بنك إنجلترا المركزي يحافظ على استقرار أسعار الفائدة مع اقتراب العاصفة

تراوح لجنة السياسة النقدية مكانها لأنها مثل الجميع متوجسة من فوضى بريكست

أضاف التقرير الأخير الذي عرضه مارك مارني، رئيس بنك انجلترا، مزيداً من المخاوف بشأن المستقبل الاقتصادي والسياسي للمملكة المتحدة (وكالة رويترز)

"سيداتي وسادتي... ها قد غصنا رسميّاً في الوحول".  

لا شكّ أنّ هذا الكلام لن يصدرعن بنك إنجلترا المركزي.

في المقابل، هذا ما عناه محافظ البنك المركزي مارك مارني عندما أعلن عن تصويت "لجنة السياسة النقدية" التابعة للبنك بالإجماع لصالح إبقاء أسعار الفائدة على حالها من دون تغيير، وسط أجواء تنذر بهبوب عاصفة اقتصادية. وجاء تقييمه للوضع مغلّفاً بكلمات من نوع "تجذّر عدم اليقين" و"تراجع الاستثمارات في قطاع الأعمال"، إذ تكشف استطلاعات الرأي التي يجريها البنك عن قلق الناس وتخوّفهم. وبصورة عامة، يضطر حُكّام المصارف إلى انتقاء كلماتهم بعناية شديدة لأن كل حرف ينبسون به يخضع للفحص والتدقيق لاحقاً على يد جماعات من المحلّلين والمعلقين الذي يبحثون عن أدنى إشارة على التوجهات السياسية القادمة كي يستطيعوا تقديم المشورة السديدة إلى مدرائهم. من ناحية اخرى، ثمة ما ينمّ عنه حديث كارني فعلياً حين يذكر إنه أمام الاقتصاد "عدد كبير من الاحتمالات والطرق" التي سيحددها "المنحى الذي يسير عليه بريكست". ويعني ذلك أن المحافظ وأصدقاءه لا يعرفون عن مآل تلك المسألة أكثر مني ومنكم. وجلّ ما يعرفونه يتمثّل في أنه مع مرور الأيام، تتضّح وعورة المسار.

وتوضيحاً، كرّر كارني تأكيده على أن توقعات البنك وتقديراته ما زالت تستند إلى سيناريو التوصّل إلى اتفاق حول بريكست، إذ يمثّل ذلك الموقف السياسي الرسمي للحكومة حتى الآن... تقريباً. من ناحية اخرى، تراجعت تلك التوقعات، وانعكس ذلك في ظهور بوادر من الجمود والتشنج في الاقتصاد البريطاني نتيجة للحيرة الكبيرة التي تسود البلاد.  في تلك الأثناء، بذل كارني والحلقة المقربة منه، أقصى الجهود كي يضمنوا قدرة النظام المصرفي على التكيّف مع صدمة الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، إذا حدث ذلك مثلاً. إذ تبدو الملاءة المالية للبنوك الكبيرة جيدة وملائمة. واستناداً إلى ذلك، يحدونا الأمل بأن نستطيع تفادي أزمة كتلك التي عصفت بمجموعة "رويال بانك أوف سكوتلاند" وتكرار فوضى "هاليفاكس بانك أوف سكوتلاند"، في حال انفجرت الأمور بفضل توغّل حزب المحافظين في غلوائه القومية واعتزامه سحب البلاد من الاتحاد الأوروبي، وإدخالها في عاصفة تخيلاته الجامحة. من ناحية اخرى، يبدو الأمر مختلفاً مع المصارف الصغيرة. وبالنسبة لها، فإنّ القلق واجب لا بعضها يظهر بوادر الإنهاك. وتذكيراً، برهن لنا مصرف "نورذيرن روك"، إنّه يكفي أن ينهار مصرف صغير كي تعمّ الفوضى.في الأقل، ثمة شيء جيد ويتمثّل في أنّ المستهلكين يتصرفون "بحذر"، بمعنى أنهم لا يستدينون مبالغ كبيرة لتمويل إنفاقهم، ويضعون بعض الفتات أمام كارني وزملائه.

في المقلب الآخر من تلك الصورة، يبدو أنه ليس سوى قليل من العزاء أمام المستهلكين، إذ ليس لهم سوى الصلاة والتأمل بوقوع ما يحيد السفينة البريطانية عن مسارها ويبعدها عن جبل الجليد الذي تتوجه نحوه، لأنه في حال اصطدامها به سيضطرون إلى التعامل مع أزمة شرسة. إذ يتراجع الجنيه الاسترليني يومياً، وإذا حصل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، فلسوف يهبط إلى مراتب أكثر تدنيّاً، ويبدأ المتداولون في البورصة باستخدامه بدلاً عن أوراق المرحاض. ليس بين أيدي "لجنة السياسة النقدية" ما يسمح لها بـ"دعم الاقتصاد" مع توقّف أسعار الفائدة عند 0.75 في المئة. لكن لديها ما يكفي لمفاقمة الآثار الاقتصادية. وسيُقضَي على الزيادة في الأجور التي تمتعت بها بريطانيا أخيراً، بفعل التضخم الذي يلي موجة أو موجتين من التخفيض الطارئ للأسعار الذي لا بد من حدوثه في بيئة من هذا النوع. وكخلاصة، يوشك كارني على الخروج من البنك المركزي، ومع أن زملاءه في البنك لا يدركون الآن الحال الذي ستؤول إليه تلك الفوضى، إلاّ أنهم يعرفون تماماً أنه سيطلب منهم المساعدة في تنظيف آثارها. لا يسعنا سوى التعاطف معهم قليلاً، فمهمتهم صعبة إن لم تكن مستحيلة.

© The Independent