"أحزاب بوتفليقة" تعود إلى المشهد السياسي في الجزائر

تمكنت من إعادة إنتاج نفسها بعد استيعاب صدمة الحراك مستفيدةً من انقسام المعارضة

تجاوزت أحزاب الموالاة في الجزائر العزلة التي عانت منها منذ بداية الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط). وبعدما أفسحت المجال أمام الشارع والمعارضة، عادت بقوة خلال الأسابيع الماضية عبر طرح مبادرات سياسية للخروج من الأزمة وإبداء آراء في خصوص مختلف القضايا الراهنة وتقديم تصريحات وتوجيه انتقادات في مواضيع عدة، ما جعلها تسيطر على المشهد العام في البلاد على حساب تراجع المعارضة التي كانت إلى وقت قريب، "تُغضب" قائد الأركان بمواقفها وشروطها وتصريحاتها.

مبادرات سياسية

وقدم كل من حزب جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي، أقوى وأكبر أحزاب السلطة، مبادرات سياسية للخروج من الانسداد، بعد انسحاب شبه كلي للموالاة من الساحة جراء حبس زعمائها بتهم الفساد، وما تبع ذلك من مخاوف استهدافها من الشارع الذي طالب بحلها، وبعدما طردتها قوى المعارضة من كل المبادرات السياسية المطروحة، لكونها من المتسببين بالأزمة. فقد أطلق الوطني الديمقراطي مبادرة تحت عنوان "التحول الجمهوري"، بينما حشد جبهة التحرير، الأربعاء 7 أغسطس (آب) 2019، نحو 800 من إطاراته بغية الإعلان عن مبادرة الحزب.

ذكاء الموالاة

 أستاذ العلوم السياسية رابح لونيسي، اعتبر في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن السلطة تعتمد على الوقت لامتصاص صدمة الحراك، ثم العودة إلى الساحة من خلال الانتهازيين الذين بدأوا يظهرون بمبادرات ومنتديات للشباب والنخب والمثقفين وغيرها، وتحت غطاء أنهم من الحراك، باعتبارهم من ضمن الدرجات الثانية والثالثة في أحزاب الموالاة، وغير معروفين لدى الشعب، مما سهل عليهم خداعه، وتابع أن "هؤلاء لعبوا دوراً خطيراً في تحريف الحراك عن بعض مطالبه، ومنها مطلب حل أحزاب الموالاة، خصوصاً جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي، وكل ذلك بدعوى أن الحراك يجب ألا يكون إقصائياً".

وأعرب لونيسي عن اعتقاده بأن أحزاب الموالاة تمكنت من إعادة إنتاج نفسها بعد صدمة الحراك بالقبض على رؤسائها واستبدالهم بآخرين، كانوا من الداعمين للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقد ساعدهم في ذلك انقسام المعارضة وعدم قدرتها على التوصل إلى طرح واحد وتوافقي في ما بينها، مشيراً إلى أن أحزاب الموالاة لعبت دوراً كبيراً في إثارة نقاشات أيديولوجية وهوياتية داخل الحراك. وأضاف أن الحراك لم يستفد من دروس ما بعد 1988، حين اعتقد كثيرون أن الحزب الواحد، جبهة التحرير، قد انتهى، ليعود بقوة في ما بعد.

لا للإقصاء

ورفض حزب جبهة التحرير محاولات إقصائه عن الحوار الوطني وتهميشه. وأكد أمينه العام محمد جمیعي أن الحزب لن يترك الجزائر في أيدي هواة السياسة في مثل هذه الظروف الصعبة والحاسمة، قائلاً إن الحل الوحيد للخروج من الأزمة هو الحوار الذي لا يُقصي أي طرف، وتنظيم انتخابات رئاسية نزيهة. وذكر أن بعض أعضاء لجنة الحوار وأحزاب من المعارضة، يحاولون تحميل الحزب الحاكم مسؤولية الأزمة التي تشهدها البلاد، و"قد أُبعد كل المسؤولين الذين أسهموا في الأزمة استجابة لمطالب الحراك الشعبي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويجتمع حزب جبهة التحرير على مدار يومين بحضور 800 اطار، من أجل مناقشة الوضع ودراسة سبل حل الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، ومن المنتظر أن تُختتم الاجتماعات بالإعلان عن مبادرة سياسية لإنهاء الأزمة.

التحول الجمهوري

وطرح التجمع الديمقراطي مبادرة سياسية للخروج من الأزمة بعنوان "التحول الجمهوري"، دعا من خلالها إلى تجسيد مطالب الشعب. وأكد أمينه العام بالنيابة، عز الدين ميهوبي، خلال لقاء صحافي الأربعاء، أنه لن يقبل بإلغاء التجمع الديمقراطي من الخريطة السياسية بحكم الإقصاء، واصفاً ذلك بـ"الشعبوية والمزايدة".

واعتبر أن المبادرات المطروحة جادة، لكنها تفتقد إلى الشجاعة وتحمل بوادر الفشل المسبق نتيجة إقصائها بعض الأطراف، وافتقارها إلى آليات ناجعة للتطبيق واتسامها بغموض الرؤية المستقبلية، مشيراً إلى أن شباب الحزب شاركوا في الحراك الشعبي منذ بدايته، وأنه حان الوقت لمراجعة كثير من أساليب الممارسة المعتمدة في السابق، والانفتاح على كل  المبادرات.

الإعلام يتعمد "إخفاء" المعارضة

يعتبر لونيسي نشاط أحزاب الموالاة تشويشاً على مبادرات المعارضة، وقد ساعدها إعلام تابع للسلطة. ويقول إن المعارضة لم تختف، بل الإعلام الخاضع للسلطة هو من يتجنب الحديث عن نشاطاتها، سائلاً: "لماذا لا يتحدث الإعلام عما تقوم به قوى البديل الديمقراطي من اتصالات مع الأحزاب تحضيراً للقاء وطني؟"

وتعزو أطراف متابعة للوضع في البلاد أسباب "اختفاء" المعارضة إلى الخطاب الأخير لقائد الأركان أحمد قايد صالح، حين دعا إلى ضرورة إبعاد الحوار عن أسلوب الشروط المسبقة التي وصلت إلى حد وضع الإملاءات، في إشارة إلى الاشتراطات المسبقة التي طرحتها قوى المعارضة والبديل الديمقراطي قبل الشروع في أي حوار سياسي، ورفعتها لجنة الحوار والوساطة إلى رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، فوصفها قايد صالح بـ"الأفكار المسمومة التي بثتها العصابة وتبنتها بعض الأصوات التي تدور في فلكها".

المزيد من العالم العربي