Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هنا الخرطوم... فسحة من الأمن يضيقها شبح الجوع

عمليات تمشيط واسعة من الجيش للعاصمة يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس

معظم الأسواق والمحال ومحطات الوقود لا تزال مغلقة في العاصمة السودانية (الخرطوم)

بينما لا تزال المعارك العنيفة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" تتواصل بمدن العاصمة السودانية الثلاث، بدءاً من سلسلة غارات الجيش الجوية على مواقع وتمركزات "الدعم السريع"، وصولاً إلى القصف المدفعي المتبادل بين الطرفين، إلا أن الرقعة الآمنة في مواقع عدة بالخرطوم بدأت تتسع.

اتساع تدريجي للأمن يرتبط بعمليات تمشيط واسعة تنفذها قوات العمل الخاص بالجيش السوداني، والتقطت مناطق وأحياء عدة بالعاصمة أنفاسها، خصوصاً أحياء أبوسعد والفتيحاب وكامل محلية كرري ذات الكثافة السكانية العالية، مع تحرك نسبي لعجلة الحياة في بعض الأسواق، وتحديداً مع معاودة أقسام الشرطة إلى مزاولة عملها في محلية كرري، غير أن العاصمة السودانية ما زالت تعيش أزمة إنسانية تضيق الخناق عليها ويحاصرها شبح الجوع يوماً بعد يوم، في ظل انقطاع المعونات الإنسانية الغذائية.

الجوع يزحف

مواطنون وتجار من داخل العاصمة السودانية تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" قالوا إن معظم الأسواق والمحال ومحطات الوقود لا تزال مغلقة، في وقت يتراوح فيه سعر غالون الوقود من البنزين شبه المعدوم بين 50 و85 دولاراً أميركياً بالسوق السوداء.

ويلاحظ المواطنون أن كثيراً من البضائع والسلع المطروحة للبيع في بعض المناطق على أطراف الأسواق والبقالات هي إما سلع مسروقة من مخازن بعض الشركات والمصانع، وإما أنها كانت مخزنة لفترة طويلة من قبل بعض التجار قبل نشوب الحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المواطن بشير علي مختار، أحد الموجودين داخل الخرطوم من منطقة أمبدة بأم درمان، قال إنهم يواجهون ظروفاً إنسانية غاية الصعوبة والخطورة ويتناولون وجبة واحدة في اليوم تطهى على الفحم هي في الغالب من العدس أو الفول، ويصعب الحصول عليها كل يوم، ومع ذلك فهم مروعون كل يوم بأصوات الرصاص والمدافع، ويتزامن كل ذلك مع انعدام السيولة النقدية بين يدي الناس وقطوعات الكهرباء والمياه والغاز.

يضيف مختار "لقد صمدنا كثيراً ما يقارب 100 يوم حتى الآن، ومع قوة إيماننا بمشيئة وأقدار الله تعالى، لكن قدرتنا على التحمل تتضاءل كل يوم، وسينهار كل شيء قريباً إذا ما تواصلت تلك الظروف البائسة والموت المحدق كل لحظة جراء تصاعد القصف والقتال المتبادل بين الطرفين".

نحو الأسوأ

في مواجهة الندرة الحادة في غاز الطهي الذي تجاوز سعر الأسطوانة الواحدة منه بالسوق السوداء ما يعادل 50 دولاراً أميركيا، لجأ عدد من سكان أحياء العاصمة إلى استخدام الحطب والأخشاب وقوداً لطهي الطعام، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في سعر الفحم النباتي، ضمن الظروف المعيشية التي خلفتها الأحداث بالخرطوم.

يشكو التاجر بمنطقة جنوب أم درمان علي الأمين بانقا من أن الوضع المعيشي ينحدر إلى الأسواء وتتزايد بشكل مطرد ندرة السلع الغذائية، بخاصة المصنعة أو المعبأة بشكل مأسوي غير محتمل ينذر بتفاقم مرتقب للأزمة الإنسانية مع تطاول أمد الحرب أكثر فأكثر، منوهاً إلى أنه إذا استمر وضع المعارك الحالي مع ما سببته من توقف لعجلة الإنتاج، فإن شظف العيش الذي يهدد الناس حالياً سيتحول قريباً إلى موجة من الجوع.

بانقا قال إن "الندرة الحادة التي يشهدها كثير من السلع تهدد باختفائها التام عن الأسواق والبقالات في وقت قريب، إذ دخل عديد من أصناف الخضراوات والفواكه إلى دائرة الشح والعدم، مثل الموز والبرتقال والعنب والتفاح والزبيب، علاوة على الكوسا والخيار والبامية والخس والفجل وأخرى من المكونات الطازجة التي فقدتها المائدة هذه الأيام، كما اختفت من الأسواق المنتجات النشوية كالمعكرونة والشعرية والطحينية والبسكويت والمربى والأجبان والمياه المعدنية والزيتون وحلويات الأطفال".

منتجات أخرى، بحسب بانقا، تتأرجح بين الانعدام والارتفاع الجنوني لأسعارها، مثل اللحوم ومواد البقالة التي سجلت ارتفاعاً كبيراً وصل فيه سعر كيلو لحم الضأن إلى ما يوازي 91 دولاراً أميركياً، بينما تشهد لحوم الدواجن شحاً يصل إلى درجة العدم، مع ارتفاع خيالي في أسعار الخضراوات المتاحة.

وسجل سعر الكيلوغرام الواحد من الطماطم والخيار ما يوازي 36 دولاراً أميركياً، بينما كيلو البامية 127 دولاراً، وقفز سعر البصل الأبيض إلى 34 دولاراً، وكذلك الليمون والبطاطا والباذنجان في حدود 19 دولاراً للكيلوغرام الواحد.

جلد فريق طبي

في القطاع الصحي، حذرت منظمة "أطباء بلا حدود"، من أن تزايد الهجمات وتصاعد العنف على العاملين بالقطاع الصحي تهدد المستشفيات المتبقية العاملة في الخرطوم، ما قد يدفعها إلى إعادة التفكير في وجودها بالعاصمة السودانية مع استمرار القتال العنيف.

وقالت المنظمة، في بيان لها، إن العنف المتزايد ضد أولئك العاملين يعرض المستشفيات القليلة التي لا تزال مفتوحة في الخرطوم للخطر، وذلك بعد أن تعرض فريقها العامل بالمستشفى التركي جنوب العاصمة لهجوم جسدي بالضرب والجلد على أيدي رجال مسلحين نهاية الأسبوع الماضي.

مع الشح في معظم الأدوية وصعوبة الوصول إلى أماكن العلاج القليلة إثر خروج أكثر من 70 في المئة من المستشفيات والمرافق الصحية عن العمل، تفتح الصيدليات الموجودة داخل الأحياء لمدة ست ساعات فقط نهاراً، في وقت ما زال فيه كثير من الأدوية يصعب الحصول عليها إلا بعد رحلة بحث شاقة ومحفوفة بالمخاطر وأصبح انعدامها الكامل وشيكاً، وفق الصيدلاني برير النور حمدان، الذي أوضح أن مستلزمات الأطفال الصحية والنسائية باتت معدومة تماماً.

تبخر الرواتب

بينما دخلت الحرب شهرها الرابع، لا يزال الموظفون السودانيون يخوضون عبر التجمعات المهنية والنقابية معركة صرف المرتبات المقطوعة عنهم للشهر الرابع على التوالي، إذ باتت مئات الأسر التي تعتمد كلياً في تدبير سبل عيشها على الرواتب الشهرية مواجهين ومثقلين بالديون، ولم يعد بإمكانهم توفير وتلبية حاجاتهم الضرورية من الغذاء والعلاج أو حتى سداد أجرة المنازل التي تؤويهم.

وعمقت تصريحات وزير المالية والاقتصاد الوطني السوداني جبريل إبراهيم اليأس في نفوس الموظفين في شأن مصير الرواتب حين عزا أسباب تأخر سدادها إلى انهيار الشبكة المصرفية وأسباباً تتعلق بعدم توفر السيولة النقدية في ظل ظروف الحرب، مما وضع الموظفين وكذلك فئة أصحاب المعاشات أمام خيارات صعبة من بينها الاستمرار في الاستدانة أو بيع المقتنيات الشخصية، وحصار الفقر والجوع.

وفي شأن ندرة المنتجات الزراعية والحيوانية وجنون أسعارها، قال المدير العام بوزارة الزراعة والثروة الحيوانية بالخرطوم سر الختم فضل المولي إنه على رغم إسهام القطاعات الإنتاجية التي لم تتأثر بالحرب في توفير المنتجات الزراعية والحيوانية كالخضراوات والفاكهة والألبان والأعلاف والبيض واللحوم، لكن الشح والندرة يعود إلى تعذر وصولها إلى الأسواق من مناطق الوفرة، حيث تنخفض أسعارها هناك، لكنه أرجع انعدام لحوم الدواجن لاعتمادها على مدخلات إنتاج تورد من خارج البلاد يتعذر توفيرها محلياً، مشيراً إلى أن القدر الحالي المتوفر من الدواجن بالأسواق عبارة عن مخزون مبرد لبعض شركات الإنتاج.

وقال فضل الله خلال لقاء جمعه ووالي الخرطم المكلف أحمد عثمان حمزة إن توفير مدخلات الموسم الزراعي الصيفي القادم من بذور وتقاوي وأسمدة يعتبر التحدي الرئيس الذي يواجه هذا القطاع، معلناً أن وزارته ستتواصل مع عدة جهات في إطار السعي إلى توفير تلك الحاجات.

تحذيرات أممية

من جانبها، حذرت المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي سيندى ماكين من أن التداعيات ستكون مدمرة للسلام والاستقرار في منطقة تواجه بالفعل تقلبات مناخية شديدة وانعدام الأمن وتدهور اقتصادي، مبينة أنه "مع تزايد الحاجات في دولة تشاد لم يعد التمويل مواكباً، في ظل حاجة البرنامج العاجلة إلى 157 مليون دولار للوصول إلى المحتاجين".

ودعت ماكين، في بيان لها أمس الجمعة، إلى زيادة التمويل للاستجابة الإنسانية في السودان، مشيرة إلى تأثير الأزمة في هذا البلد على الجوع والهجرة عبر غرب ووسط أفريقيا. ونوهت إلى أن المجتمع الدولي أمام نقطة حاسمة وعليه التحرك الفوري لمنع تشاد من أن تصبح الضحية الأخرى لهذه الأزمة التي عصفت بالمنطقة.

ووصف وكيل الأمين العام للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر كزافييه كاستيلانوس الأوضاع الإنسانية في الخرطوم بأنها تتجه من سيئ إلى أسوأ، وتتدهور أوضاع المدنيين الذين لم يستطيعوا مغادرة المدينة وسط إغلاق عديد من مقار المنظمات الإنسانية وتعرضها للنهب والسرقة.

قلق وعواقب

وقال كزافييه في مؤتمر صحافي إن الأزمة في السودان تفتقر إلى تمويل الاستجابة بشكل مثير للقلق، ربما يؤدي إلى عواقب إنسانية وخيمة، على المتضررين في هذا البلد ودول الجوار، مشيراً إلى تلقي الاتحاد سبعة في المئة فقط من جملة كلفة النداء الإنساني البالغة 60 مليون فرنك سويسري (69 مليون دولار أميركي)، محذراً من المخاطر الصحية والبيئية صعوبة وصول المساعدات التي يتوقع أن يسببها موسم الأمطار الذي بدأ بالفعل.

واندلعت المعارك العنيفة في الخرطوم بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وأسفرت عن آلاف القتلى والجرحى ونزوح أكثر من ثلاثة ملايين شخص، بينما لا يزال ملايين آخرون عالقين في خضم الصراع ممن لم يتح لهم سوى البقاء في منازلهم.

ووضعت عدة مناطق في السودان على مشارف كارثة إنسانية تتصاعد حدتها كل يوم، وباتت على شفا الحرب الأهلية بعد تمددها إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير