آلاف عقود الزواج المبكر لفتيات في فلسطين

"القضية تخضع للاجتهاد واختلف عليها العلماء وتحديد سن 18 سنة يحتاج لتشريع لا فتوى"

فتيات يوقعن ضمن حملة مناهضة للزواج المبكر (النموذج الشبابي لمحاكاة الأمم المتحدة فلسطين)

على بوابة المحكمة في مدينة غزّة، انهارت قوى فاطمة حتى سقطت على الأرض، التفت إليها الجميع يتساءل عن السبب، مظهر الفتاة يجيب عن كلّ التساؤلات، فعمرها لا يتجاوز 17 سنة، وفي الوقت ذاته تحمل بين يديها طفلاً في شهره العاشر، يصرخ من شدّة البكاء. وبعد ساعة من دخولها المحكمة، خرجت وبالكاد تتمالك أعصابها، ومن دون تردد سألنا فاطمة "هل تطلقت"؟

أغمضت عينيها مجيبة "نعم"، تشجعنا للحديث معها أكثر، وسألناها عن عمرها والأسباب، أجابت وهي تلتفت حولها وبصوت منخفض قالت "بدأت عامي الـ17، تطلقت لأنّه مش قادرة أعيش معه، ومش فاهمة عليه حاجة، عمره 64 سنة"، لم تستطع أنّ تكمل قصتها وغادرت على الفور. مباشرة بدأت "اندبندنت عربية" بالبحث في ملف الزواج المبكر في فلسطين، وجدت أنّ الموضوع حديث الشارع، فشبكة المنظمات الأهلية إلى جانب المؤسسات النسوية طالبت الحكومة برفع سن الزواج للفتيات حتى عمر الـ18 سنة، رد عليهم رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية، بالموافقة وأنّه سيعمل على إقرار ذلك خلال الأشهر المقبلة.

ينشر الشر والفساد

الموضوع أثار غضب الكثير من العائلات ورجال الدين وبعض الفصائل، فجاء رد الفعل سريعاً من حزب التحرير الذي قال إنّ حرص المؤسسات النسوية والسلطة على رفع سن الزواج للمرأة إلى 18 سنة فيه تجاوز لشرع الله، ونشر للشر والفساد بين العباد، في المقابل فإنّ تبكير الزواج سُنة، وهو خير للمجتمعات. في الواقع، فإنّ المرأة في فلسطين يُسمح لها بالزواج عند البلوغ، والمحدد في الضفة الغربية عند عمر 14 سنة، وفي قطاع غزّة عند وصولها 15 سنة. يقول حول ذلك رئيس مجلس القضاء الأعلى في غزّة حسن الجوجو أنّه يمنع عقد قران أيّ فتاة أقل من 15 سنة، ومَن يخالف ذلك يتحمل طائلة المسؤولية.

لكنّ ذلك من وجهة نظر المؤسسات الحقوقية، على اعتبار أنّ الأمم المتحدة حدّدت الفئة العمرية للأطفال بأقل من 18 سنة. ويرفض الجوجو ذلك ويعلّق قائلاً "لا يوجد زواج قاصرات في فلسطين، بل هناك تبكير في الزواج، بمعنى أنّ بعض أولياء الأمور يرغب في تزويج ابنته البالغة ونحن لا نرفض طالما أنّها وصلت السن القانونية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اختلاف حول التسمية

الخلاف الآن يكمن بين المؤسسات النسوية والدينية حول التسمية، إذا كان زواج طفلات أو قاصرات أو تبكير زواج، وبالبحث حول الموضوع، وجدنا أنّ المؤسسات الرسمية التابعة للحكومة تطلق عليه اسم "الزواج المبكر" وفقاً لمسؤولٍ في وزارة شؤون المرأة، بينما ترى مريم أبو العطا المسؤولة في جمعية عائشة لحماية المرأة والطفل أنّه لا فرق بين المسميات، وكلّها تعد انتهاكاً لحقوق النساء.

وتبلغ نسبة النساء في فلسطين 49.5 في المئة من مجموع التعداد السكاني الذي يصل إلى 4.8 مليون نسمة، ووفقاً للجهاز المركزي للإحصاء، تزوّج منهن عام 2018، ما يزيد على 44 ألف حالة، من الضفة الغربية حوالى 29 ألفاً، وفي قطاع غزّة 15 ألفاً، وفقاً لبيانات وزارة شؤون المرأة.

نسبة الزواج المبكر

ومن هذه الأرقام، علمت "اندبندنت عربية" أنّ أكثر من 8700 عقد قران جرى لفتيات تقل أعمارهنّ عن 18 سنة، من بينهن فتيات لم تبلغن الـ14 سنة، من إجمالي رقم نسبته 21 في المئة كانت حالات الزواج المبكر في الضفة الغربية، والباقي في قطاع غزّة.

وتعد هذه النسب ضخمة جداً، وستنخفض إذا جرى رفع سن الزواج حتى 18 سنة. تعقّب على ذلك أبو العطا قائلة إن المؤسسات النسوية قدّمت للجهات الرسمية مشروعاً حول الموضوع ذاته، وسألنا الجوجو عن الرأي الشرعي في رفع سن الزواج، فأجاب "القضية تخضع للاجتهاد، واختلف عليها العلماء، ولكن تحديد سن 18 سنة يحتاج إلى تشريع وليس فتوى".

ضغطنا عليه بالسؤال أكثر "هل مشكلة لديكم في رفع السن"؟ فرد "أنّه لا مشكلة لدينا، لكن نحتاج لقانون". فكرة القانون تعد عقدة من وجهة نظر المؤسسات النسوية، توضح ذلك أبو العطا أنّه جرى حل المجلس التشريعي، والقرارات الصادرة عنه غير سارية المفعول، في المقابل متخذ القرار الرئيس محمود عبّاس، ويسري في الضفة الغربية، في المقابل التخوّف من عدم تنفيذه في غزّة.

الطلاق المبكر

وفي فلسطين، جرى تسجيل حوالى 8500 حالة طلاق، منها أربعة آلاف حالة قبل الدخول (فترة الخطوبة) ومن الإجمالي العام، كان نصيب الضفة الغربية أكثر من 5300 وثيقة طلاق، بينما غزّة 3700 حالة. وبالبحث مع وزارة شؤون المرأة في نسبة الطلاق في حالات الزواج المبكر، تبيّن أنّه جرى تسجيل أكثر من 1800 وثيقة طلاق خلال عام 2018 لفتيات أقل من 18 سنة، من بينهن 10 حالات لفتيات في عمر 14.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكّد المدير العام للتخطيط في وزارة شؤون المرأة أمين عاصي أن نسبة الزواج المبكر انخفضت في فلسطين فوصلت عام 2018 إلى 20 في المئة، عند مقارنتها مع عام 2003 كانت 35 في المئة.

حلول

ويرجع عاصي سبب الانخفاض إلى رفع البعد الثقافي والتنموي عند المقبلين على الزواج، لكن للمسؤولة النسوية أبو العطا رأياً آخر، فهي تعتقد أنّ الانخفاض كان في الزواج بشكلٍ عام وليس فقط في زواج القاصرات، والسبب الظروف المادية الصعبة للشباب. وبعد البحث في أسباب الزواج المبكر، تبيّن أنّ العادات والتقاليد (تزويج الأقارب، كثرة الأخوات، فرض قيود عائلية على اللبس والحرية) تلعب دوراً، إلى جانب فقر العائلة، يوضح عاصي أنّ التمييز يعد العامل الأهم، وعدم الإيمان بقدرات المرأة، وجشع الطبقة الرأسمالية.

وحول الحلول المطروحة، يشير عاصي إلى أنّ تغيير القوانين والعمل على رفع سن الزواج إلى 18 يعد الحل الأمثل، بينما تعمل المؤسسات الحقوقية على ذلك إلى جانب بنود أخرى، وتوضح أبو العطا منها القيام بحملات توعية للفتيات وأسرهن، والعمل مع مزودي الخدمات (المحاكم مثلاً) وصناع القرار (الحكومة والمجلس التشريعي) من أجل التوعية حول مخاطر الزواج المكبر، وضرورة رفع السن إلى 18 سنة.