مآلات الواقع العربي كما تتخيله رواية "في مدن الغبار"

ابطال يكشفون آثار المكان في ارواحهم واجسادهم

صورة لغلاف كتاب في مدن الغبار (إندبندنت عربية)

يتناسل الخراب من الحكايات ويتلاشى البريق في رواية "في مدن الغبار"، مع اختيار الكاتبة المصرية أمل رضوان استخدام حرف الجر مع العنوان لتأكيد وقوع الحدث في تلك المدن، لتبدو كما لو أنها مجرورة قسراً نحو هاوية مفجعة تنفتح على ظلام بلا قاع.

وإذا كانت المدينة منتجة للحضارة وتعني العلاقة مع المكان، ضمن مجموعة من القيم والعلاقات والمظاهر التي يتم تبادلها داخل هذا المكان، فإنها أيضاً كاشفة لجشع الإنسان ووحشيته حينما يحرق ما بَنَت يداه. ويقدم العدوان حلاً للخلاف مع أشقائه، لذا تبدو الصلة بين الإنسان والمكان والزمان، محور الصلات ضمن رواية "في مدن الغبار" ( دار العين – القاهرة )، فالمدن هنا عاكسة لأرواح البشر وكاشفة لمعاناتهم، كل مدينة في النص مجسدة في شخص أو أشخاص يعكسون طبيعتها، وما تركته من بصمات على أرواحهم وأجسادهم: عمان، القاهرة، حلب، شيكاغو، نالتشيك، رام لله... كلها مدن يحكي عنها الأبطال ويكشفون عمّا فعلته بهم.

هكذا، نجد مجموعة من الشخصيات أجبرت على حمل مدنها على ظهرها أينما حلت. ينوء ثقل المدن فيحني كاهل الأبطال فلا يجرؤون على الحلم بالغد، مكتفين بالحاضر فقط وما يقدمه لهم، العالم "في مدن الغبار" يبدو مثل مرآة عاكسة للحروب والثورات وللتشرد في المنافي واللجوء، الاعتداءات والانتهاكات التي لا يخطر على بال الآمنين حدوثها.

أتت أمل رضوان إلى عالم الرواية بعد إصدار مجموعتين قصصيتين هما "البيت الأولاني" و"شوكولاته سودا". المجموعة الأولى: "البيت الأولاني"  التي نالت عليها الكاتبة جائزة ساويرس، تضمنت قصصاً تُحكى في سرد متتال عبر ذاكرة طفلة صغيرة تراقب العالم من حولها، ويتدرج هذا السرد حتى سنوات الصبا والنضج. وفي "شوكولاته سودا"، يلمح القارئ الساردة ذاتها تنتقل إلى عالم أكثر رحابة لتحكي تفاصيل صغيرة تشبك بين الذات والآخر.

تقنيات قصصية ومسرحية

في الرواية التي بين أيدينا، إلى جانب التأثر الواضح في فن القصة من حيث الفصول القصيرة والمقطع السردي المكثف، نجد أيضاً ثمة استخدام غير مباشر لتقنيات الظهور المسرحي. فالبطلة الساردة تقدم منذ الفصل الأول مكان الحدث "مخيم الزعتري"، ثم تكشف عن قدومها في بعثة لتقصي الحقائق والعمل مع اللاجئينن السوريين، في الوقت الذي تلقت إنذاراً من طبيبها في النمسا بأن منحها ثلاث سنوات فقط قبل أن تنتهي حياتها، وقدومها إلى المخيم تزامن أيضاً مع استئصالها لقب زوجة بعد معاناة طويلة في علاقة منتهية الصلاحية.

تتكون البعثة من البطلة الساردة وزميلتها ألما، والدكتور فولك وهو رجل أوروبي سبعيني، وهب حياته دفاعاً عن المستضعفين في الأرض. ألما امرأة فلسطينية سورية، غادرت أسرتها في حلب منذ عشرين عاماً بعدما تنكرت لهويتها الفلسطينية واختارت الفرار إلى أميركا، وحمل الجنسية الأميركية. لكنها اختارت الرجوع إلى مخيم الزعتري بإرادتها، تقول: "ها أنا الآن بين أهل أبي وأهل أمي، لا أستطيع ولا أرغب في إنكار هويتي، بل سارعت لتقديم نفسي لزميلتي وللدكتور فولك حين تعرفت عليهما".

تحضر قضية الهوية على مدار النص، وفي أكثر من وجه، وتبدو أكثر وضوحاً عند المقارنة بين موقف ألما من هويتها الفلسطينية وموقف الدكتور فولك الذي اختار طواعية العيش في أماكن الخطر. ترفض ألما حمل الهوية الفلسطينة بالإكراه، وتختار العودة إلى انتمائها عن وعي تام، بينما يختار د. فولك الانتماء إلى الضعفاء بغض النظر عن جنسياتهم، ربما لأنه منذ البداية، لم يعش غربة فقد الهوية والشتات، وكان شتاته طوعياً.

اربع نساء

هناك شخصيات أخرى تشغل مساحة من السرد، أربع نساء تلتقي بهن البطلة الساردة في مقهى"سالوته"، لا تمنحهن أسماء بل ألقاب مناسبة لهن حسب ملامحهن الشكلية: "العنزة، المهرة، الناقة، والمرأة المحجبة الشركسية"، تسرد كل امرأة منهن قصتها التي تشتبك مع حكايات الساردة ورؤيتها للحياة، إلى الدرجة التي تتمنى معها أن تمتلك صفة من كل واحدة منهن تقول: "تمنيت أن أكونهن، أو أن أكون جزءًا من كل واحدة فيهن، منطق الناقة، وإخلاص العنزة لمن تحب، ورضا المحجبة بحياتها، وجموح المهرة حتى مع من يصغرها سناً...".

ينشغل النص في كشف تحولات المكان وتغيراته، مع نبرة استسلامية مدركة لسطوة الزمن لنقرأ: "أخرج أوراقي ونظارتي الطبية وأبدأ العمل فوق ربوة تأرجحت في أزمنة ليست بعيدة، بين علو شاهق حين كانت الأرض أمامها منبسطة، وانخفاض مريب أمام بنايات بلهاء شقت المراعي الخضراء عنوة وواصلت الارتفاع" أيضاً :"وفي مدن الغبار تهب الرياح قوية، محمّلة برائحة الغار والزعتر البري والمريمية، حين تبدأ بشائر الشتاء اللئيمة مع طقس متذبذب، وزخات مطر محمّلة بالغبار".

تنقسم الرواية إلى واحد وعشرين فصلاً قصيراً، بعناوين فرعية، ويتناوب السرد أشخاص عدة، في ما عدا الدكتور فولك الذي لا يحكي قصته بل نعرف ماضيه من خلال ما يُسرد، وأيضاً من اختياراته ومواقفه الحياتية. بدت بعض الفصول في حاجة إلى تكثيف كما في فصل "الإنديغو" و"حق النشوق".

ينتقل السرد بعد الفصل التاسع عشر الذي حمل عنوان "مطار الملكة علياء"، من حكايات المخيم، وأبطال البعثة، والنساء الأربع إلى مفهوم الرحلة، حين تقرر إحدى النساء الأربع ، وهي المرأة المحجبة الشركسية أن تسافر إلى مدينة "نالتشك"، لأن الأم العجوز تتمنى لو تموت في بلدها. لكن هذه الرحلة ليست فردية بل تنطلق فيها البطلة الساردة برفقة النساء الأربع وأولادهن، ليصل العدد إلى عشرين شخصاً، وتتخذ الرحلة طابع الطرافة والمفارقة للتأكيد على أن للحياة وجوهاً كثيرة لا يمكن تخمينها  أو توقع مفاجآتها.

الطفولة والصبا

يمكن القول أيضاً إن الذاكرة بما تحتويه من سنوات الطفولة والصبا والمواقف الحياتية المؤثرة، تشغل حيزاً في السرد، مع نقلات خاطفة من اللحظة الآنية إلى الذاكرة ، وقد  عمدت الكاتبة إلى تمييز الماضي بالخط المائل ضمن السرد، فالمشهد في الفصل الذي حمل عنوان "غزل" وحادثة فقدها لعذريتها نتيجة الاغتصاب، يستدعي عند البطلة ليلة زفافها وعلاقتها المهشمة بزوجها، حكاية الطفل اللاجئ يوسف تستدعي عندها ابنها عمر، حكايات الفقد في المخيم تحيلها إلى آلامها الشخصية في فقدها لأختَيْها وما مرت به من آلام ظلت حبيسة صدرها، وكأن آلام الآخرين ساعدتها في كسر جرة الحزن التي في داخلها، لنقرأ: "أتفهم الآن شعور الفقد في كل خيمة من خيام الزعتري، أبكي مع الأمهات الثكالى، ليس على ذويهم، لكني أخيراً بكيت على أختي، ربما قد حان الوقت أن أحرر دموعي بعيداً من أمي وأقاربها وجيرانها وصاحباتها، أبكيهما في مكان ناء، في مدينة يكسوها الغبار، تختلف فيها التفاصيل والملامح ويتشابه الفقد".

تجدر الإشارة أيضاً إلى مفهوم الهشاشة، وتراتب القوة الموجود في النص ضمن سلسلة علاقات، سواء بين الرجل والمرأة والهزائم النفسية لكليهما وهذا مطروح في علاقات الأبطال جميعاً، أيضاً في علاقة سكان المخيم بأفراد البعثة، والأمل المعلق على قدومهم لإنقاذهم من الجوع وبرد الشتاء، يرادف هذا الأمل السؤال المعلّق  الذي يطرحه دكتور فولك بعد تسليمه التقرير قائلا: "تُرى هل هناك جدوى في ما نفعله؟".

المزيد من ثقافة