لماذا لم ترتفع أسعار النفط بعد؟

من تأثيرات تخفيض الإنتاج والتوتر السياسي في الخليج والعقوبات على الدول النفطية

ارتفاع الضرائب على البنزين والديزل أثر على أسعار النفط (أ.ف.ب)

على الرغم من تخفيض أوبك+ الإنتاج، وعلى الرغم من الهجوم على ناقلات النفط في الخليج، وعلى الرغم من وجود عقوبات اقتصادية على ثلاث دول نفطية، هي إيران وروسيا وفنزويلا، إلا أن أسعار النفط انخفضت. ما جعل البعض يسأل عما يحدث في أسواق النفط، وعما إذا كانت هناك حاجة لتخفيض آخر من قبل أوبك+.

ولكن، إذا نظرنا إلى التفاصيل نجد أن ما حصل ويحصل الآن يبدو منطقياً. ويمكن إيجاز الصورة بما يلي:

هناك مؤثرات تدعم هبوط أسعار النفط، وهناك مؤثرات معاكسة تدعم صعود أسعار النفط. وجود المؤثرات المخفّضة من دون وجود المؤثرات الرافعة يهوي بأسعار خام برنت إلى نحو 45 دولاراً للبرميل. ووجود المؤثرات الرافعة وحدها يصعد بخام برنت إلى نحو 80 دولاراً للبرميل. ولكن حصيلة وجود المؤثرات كلها معاً يعطي أسعاراً بين 60 و65 دولاراً لخام برنت.

بعبارة أخرى، آثار تخفيض الإنتاج والتوتر السياسي في الخليج، والعقوبات على الدول النفطية، وانخفاض المخزون موجودة في الأسعار، ولولا هذه الأمور لانخفضت الأسعار بأكثر من 15 دولاراً للبرميل.

والسؤال المنطقي هنا هو: ما هي هذه المؤثرات المخفضة والرافعة؟

المؤثرات المخفّضة تتعلق كلها بالاقتصاد الكلي:

1- حروب الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية: هذه الحروب تحدّ من التجارة العالمية وترفع التكاليف، وتسهم في تباطؤ الاقتصادي العالمي. وهذا التباطؤ يسهم في تخفيض معدلات نمو الطلب العالمي على النفط. وقد رأينا في الشهرين الماضيين كيف قامت كل من وكالة الطاقة الدولية وأوبك بتخفيض توقعاتهما لنمو الطلب العالمي على النفط بعد قيام صندوق النقد الدولي بتخفيض توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي بسبب الحروب التجارية. 

2- انخفاض معدلات النمو الاقتصادي. حتى من دون الحروب التجارية، كان هناك تباطؤ في نمو الاقتصاد العالمي، والذي بدوره، كما ذكر سابقاً، يسهم في تخفيض الطلب العالمي على النفط. إضافة إلى ذلك، فإن بقاء أسعار النفط مخفضة يعني استمرار معاناة اقتصادات الدول المصدرة للنفط، وبالتالي انخفاض طلبها على النفط. وذكر أن الولايات المتحدة خفضت معدلات النمو الاقتصادي في النصف الأول من العام، وقامت بتعديل بيانات النمو هبوطاً. وهذا يشرح سبب انخفاض الطلب على البنزين وارتفاع مخزونه.

3- ارتفاع الدولار الأميركي: بما أن النفط يسعّر بالدولار، فإن ارتفاع الدولار يعني ارتفاع سعر النفط بالعملات المحلية التي هبطت مقابل الدولار. فإذا كان الهبوط كبيراً، فهذا يعني ارتفاع أسعار النفط والمشتقات النفطية داخل هذه الدول، ولعل أكثر المتأثرين الهند وتركيا بسبب انخفاض عملتيهما. ومن الأمور التي حدثت وقت كتابة هذا المقال هو انخفاض كبير في الروبية الهندية بسبب تأزم الوضع في كشمير، وانخفاض اليوان الصيني إلى أدنى مستوى تاريخي له بسبب الضرائب الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب في الأسبوع الماضي.   

كما أن ارتفاع الدولار يساعد الشركات الروسية والشركات العاملة في بحر الشمال على تخفيض تكاليفها، وبالتالي زيادة إنتاجها. وهذا يخفض أسعار النفط. وسبب الاستفادة هو أن نحو 60 في المئة من تكاليف هذه الشركات تدفع بالعملة المحلية التي تنخفض، بينما يبيعون النفط بالدولار الذي يرتفع.

4- زيادة الضرائب على البنزين والديزل: قامت دول عدة برفع الإعانات عن البنزين والديزل. وقامت أخرى برفع الضرائب عليهما. هذا يعني أن انخفاض أسعار النفط لن يؤدي إلى زيادة الطلب عليه من جهة، كما أن ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على المنتجات النفطية، وبالتالي النفط. وقامت 13 ولاية أميركية بزيادة الضرائب على البنزين والديزل ابتداء من بداية الشهر الماضي. وهذا سيحد من نمو الطلب على النفط.

أما الأمور الرافعة لأسعار النفط فكلها تتعلق بالاقتصاد الجزئي:

1- استمرار انخفاض المخزون الخام الأميركي حيث انخفض بمقدار 48 مليون برميل خلال الشهرين الماضيين.

2- تباطؤ نمو إنتاج النفط الصخري بسبب الصعوبات التي تعاني منها شركات النفط الصخري وضغوط المستثمرين عليها. وتشير النتائج المالية للربع الثاني التي صدرت في الأيام الماضية إلى قيام عدد من الشركات بتخفيض توقعاتها لنمو إنتاجها لبقية العام الحالي والعام المقبل.

3- زيادة نسبة تشغيل المصافي: أسهمت عمليات الصيانة والأعطال المفاجئة والحرائق والأمطار والعواصف في عدم قدرة المصافي على زيادة معدلات التشغيل في الشهرين الماضيين. ما ضغط على أسعار النفط بشكل كبير، لأن المصافي هي المستهلك الوحيد للنفط الخام.  إلا أن الأمور بدأت تتحسن، وإن كانت ببطء ومتأخرة نوعاً ما بسبب الأعاصير في خليج المكسيك من جهة، واحتراق مصفاة فيلادلفيا من جهة أخرى. هذا الوضع رفع من معدلات أرباح التكرير. ما يعني قيام المصافي الآن يزيادة معدلات التشغيل لجني هذه الأرباح، والذي يعني بالضرورة زيادة الطلب على النفط الخام، وانخفاض المخزون.

4- زيادة صادرات الولايات المتحدة: زيادة الإنتاج في الولايات المتحدة تتطلب زيادة الصادرات الأميركية. وتشير البيانات إلى زيادة مضطردة في صادرات الولايات المتحدة من خليج المكسيك حتى وصلت إلى مستويات قياسية. زيادة الصادرات تعني تخفيف الضغط على الأسواق الأميركية، وبالتالي انخفاض المخزون. 

5- انخفاض واردات الولايات المتحدة: يأتي هذا الانخفاض نتيجة قيام بعض دول أوبك بتخفيض صادراتها بشكل كبير إلى الولايات المتحدة بهدف تخفيض المخزون، بينما ترسل شحناتها إلى دول أخرى في آسيا وغيرها.  كما أن هناك سبباً آخر وهو أن أسعار النفط في الولايات المتحدة أقل من الأسعار العالمية، وليس هناك حافز لبيع النفط بأسعار مخفضة.

وهنا قد يقول قائل: الحديث هنا عن العوامل الرافعة لأسعار النفط، إلا أن زيادة صادرات الولايات المتحدة وتحويل دول أوبك صادراتها من الولايات المتحدة إلى آسيا يعنيان زيادة في المعروض، فكيف يؤدي ذلك إلى رفع أسعار النفط؟

الإجابة هي أنه يتم نقل النفط من مناطق ظاهرة للجميع إلى مناطق لا يراها أحد! فالولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تصدر بيانات أسبوعية يهتم بها المستثمرون والتجار والمحللون، بينما لا تصدر بيانات الدول الأخرى إلا بعد شهور. لهذا فإنه من المنطقي أن تقوم السعودية باستهداف المخزون الأميركي من طريق تخفيض صادراتها إلى الولايات المتحدة. 

خلاصة الأمر أنه في الشهور الماضية كانت العوامل المخفضة، وما زالت، أقوى من العوامل الرافعة، فنتج من ذلك تراوح الأسعار مكانها ثم انخفاضها. وعلى الرغم من استمرار هذه العوامل في الضغط على أسعار النفط، إلا أن أثرها بلغ أوجَهُ، بينما تزداد العوامل الرافعة قوةً. ما سيؤدي إلى رفع أسعار النفط. ولكن هناك استثناء وهو أن أسعار النفط ستنخفض إذا ضرب الكساد الاقتصاد العالمي، ابتداء من الولايات المتحدة وانتهاء باليابان. وما يزيد الطين بلة تأزم العلاقات الهندية الباكستانية في شأن كشمير، حيث نتج من إرسال الجيش الهندي إلى كشمير انخفاض كبير في البورصة الهندية والروبية الهندية.

في غياب الكساد، ليس هناك مسار لأسعار النفط إلا المسار التصاعدي.

المزيد من آراء