيفية عامة لم تتوقف التلفزتان الإسبانية والفرنسية عن إنتاجها وعرضها بنجاح -. ومع ذلك من بين تلك الشرائط التي تبقي ذكر غاودي حياً مقدمة من خلاله حكايات وقدراً كبيراً من المعرفة، ثمة ما جاء فيه ذكر غاودي عرضاً من خلال استخدام الأماكن التي ارتبطت باسمه كجزء من ديكور المدينة إن لم يكن من فولكلورها بأبسط المعاني كما يفعل وودي آلن مثلاً في فيلمه البديع الذي بالكاد مع ذلك، يمكن إدراك علاقته بعمران غاودي، "فيكي كريستينا برشلونا"، وذلك مقابل فيلم كبير لأنطونيوني صور جزء منه في برشلونة فاستخدم عمران غاودي فيه كجزء من البعد الدرامي للفيلم. وهذا الفيلم هو طبعاً "المهنة: مخبر" من بطولة جاك نيكلسون الذي يعيش أزمة هوية وجودية يفاقم منها في جزء من الفيلم وجوده في المدينة الإسبانية البديعة.

سينما لعبقرية غاودي

وفي المقابل يمكننا أن نتحدث عن عدد لا بأس به من أفلام تنتمي مباشرة إلى السينما الإسبانية ومعظمها أتى وثائقياً يركز على عبقرية غاودي وإبداعه ولا سيما من خلال المشروع الأشهر بين تلك المشاريع العديدة التي خاضها، وليس هذه المرة في برشلونة وحدها وإن كان مشروع برشلونة الكبير والمعروف بكونه واحداً من أشهر المشاريع العمرانية في العالم والتي "تتميز" بكونها لم تنجز في حياة مبدعها. علماً أن هذا المشروع، ونتحدث هنا طبعاً عن كاتدرائية "العائلة المقدسة" ذلك الصرح المدهش الذي أراد فيه غاودي أن يلخص كل مفاهيمه وتصوراته العمرانية والفلسفية والجمالية، ولكن ها هو ذا قرن بأكمله قد مضى على رحيل ذلك المبدع الكبير والصرح لم يكتمل بعد. وهو ما تقوله لنا معظم الأفلام التي كرست، في السينما كما في التلفزة للحديث عن ذلك المشروع الذي يوصف عادة بـ"العجائبي" انطلاقاً من أساليبه العمرانية ولكن كذلك من تاريخيته، والذي كانت آخر الوعود الرسمية تتحدث عن أنه سينجز أخيراً في عام 2026 ولكن يبدو أنه سيتأخر عن ذلك الموعد! المهم أن اكتمال عمران "العائلة المقدسة" الذي سيعتبر حين يتم واحدة من المعجزات التي تكاد تكون إلهية، يشكل موضوعاً أثيراً للبرامج التلفزيونية العديدة التي لا تتوقف الشاشات الصغيرة عن بثها لتلقى قبولاً جيداً و"حسرة مريرة" من قبل المتفرجين فتزيد من أعدادهم المتدفقة إلى المدينة الرائعة، ولكن في هذا الإطار قد يكون من الضروري الإشارة إلى أكثر من فيلم روائي جعل من النقصان في اكتمال بناء الكاتدرائية موضوعاً له يضاهي مواضيع شرائط نهضوية تناولت أعمالاً عمرانية أو مجرد تشكيلية لبعض كبار النهضويين (مايكل أنجلو على سبيل المثال).

مبدع عجوز يتجول

ومن تلك الأفلام لعل في مقدورنا هنا أن نتوقف عند الفيلم الدرامي "أنطونيو غاودي، نظرة لا نظير لها" الذي يستعيد تحت إدارة جون ألايمو تاريخ غاودي من خلال تقديمه كمبدع عجوز يزور برفقة عدد من مريديه وطلابه تلك المباني العظيمة التي تحمل توقيعه في برشلونة بخاصة متحدثاً عن فنه العمراني من خلال تركيبة فيلمية مبتكرة، ولكن في السياق نفسه لن يفوتنا أن نتأمل في ثلاثة أفلام من النوع الذي يتراوح بين الوثائقي والروائي ومنها الفيلم الأحدث الذي حقق عن غاودي بصيغة تاريخية (2019) مكتفياً باسم العمراني الكبير عنواناً له، مقدماً خلال ما يقرب من ساعة تلخيصاً درامياً لحياة المبدع وإنجازاته الفنية والعلاقة بين هذين.

أسرار مرمية في التفاصيل

وإلى جانب هذا الفيلم الذي حقق نجاحاً كبيراً في إسبانيا في الأقل يمكن الحديث عن فيلم قد يكون وثائقياً من ناحيته لكن وثائقيته تلوح لنا على شيء من الغرابة الدرامية وبدءاً من عنوانه بالتحديد، "غودي كود" (2014) من كتابة وإخراج السينمائية الإسبانية دانيال بروسكار التي، وعلى الأرجح منطلقة من رواية الأميركي دان براون التخريفية "دافنشي كود" تتحدث تحديداً ولكن بين إنجازات أخرى لغاودي عن كاتدرائية "العائلة المقدسة" متوغلة في تاريخها وزواياها، محاولة التأكيد ولكن في لغة عصرية، على ما لا شك أنه كثيراً ما خطر على بال كثر من الباحثين الرؤيويين المشابهين لها للتأكيد، أو في الأقل للتساؤل حول، فرضية تقول إن غاودي ومن خلال النقوش والتفاصيل التي بقيت حتى اليوم من تراث ملأ به ذلك الفنان الكبير جدران وسقوف وأبراج الكاتدرائية وهو الذي كان مغرماً بالأرقام والإشارات والرموز والأسرار والمقاييس، إنما وضع في تلك التفاصيل التي تبدو للوهلة الأولى تزيينية، عالماً متكاملاً من الرسائل والغوامض وهو يأمل أن يتوصل البعض إلى تفكيكها يوماً.

لقد اشتغلت بروسكار على موضوعها بجدية وحرفية تليق بإبداعات غاودي التخييلية على رغم أنها حققت فيلماً وثائقياً. فهل تراها تمكنت في نهاية الأمر من إقناع مشاهدي فيلمها بصواب فرضيتها؟ ليس هذا مؤكداً، لكن المخرجة الطموحة قدمت مادة مثيرة للسجال وأعادت إلى المعماري الراحل قبل قرن ما كان هو يريده لنفسه: أن يكون مبدعاً غامضاً مثيراً لطرح الأسئلة أكثر منه حرفياً يهرع لتقديم الأجوبة.

مهما يكن من أمر، تقودنا هذه الإشارة إلى فيلم "غاودي كود" إلى عمل سينمائي آخر لم يقل عنه نجاحاً وإثارة للسجال وهو بالتحديد الفيلم الياباني الذي حققه هيروشي تيشيغاهارا بعنوان في منتهى البساطة والبداهة لكنه يخفي في ثناياه عمقاً لافتاً "أنطونيو غاودي". فالفيلم على مدى نحو ساعة من الزمن، يتفرد في كونه يصر على أن يروي حكاية المعماري الإسباني من وجهة نظر الجرح الياباني وفي مزج واضح بين حياة غاودي وحياة صاحب الفيلم وأبيه وحكاية دمار اليابان "غير المجدي"، إذ إنه تم بعد أن كانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رحلة مكوكية

وتبدأ حكاية هذا السينمائي الياباني، التي يرويها في الفيلم كجزء منه، من كونه ولد بعيد الحرب العالمية الثانية في بلده الذي كانت الحرب قد دمرت مدنه ولا سيما مدينتي هيروشيما وناغازاكي. ما طبعه بقوة خاصة أنه ابن لواحد من كبار المعنيين بالمسألة العمرانية، والده سوفي الذي سيصطحبه في عام 1959، كما يروي لنا بنفسه في مقدمة الفيلم في رفقة حاشية من المساعدين قصد دراسة تقنيات إعادة الإعمار في نيويورك. كانت الرحلة حاسمة في حياة الابن غير أنه لم يفهم تماماً لماذا رغب والده في طريق العودة أن يمر على إسبانيا ولا سيما على مدينة برشلونة، لكن الفتى لم يندم أبداً على تلك الزيارة وذلك لـ"أنني في تلك المدينة الإسبانية اكتشفت شيئاً سيبدل حياتي كلها. اكتشفت غاودي وعمرانه وكيف يمكنه أن يعيد إحياء مدينة بأسرها" كما سيقول في لحظة من لحظات الفيلم. والحقيقة أن تلك الزيارة ستبقى في ذاكرة الفتى ولا سيما حين سيخوض لاحقاً مهنتين لن يراهما أبداً بعيدتين عن بعضهما بعضاً: صنع الأفلام السينمائية من ناحية، وتناول شؤون الهندسة العمرانية من ناحية ثانية. ومن الواضح أن هذا ما قاده لاحقاً، وتحديداً في عام 1984 إلى تحقيق هذا الفيلم عن غاودي تحديداً، والذي اعتبره المهتمون بعمل غاودي من أفضل ما حقق عن هذا الأخير من أفلام، وذلك لأن مبدعه عرف فيه كيف يقوم برحلة بين المدن اليابانية المدمرة، والعمران الذي أبدعه غاودي. رحلة ما كان من شأنها إلا أن تطرب غاودي وتعطي فنه ذلك البعد الأممي الذي كان يتطلع إليه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة