Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد ارتفاع معدلات الفقر لـ32.5%... الشارع المصري على صفيح ساخن

مواطنون يوجهون أصابع الاتهام لـ"الإصلاح الاقتصادي"... وآخرون يرونه "الدواء المر"

المركزي للإحصاء يعد كل من تعدى دخله الشهري 42 دولارا أميركيا ناجيا من الفقر (أ.ف.ب)

يظنونه خطاً، لكنه مقياس. ويحذرون الاقتراب منه، لكن الحذر لا ينجي بالضرورة من القدر. وكلما أعلنت الحكومة عن نجاح الإصلاح وفلاح الاقتصاد، تحسس كثيرون أحزمة الأمان خوفاً من الارتطام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الارتطام بـ"خط الفقر" لم يعد هاجساً مسيطراً أو كلاماً حبيس حيز التنظير. الارتطام صار واقعاً بخروج الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر قبل أيام معلناً أن الفقر في مصر قد زاد، وأن نسبة المصريين الذين يرزحون تحت خط الفقر قفزت إلى 32.5% بدلاً من 27.8% فقط في عام 2015.

بحث "الدخل والإنفاق" الذي استند إليه الجهاز في إعلان النسبة الصادمة للفقراء في مصر يبحث في مستويات معيشة المصريين ومعدلات وقنوات إنفاقهم، ويعتبر كل من تعدى دخله الشهري 700 جنيه مصري (42 دولارا أميركيا) ناجياً من الفقر، وهو ما أثار ضحكة هستيرية مجلجلة من سائق الأجرة. قال بغيظٍ وكمدٍ وتحدٍ: "دخلي 4 آلاف جنيه (242 دولارا) في الشهر، ما يعني أنني لست فقط فوق الخط اللعين، لكن ربما أكون من الأعيان". الملابس الرثة والسجائر الرديئة ودواخل السيارة المتهالكة تؤكد أن السائق يسخر ويتهكم ليس فقط على نفسه، بل على الفقر وخطه.

يقول: "الأربعة آلاف جنيه (242 دولارا) نصفها يبتلعه قسط السيارة ووقودها الشهري، والنصف الآخر ألا وهو 2000 جنيه (121 دولارا) يتنازعها إيجار البيت وفواتير الكهرباء والماء والغاز وتعليم العيال وعلاج المدام وما يستجد من طوارئ".

الطوارئ والفقر

حالة الطوارئ التي أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أيام تمديدها في مصر لمدة ثلاثة أشهر إضافية لا علاقة مباشرة لها بإعلان معدلات الفقر، لكن البعض من المتضررين والمعارضين يجد راحة في الربط بينهما. في أحد المقاهي الشهيرة المتأرجحة بين الشعبوية حيث سائقي سيارات الأجرة العاملين على خط القاهرة – السويس، والنخبوية حيث شباب وشابات الجامعات الخاصة وما تبقى من طبقات مخملية جنباً إلى جنب تدور أحاديث ومناقشات تحتاج إلى مؤسس علم الاجتماع بن خلدون عساه يفندها ويحللها.

تحليل المعلومات الرسمية المعلن عنها من قبل الجهاز الحكومي لم تجد سوى صفحة "البنك الدولي" للمشورة وتغطيات الصحافة الغربية للمصداقية من قبل مجموعة من رواد المقهى الدارسين للاقتصاد وإدارة الأعمال والعلوم الاكتوارية الذين تدل سياراتهم الفارهة على انتمائهم لقمة الهرم.

الأرقام الكثيرة والبيانات العديدة والرسوم البيانية المتواترة على شاشات الحواسيب المحمولة أسفرت عن محصلتين لا ريب فيهما. الأولى تكمن في أن تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ بتعويم العملة المحلية، ومر برفع الدعم عن المحروقات والكثير من الخدمات مع زيادة الضرائب والرسوم وغيرها، وانتهى بزيادة معدلي النمو والصادرات مع انخفاض في معدل التضخم حقق نجاحاً مبهراً. فالمؤشرات الاقتصادية الكلية حققت نتائج إيجابية توثقها المؤسسات الأممية المالية وتشيد بها المؤسسات التمويلية الدولية. والثانية تتلخص في أن كل ما سبق لم ينعكس إيجاباً على مستوى معيشة المواطن، بل العكس هو الصحيح.

 

 

حديث البطون

أسهبت المجموعة الشبابية الدارسة لعلوم المحاسبة والاقتصاد بفروعها المختلفة في الدق على أوتار الغلاء الشديد وتدهور مستوى الخدمات العامة دون وجود بدائل باستثناء في البطون حيث جهود حكومية عاتية لتوفير اللحوم والدواجن والسكر والزيت بأسعار مناسبة.

حديث البطون وجهود سد الفجوة بين الجوع والشبع استرعت انتباه سكان الهرم والقابعين على مرمى حجر، وفي أقوال أخرى على مرمى "حجرين" شيشة من تلك التي يدخنها الجميع. مجموعة من سائقي الأجرة القادمين من السويس التقطوا طرف حديث الجهود الحكومية لسد رمق البطون عبر بطاقات التموين تارة، وسيارات تجوب الشوارع والميادين حاملة سلعاً غذائية رخيصة ليدلوا بدلوهم في مسالة خط الفقر الذي تلوكه الألسنة.

دار الحديث دوراناً كلاسيكياً معروفة أبعاده الثقافية وعوامله النفسية وأسبابه المعيشية. فبين سائق متغنٍ بنعمة الرضا ومتشبثاً بفرجه الآتي قريباً جداً لأسباب لا يعلمها إلا الخالق وتوقيت لا يدركه إلا العلي القدير، وآخر داقاً على وتر المظلومية السياسية حيث "مصر المنهوبة منذ فجر التاريخ" و"خيرها الوفير الذاهب للغير" و"ناسها الطيبين الذين لا ينقصهم إلا القليل من مراعاة الضمير والقليل من العمل"، وثالث دفع الجميع دفعاً إلى أرض الواقع حيث حجرين الشيشة  اللذين كانا بعشرة جنيهات قبل أشهر أصبحا بـ20 جنيهاً، وتنك البنزين 80 الذي كان بـ50 جنيهاً (3 دولارات) في عام 2014 أصبح بمئتي جنيه (12.9 دولار) في 2019، وقبل أن يستكمل سرد تفاصيل الواقع ومكونات خط الفقر كان المقهي قد انقلب رأساً على عقب.

فعقب كل إجراء اقتصادي جوهري، أو تحرير سعر سلع وخدمات جرى العرف المصري أن تكون مجانية أو مدعومة للغاية، أو تغيير في منظومة خبز أو هيكلية دواء أن ينقلب الشارع رأساً على عقب. فريق مؤيد لسياسات الحكومة يبرر الأرقام ويدافع عن السياسات ويعترف بمخدر "الإصلاح المر" و"النمو القادم لا محالة"، وفريق معارض للسياسات نفسها ويجد في الأرقام ذاتها محاولات ملتوية وجهود لتجميل القبيح وتبرير غير المنطقي وتمرير سياسات لا تلقى قبولاً أو مباركة. ويبقى الفريق الثالث وهو الأكبر عدداً والأعتى قوة والمسمى "حزب الكنبة" متأرجحاً بين هؤلاء وأولئك باحثاً عن مخرج وحالماً بمقومات بسيطة تضمن له حياة هادئة كريمة.

حياة كريمة

الحياة الكريمة التي تبدلت ملامحها وتغيرت مقاييسها لا تعترف بالـ700 جنيه (42 دولاراً) المعلن عنها من قريب أو بعيد. وبعدما أعلنت الحكومة المصرية عن مواصفات ومقومات خط الفقر في حلته الجديدة، اتفقت الفرق الثلاث المشار إليها على اعتبار المواصفات غير منطقية والمقومات غير معقولة.

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يقول إن خط الفقر هو الحد الأدنى من الدخل الذي يحتاجه الفرد لتلبية احتياجاته المعيشية الرئيسية. وتم اعتماد مبلغ 8827 جنيه مصري سنوياً (532 دولارا) أي ما يعادل 45 دولاراً شهرياً حداً معقولاً لتلبية الاحتياجات المعيشية، أما خط الفقر المدقع، فقد تم تحديده بـ5890 جنيها مصريا سنوياً (355 دولاراً)، أي أقل من 30 دولاراً في الشهر.

أحمد خالد، 40 عاماً، يعمل سايس سيارات في نادٍ رياضي شهير – سمع من أحد الأعضاء مسألة الفقر المدقع هذه، ومن وقتها وهو يحدّث نفسه غاضباً عن الفقر "المدقع" الذي اكتشف أنه يعيش فيه. أحمد لا يعرف معنى "مدقع" على وجه التحديد لكنه يجتهد ويقول إن المقصود أن الشخصي "فقير قوي" (بشدة)، ولم يسمع من قبل عن خط اسمه "خط الفقر". يقول ضاحكاً في محاولة للتغلب على غضبه وقهره: "الخط الوحيد الذي أعرفه هو خط العتبة المنيب (أسماء أحياء شعبية في القاهرة)". ورغم ذلك يتابع ما يثار في وسائل الإعلام حالياً في محاولة لشرح الإحصاءات الحكومية المعلنة عن الفقر تارة، وجهود تجميلها وتبريرها تارة أخرى.

يعمل خالد "سايس" في هذا النادي منذ ما يزيد على 22 عاماً. ورغم ذلك، فهو لا يرتبط مع النادي بتعاقد. وراتبة الشهري لا يتعدى 400 جنيه (24 دولارا) إذ يعتمد على الإكراميات التي يرفض تماماً الإفصاح عن متوسط قيمتها. يقول عن الفقر وخطه وعلاقته بهما "علاقتي بالفقر والخط وثيقة جداً. فأنا على باب الله، وصحيح أن ربنا كرمه كبير، إلا أن البلد ضاغطة علينا جداً. العلاج المجاني مستواه سيئ، والتعليم الحكومي حالته صعبة، ودعم السلع الغذائية في بطاقة التموين متقلص، والأسعار نار، وطلبات الأربع عيال وأمهم كثيرة جداً".

خالد نموذج حي لمنظومة الفقر المعرضة دائماً للشد والجذب في مصر. فدخله الرئيسي خارج إطار الاقتصاد الرسمي تماماً. وأولاده الأربعة يبتلعون جهود التنمية أولاً بأول. ومفهومة عن العلاقة بين الحكومة (أي حكومة)  والمواطن هي علاقة مسؤولية الأولى تجاه الأخير حيث العلاج والتعليم والدعم والرعاية. والحديث معه عن خط الفقر في حُلّته الجديدة، والمتوسط الذي حددته الدولة لتعريف الفقر والفقر المدقع يثير أعصابه وإقناعه بأن الأربعة أبناء عبء على الدولة جميعها يلقى حائط صد.

البنك الدولي

خبير الاقتصاد السيد هيثم دبوس يشير إلى "أن البنك الدولي حدد 1.90 دولار في اليوم كحد معترف به للفقر، وهو ما يعادل نحو 940 جنيهاً مصرياً ( 57 دولارا) في الشهر وليس 700 جنيه (42 دولارا)، وهو ما يسبب لغطاً وجدلاً في الشارع. "محاولة تجميل الأرقام أو تعديلها لا يساعد في تهدئة الناس أو شرح المقصود بالفقر والفقر المدقع. ولا ننسى أن الاقتصاد الموازي في مصر أو ما يسمى باقتصاد بئر السلم – والذي يعادل ميزانيات دول- يزيد من تعقيد الموقف الاقتصادي وشرحه. فالملايين – ممن هم مصنفون فقراء أو يعيشون في فقر مدقع أو عاطلون عن العمل- يعملون في السوق الموازية، وبعضهم يحقق دخولاً مادية معقولة لكن لا يدفعون ضرائب. وحديث الفقر والفقراء هذه الأيام في ضوء ما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يثير جدلاً ولغطاً يصعب فكهما.

أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق يقول "إن مصر لم تكن يوماً دولة غنية، وأن سباق الأرانب المتصاعد لإنجاب المزيد من الأطفال واستمرار الخطاب الديني غير الرسمي المحرم لتنظيم الأسرة، مع انخفاض الوعي والثقافة وتمكن فكرة أن العيال عزوة وأن العيل يأتي برزقه تطرح جهود التنمية أرضاً. وعلى الرغم من تحسن أداء الاقتصاد المصري بالورقة والقلم، وبشهادة المؤسسات والمنظمات الدولية، فإن المواطنين لم ولن يشعروا بأي تحسن لأن المواليد الجدد يبتلعون كل إضافة. كما أن هناك تقصيرا واضحا في العديد من السياسات الاقتصادية القادرة على صناعة الفرق في مستوى معيشة المواطنين من إعادة فتح المصانع المغلقة وتوفير فرص عمل حقيقية بعيداً عن الفقاعات العقارية وغيرها".

ربط الأحزمة

ويشير سعيد إلى "التناقضات الاقتصادية والاجتماعية الواضحة في الخطاب الإعلامي الرسمي عن ضرورة ربط الأحزمة على البطون وتحمل مرارة الدواء الاقتصادي واستحضار الجو الشعبي العام إبان حكم الرئيس الراجل جمال عبد الناصر حيث رغيف واحد يومياً دون ضجر أو شكوى وفي الوقت نفسه المجاهرة ببناء عاصمة جديدة وتشييد مبانٍ حكومية فارهة في أماكن متعددة".

الربط الساخر حيناً والغاضب أحياناً بين الإعلان الرسمي عن الفقر وخطه قبل أيام وبين الإعلان الرسمي كذلك عن مبنى مجلس الوزراء الجديد وترقب قصر رئاسي مجاور في مدينة العلمين الساحلية الجديدة يتردد في الشارع كثيراً، وهذا أمر متوقع.

توقعات كثيرة خابت باستمرار تعايش ملايين المصريين مع الفقر بطريقة أو بأخرى. خارت قوى تاريخية حيث إمساك بتلابيب الرضا والفرج القريب، والتسليم بإرادة الله، واعتبار الفقير حبيب الله والغني عدوه أمام قوى عنكبوتية جعلت الحراك اليومي على مواقع التواصل الاجتماعي حائط مبكى شعبياً وسلواناً لمشاركة الشكاوى وإعادة ترديد الآهات على مدار ساعات اليوم الـ24.

يقول الدكتور سعيد صادق "إن ثقافة التعايش مع الفقر تمر هي الأخرى بتغيرات وتقلبات بحكم تغير الظروف والأحوال. يقول "موسم العطلات الصيفية مع حرارة الطقس تخلق مساحة كبيرة للأحاديث وتبادل الأخبار وإطلاق العنان للتحليل الشعبي والتنظيم العنبكوتي. هذا لا يعني أن المصريين لم يشكوا آلام الفقر في عقود سابقة، لكنه يعني أن التوقيت يساعد على الإغراق في الشكوى، بالإضافة لأدوات الشكوى العنبكوتية وقدراتها الهائلة على تحويل كل كبيرة وصغيرة إلى كرة ثلج تنمو وتكبر وتنتشر وتتوغل بينما نتحدث".

الشارع في مصر منذ إعلان زيادة نسبة الفقر، والمجاهرة بمقاييس جديدة لتحديد الفقراء والفقراء جداً، وتزامن كل ذلك والإعلان عن مباني حكومية حديثة ومؤتمرات في العاصمة الإدارية الجديدة، مع طقس الصيف الحار وإجازاته الطويلة وضغوط لا تنتهي على جيب المواطن وأعصابه يجلس على صفيح جدلي ساخن.

ملاك ومستأجرو الهرم الطبقي يصولون ويجولون في حوارات لا أول لها أو آخر. الفقر وناسه ومفاهيمه وثقافة التعايش معه تدور في دوائر مفرغة بهدف إيجاد أرضية تساعد على التعايش السلمي. أما الخط والممسكون بتلابيه، والرازحون تحته، والمنتسبون حديثاً له والمتوقع التحاقهم قريباً به فيتعاملون معه باعتباره خطاً حقيقياً قابلاً للرفع لأعلى حتى يمر تحته الناس دون أن يمسهم، ومعرضاً للدفع حتى يكبس على أنفاس الرازحين تحته فلا تؤرق مشكلاتهم أحد.