استعادة  الشاعر ابن الحجاج البغدادي... "خفة روح زمانه" وهاجي المتنبي

حقق ديوانه سعيد الغانمي في 4 مجلدات انطلاقا من مختارات الشريف الرضي

غلاف ديوان ابن الحجاج البغدادي (إندبندنت عربية)

في خطوة لنشر كنوز التراث العربي الْمُغفلة والمطمورة في المخطوطات النادرة نشر أخيراً ديوان الحسين بن الحجاج البغدادي في أربعة مجلدات بتحقيق سعيد الغانمي. لكن الكنز هذه المرة ليس ذا ديباجة بلاغية معتادة في الشعر العربي، وهنا مكمن نفاسته! فابن الحجَّاج شاعر من القرن الرابع الهجري الزاخر من بدئه حتى منتهاه بشعراء من مدارس واتجاهات مختلفة، كالمتنبي والمعري والرضي، وسواهم من شعراء الفخامة والموضوعات الكبرى، وإزاءهم شعراء الظرف والسخف، وابن الحاج أبرزهم، إضافة إلى «ابن سكرة» و«ابن لنكك» في بغداد و«أبو الرقعمق» في الشام وسواهم. لكن معظم شعر ابن الحجاج ظل مجهولاً لقرون، رغم أن مصادر التراث تجمع أن ديوانه في عشر مجلدات، كل ما وصلنا منه مختاراتٌ ونتفٌ توزَّعتْ بينَ بطون كتب التراث. وقد جمع الشريف الرضي مختارات من شعره في كتاب سماه «الحَسَن من شعرِ الحُسين» حاول فيه استخلاص ما سمَّاه "النظيف من السخيف" ولم يحقَّقْ بعد، وكتاب «درة التاج من شعر ابن حجاج» وهي مختارات اختارها البديع الأسطرلابي وحقَّقها الراحل علي جواد الطاهر كجزء من رسالته لنيل(الدكتوراه من جامعة السوربون بباريس عام 1956 ولم يتح له أن ينشر إلا قبل سنوات  و«تلطيف المزاج من شعر ابن الحجاج» وهي مختارات أخرى اختارها جمال الدين بن نباتة وصدرت في تونس قبل سنوات. من هنا فإن تحقيق ثلاثة ارباع الديوان في أربعة مجلدات ضخمة في أوَّل تحقيق لشعر هذا الشاعر، لهو إنجاز يسجَّل للناشر، وجهد أصيل يحفظ للمحقَّق.

وابن الحجَّاج شاعر من عصر المتنبي، وتلك محنة أخرى! ففخامة شعر المتنبي وديباجة شعره المسرفة في المتانة، جعلته يطوي تحت جناحيه عشرات الشعراء في عصره، وإذا كان المتنبي شاغل دنياه ومالئ زمانه فإن ابن الحجاج "خِفَّة روح الزمان" كما وصفه الشريف الرضي، وله في المتنبي أهاج كثيرة مقذعة إذ يسخر من انشغال الناس بشعره:

كفُّوا عَنِ الْمُتَنبِّي         فإنَّه قَدْ تنبَّهْ

يَا شَاعِراً مَا يُسَاوِي         طَرْطُورُه نِصْفَ حَبَّهْ

حيث لا يرى فيه إلا شاعرَ حربٍ ومُدَّعي بطولة!:

يَا شَاعِرَاً عربيَّاً                يُجيدُ للحَرْبِ وَصْفَا

يَا أطولَ النَّاسِ رُمْحا وأسبقَ الخَلْقِ طَرْفَا

وهو ليس سوى شاعر يجولُ بمدائحه على الأمراء، كما كان يتجول على جمله المحمَّل بجرار الماء ليسقي العامة في الكوفة:

عَاشَ حِيناً يَبيعُ في الكُوفةِ الماءَ              وَحِيناً يَبيعُ ماءَ المُحَيَّا

ولم يردّ المتنبي على تلك الهجائيات الكثيرة ببيت واحد! فمن المتعذَّر تماماً على شاعر الحكمة الملحمي والديباجة الفخمة، واللغة العالية والعبارة المسبوكة أن ينزل مُسفَّاً إلى لغة سخف ونكتة وفحش ذات بلاغة مكشوفة وغاية في الكوميديا.

بغداد وزمن الصراعات

عاش ابن الحجاج في بغداد في ظروفٍ شديدة الشبه باللحظة الراهنة التي تعيشها المدينة، حيث يغلب على عصره طاعون روحي يتمثل في الطائفية والفساد، وحيث القمامة يصنعها البشر!، بل أنها الصورة المطمورة لحياتهم الأخرى، لكنهم يتفادونها ويشيحون بأبصارهم عنها ويغلقون أنوفهم وهم يمرُّون بها كلَّ يوم، أما ابن الحجَّاج فلم يكتفِ بتقليبها أمام الملأ بل لفَّها في إهاب الشعر:

تَرَاني سَاكِنَاً حانوت عطرٍ         فإنْ أنْشَدْتُ ثارَ لكَ الكَنِيفُ

لذا لا غرابة أن يكون شعره مليئاً بالقذارات والروائح الكريهة، فالعالم ليس محض مكان جميل ويوتوبي فاضل، لكنه ذو وجهٍ آخر قبيح وديستوبي، فكأنه أراد إظهار نتانة الفساد والتفسخ المؤسساتي والاجتماعي في عصره، فعصور كهذه لا تبدو جديرة بغير هذا اللغة الفجَّة، رغم أن ثمة من يلجأ إلى الإشادة بالجمال بوصفه مضاداً للقبح، مُتجنِّباً الانخراط في عالم قذر كما فعل المتنبي، وثمة من لجأ إلى تحريك تلك النفايات أمام الملأ ليعلن فساد العالم من حوله، وهو ما فعله ابن الحجَّاج محاولاً أنْ يجعل مما يبدو قبيحاً ومرذولاً في أذهان النخبة وأذواقهم، ظريفاً وجذاباً في الشعر، فجعل من السخف تهكماً ظريفاً، ذلك أن الشاعر بمعتقده ليس بائع عطور أو متنزهاً في حديقة تتضوع بعطر الورد، لكنه "زبَّال" يبحث في القمامة عن نفايات البشر: التاريخ المحجوب لعوالمهم السرية!

وَمَنْ كَانَ يَحْوي العِطْرَ دكانُ شِعْرِه         فإنِّيَ كنَّاسٌ وَشِعريَ مخرَجُ

بل نجده يُنظِّرُ لهذا السخف في شعره ويرى أنه لا غنى عنه في الحياة مثل وجود الحمام في المنزل:

وَشِعْري سخفُه لا بدَّ منهُ         فقدْ طِبنا وزالَ الاحتشامُ

وهلْ دارٌ تكونُ بلا كنيفٍ         فيمكنُ عاقِلاً فيها المقامُ؟

والواقع أن شعره ليس مجرد حمَّام منزلي، بل هو حمَّام عام، يشبه تلك الحمامات المعاصرة المليئة بالكتابات القذرة التي كتبها مهوسون مجهولون دون أن يتركوا توقيعاً صريحاً!:

شعري الذي أصبحتُ فِيْهِ         فَضِيْحةً بينَ الْمَلا

لا يَسْتَجيبُ لِخاطِري         إلَّا إذِا دَخَل الخَلا

سخف ابن الحجَّاج، يمثل بلاغة أهْل القاع، وطرائف العامة والرعاع، ومن خلاله يرسم صورة بشعة للعالم السفلي إزاء عالم البلاط النخبوي الذي اكتظت به كتب الأدب العربي، لذا فإنَّ لغة هذا الشاعر لغة فضيحة، وليست فصيحة. فهو يسخر من كتاب «الفصيح» لثعلب:

إنْ عابَ ثعلبُ شِعْري         أو عابَ خِفَّةَ رُوحي

خريتُ في بابِ «أفعلتُ» من كتابِ الفَصيحِ

وتعدَّتْ سخريته من الألفاظ الفصيحة وميله للألفاظ القبيحة، إلى سخرية من علماء العروض، والبحور الشعرية فمعرفتها ليستْ سوى فضول كما في هذين البيتين اللذين يَرِدان في كتب الأدب ولم أجدهما في ديوانه المحقَّق:

مُستفعلنْ فاعلنْ فعولُ مَسائل ٌكلُّها فُضُولُ

قدْ كانَ شِعرُ الوَرَى صَحِيحاً مِنْ قبلِ أنْ يُخلقَ الخَليلُ

معجم ساخر

ومعجم ابن الحجاج مستمدٌّ من كتابٍ له ضاع هو الآخر عنوانه «مُشاتمات أهل الخانات» ويعد مصدره الأساسي في شعره حيث يقارن نفسه في مقدِّمته التي نقلتها لنا كتب التراث بأنه «أصمعي» تلك الخانات بمعنى إنه استقى معجمه الكوميدي الغريب من نزلاء الخانات مثلما استمدَّ الأصمعي الفصاحةَ من أهل البادية: «كان أبي أباع مُستغلاتٍ له متصلةً بدوره، فابتاعها قومٌ فنقضوها وبنوها خاناتٍ، أسكنوها الشحاذين والغرباء السّفَل، وذوي العاهات المكدِّين...، فكنت أسمع في ليالي الصيف خاصةً، مشاتمات رجالهم ونسائهم فوق السطوح، ومعي دواةٌ وبياضٌ، أُثبِتُ ما أسمعُهُ، فإذا مرَّ بي ما لا أفهمه، أَثبتُّه على لفظه واستدعيتُ من غدٍ مَنْ قد سمعت منه ذلك، وأنا عارف بلغاتهم لأنهم جيراني، فأسأله عن التفسير وأكتبه، ولم أزل أصمعيَّ تلك البادية مدَّة»

وهكذا فإن مصادره الشعرية سواء على صعيد الموضوعات أو اللغة أو البلاغة، لم تصدر عن كتب الأدب وعيون الشعر العربي، بل عن لغة العامة، ومصطلحات المكدِّين المشرَّدين من «بني ساسان» الذين يتصفون بممارسات طقوسية خاصة وحياة جوَّالة ولغة غامضة يقتربون فيها من العوالم السرية للغجر. كما يحفل شعره بمشهدية غرائبية من أجواء الاحتفالات: الأعياد والموالد وعاشوراء والنيروز، في مدينة قلقة الهوية في ذروة عصرها الكوزموبوليتي، هذه الأجواء، مقترنةً بلغته المكشوفة، تذكِّرُ بما سماها ارسطو إرهاصات الأشكال المبكرة للكوميديا.

وتكتسب الدراسة المطوَّلة التي قدَّم بها الغانمي لتحقيقه للديوان، أهميتها من نزعة التحليل والمقارنة والاستنتاج فهي تربط شعرية السخف، لدى هذا الشاعر الظريف، بظروف عصره المعقَّدة التي عاش فيها أولاً، وفي تكوينه الظريف الممتنع عن كلِّ رزانة، كما تدرس التناقض اللافت بين عالمين لدى هذا الشاعر المتفرِّد أو بالأحرى بين ليله ونهاره: عالمه المعلن وعالمه السري، بل الشعري، بين كونه موظفاً في دولة الخلافة حيث كان يعمل في «ديوان الحسبة» وهي مؤسسة أخلاقية شرعية، وتمثل الرقابة الرسمية، التي تحافظ على التقاليد في المجتمع ومراقبة الأسواق، وبين عالمه الشعري الذي يطيح بكل تحفظ ممكن ويسفِّه كلَّ القيم المعتادة في الأخلاق والآداب العامة.

ترتبط تجربة ابن الحجَّاج، بتجارب الهامشيين والمنشقِّين، وأصحاب اللغات السرية في الأدب العربي، من شعراء العصور المتأخرة: العيارين والشطَّار وشعراء الكِدية، والشعراء اللصوص في العصور المتقدمة في الشعر العربي، لكنها تبدو أقرب إلى شعراء الظرف، فشعره أقرب إلى مدرسة أبي نواس، ليس في مجون المثلية والخمريات والتهتك، وإنما في مجون من نوع آخر، ذكوري صريح على الأغلب، فهو يطرق عالماً محظوراً آخر، ومهملاً في ميله إلى خصائص اللهجة البغدادية بما تُظهره من بساطة وظرف وما تستبطنه من عمق وخطورة، فنجح في تحويل «المزبلة إلى متحف» بوصف الغانمي، فصنع أغراضاً مضادة للأغراض التقليدية المعهودة في الشعر العربي، وهو بهذا المعنى مبتكر على صعيدي الشكل والمضمون الشعريين، في البناء الزاهد بالديباجة الفخمة وفي اللغة الخارجة على المعهود من ثوابت الأسلاف، والصور الغريبة غير المطروقة، وشأنه شأن أبي نواس فقد تخلَّى عن المقدمات التقليدية في الشعر العربي، فهجر المقدّمة الطللية، والمقدمة الغزلية، وأحالَ الأخيرة، إلى استهلال نوعي مختلف، عبر ما يسمِّيه الغانمي «المقدمة الشبقية» بما تنطوي عليه من التباهي بالسخف وتمجيد الرقاعة والوضاعة! إزاء الفخر والعنفوان اللذين طالما زخر بهما الشعر العربي.

المزيد من ثقافة