Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة لنظرية النبوة (الحلقة الثالثة)

يعتقد المعري أن العقل الإنساني بمثابة "نبي"... به يستقبل الوحي ويرشد الإنسان نحو الصراط المستقيم

رسم تخيلي للفيلسوف أبو العلاء المعري (ويكيبيديا)

موقف المعري

على الرغم من أن أبا العلاء أحمد بن عبد الله المعري (362-449 هـ - 973-1057 م) وضع كُتباً ورسائل كثيرةً، منها "الفصول والغايات" و"القائف" و"رسالة الطير" و"رسالة الملائكة" وغيرها، لكنه لم يكتب نصوصاً يحدّد فيها أفكاره وآراءه في صياغة نظرية فلسفية في تفسير النبوة، كما فعل الفارابي وابن سينا. إلا أن "اللزوميات"، أحد أكبر دواوين المعري الثلاثة، تضمّ أهم وأخطر أقواله وتصوّراته الفلسفية في الوجود والنفس والاجتماع والأديان والأنبياء. 

ولقد أسهم المعري بالتصدي إلى الفكر اللاديني، ونقد أتباع التيار الإلحادي، وكتب في "رسالة الغفران" قائلاً "وأمَّا ابن الراوندي فلم يمكن إلى المصلحة، فأمَّا تاجه (كتاب التاج) فلا يصلح أن يكون نعلاً، ولم يجد من عذابٍ وعلا، ويجوز أن يُنظم عقارب، فما كان المحسن ولا المقارب... وهل تاجه إلا كما قالت الكاهنة: أفٍ وتفٍ وجوربٍ وخفٍ. قيل وما جورب وخف؟ قالت: واديان في جهنم". أي أن ابن الراوندي مخلد في جهنم، وفق ذهنية المعري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد المعري أن العقل الإنساني بمثابة "نبي"، الذي به يستقبل الوحي، ويرشد الإنسان نحو الصراط المستقيم. فالعقل هو أصل من أصول المعرفة، فلا يمكن أن نصل إلى اليقين من دونه. ولهذا فالإنسان الذي يدرك أهمية وخاصية العقل، يسألنهُ: 

أيّها الغرّ إن خُصصتَ بعقلٍ

فاسألنهُ فكل عقلٍ نبيّ

لقد ركّز المعري أيما تركيز على دور وقيمة العقل في المسائل الماورائية، إذ لا يمكن الاحتكام لغير العقل، وكل قول أو حديث أو قضية في أمور الدين يجب أن نشاور العقل فيها:

جاءت أحاديثٌ إن صحت فإن لها

شأناً ولكنَّ فيها ضعف إسنادِ

فشاور العقل واترك غيره هدراً

فالعقل خيرُ مشير ضمّه النادي

إنّ الله الذي خصّ الإنسان بعقلٍ هو بمنزلة النبي، الذي يمكن الرجوع إليه في التصديق أو التكذيب للأخبار والأحاديث لا سيما الغيبية منها. فكل ما نسمعه من خبر أو نبأ أو غيره لا تؤيده حجة عقلية علينا أن لا نتقبله. مثلاً على ذلك، فيما يقولونه عن تناسخ الأرواح:

يقولون إن الجسم تُنقَل روحُه

إلى غيره حتّى يهذّبها النقلُ

فلا تقبلنْ ما يُخبرونك ضِلّةً

إذا لم يُؤيّد ما أتوك به العقلُ

وليس جسومٌ كالنخيلِ وإن سما

بها الفرعُ إلا مثلما نَبَتَ البقلُ

وكذلك عندما نبحث ونستقصي فيمن يدّعون الزهد والاستقامة، سنجد أن "أصحاب" كل دين يتشدقون "كأنهم لقومٍ أنبياء"، والحقيقة هم مخادعون ومنافقون، يتظاهرون بالتقوى من أجل التكسّب والارتزاق ليس إلا. فلا أتقياء بينهم غير الأغبياء:

وقد فتشتُ عن أصحاب دينٍ

لهم نُسْك وليس لهم رياء

فألفتُ البهائم لا عقولٌ

تقيمُ لها الدليل ولا ضياء

وإخوانَ الفطانَة في اختيالٍ

كأنّهم لقومٍ أنبياء

فأمّا هؤلاء فأهلُ مكرٍ

وأمّا الأوّلون فأغبياء

وبما أن العقل هو النبي للإنسان، إذا أحسن معرفة استعماله واستخدامه، فإن العقل يُعَدّ أيضاً "إماما"، حسب مفهوم المعري، إذ إنه يرشده ويقوده نحو الصواب، ويجنّبه "كذب الظن". ويعترف المعري علانية، قائلاً "ما إمامي سوى عقلي". إن إقرار المعري بنبوّة العقل في معرفة الغيب من مبدأ الأحكام على صدقها، فإنه يقرّ كذلك على إمامة العقل في تلك الأحكام والقرارات:

يرتجي الناسُ لأن يقوم إمامٌ

ناطق في الكتيبةِ الخرساءِ

كذب الظنّ لا إمام سوى العقل

مشيراً في صبحهِ والمساءِ

فإذا ما أطعته جلب الرحمةَ

عند المسير والإرساءِ

هذا، وعلينا أن نكون حذرين في فهم موقف المعري تجاه النبوة، فهو يؤمن بأن النبي محمداً "صلّى عليه الله" قد دعانا "إلى خير الأمور". إلا إن المعري أيضاً يقول "ولا تحسب مقال الرُسل حقاً، ولكن قولُ زورٍ سطروُه". كما أن "الشرائع ألفت بيننا" فأورثتنا العداوة والبغضاء. وهنا، أي الاتجاهين نتّبع؟ وأين تكمن حقيقة موقف المعري؟ خصوصاً إذا قرأنا قوله:

والعقل يعجب والشرائع كلها

خبرٌ يقلّد لم يقسْه قائسُ

متمجّسون ومسلمون ومعشر

متنصّرون وهائدون رسائسُ

وبيوت نيرانٍ تُزار تعبّداً

ومساجدٌ معمورة وكنائسُ

بالاختصار الشديد، إن المعري ليست لديه قاعدة فكرية ثابتة، ولا منهج فلسفي يلتزمه، فهو شاعر وشكّاك وصاحب عاهة، أثرت عليه ظروف الحياة المضطربة سياسياً واجتماعياً وفكرياً، مما جعلته يعتكف في بيته قرابة النصف قرن، فأطلق على نفسه "رهين المحبسين"، البيت والعمى. ولذلك طغت على أشعاره وأفكاره صبغة تشاؤمية، غالباً ما يُساء فهمها، لأنها تعكس حالته النفسية الحسّاسة، التي عانى منها كثيراً منذ طفولته، ولا تعكس موقفه العقلي المتبصّر بالأمور. لذلك عندما تجتاحه شحنة تفاؤلية تجده يكشف عن حقيقة موقفه تجاه وحدانية الله والنبوة والحياة والبشر:

فالهلال المنيف والبدر والفرقدُ

والصبح والثرى والماءُ

والثريّا والشمس والنار والنثرَة

والأرض والضحى والسماءُ

هذه كلها لربك ما عابَك

في قول ذلك الحكماءُ                                                    

رأي الغزالي

كان أبو حامد محمد بن أحمد الغزالي (450-505 هـ - 1058-1111 م) مؤلفاً مكثاراً، عدّها البعض إلى نحو 300 كتاب متنوع، في الفلسفة والمنطق والدين والأدب والتصوف، لكنه لم يكتب نظرية معينة تبحث في النبوة. إلا أن آراء وأفكار الغزالي في هذا الموضوع، جاءت موزعة في طيّات مؤلفاته، سيّما في "المنقذ من الضلالة" و"تهافت الفلاسفة". إذ تطرق الغزالي إلى منزلة الأنبياء، وكيف تكون "حقيقة النبوة".

بيد أن أقوال الغزالي، خصوصاً في كتاب "المنقذ من الضلال"، لا تنطلق من رؤية عقلية خالصة، كما هو شأن الفارابي وابن سينا والمعري، بل تنبع من مفاهيم روحية وفق نظريته الصوفية. فمن لا يسلك طريق التصوف، "فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم". إن "كرامات الأولياء هي على التحقيق بدايات الأنبياء، وكان ذلك أول حال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، حين أقبل إلى غار حراء، عندما كان يخلو بربه ويتعبد حتى قالت العرب: إن محمداً عشق ربه"!

ويشرح الغزالي عن خبرته الصوفية وصلتها بالكشف عن "خاصية النبوة" في المنامات، قائلًا "ممّا بان لي بالضرورة، من ممارسة طريقة التصوف، حقيقةُ النبوة وخاصيتها. جوهر الإنسان، في أصل الفطرة، خُلق خالياً ساذجاً لا خبر معه من عوالم الله، إنما خبره من تلك العوالم من خلال الإدراك الحسي أولاً، ثم بواسطة الإدراك العقلي. كما أن وراء العقل طور آخر تنفتح فيه عين أخرى يُبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل. وقد قرّب الله على خلقه بأن أعطاهم نموذجاً من خاصية النبوة، وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب إمّا صريحاً وإمّا في كسوةِ مثالٍ يكشف عنه التعبير".

فالنبوّة، حسب رأي الغزالي، "عبارة عن طور يحصل فيه عين يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل. ودليل إمكان وجودها وجود معارف في العلم لا يُتصوَّر أن تُنال بالعقل، كعلم الطب والنجوم. فإن مَنْ بحث فيها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي. أمَّا ما عدا هذا، من خواص النبوّة، فإنّما يُدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف. فاسمع أقوال الأنبياء، فقد جرّبوا وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع، واسلكْ سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك في منزلة النبوة الشريفة".    

وهكذا ينتهج الغزالي مسلك التصوف، لكي يتذوق النبوة في تقليد الأنبياء، إذ يقول "في أثناء العزلة والخلوة بان لي، على الضرورة، أن أدوية القلوب لا يُدرَك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين اطّلعوا بخاصية النبوّة على خواص الأشياء. فالأنبياء عليهم السلام، أطباء أمراض القلوب. وإنّما فائدة العقل وتصرّفه أن عرَّفَنا ذلك، وشهد للنبوّة بالتصديق ولنفسه بالعجز عن إدراك ما يُدرك بعين النبوّة".

ويتناول الغزالي أسباب ظهور التيار الإلحادي في الإسلام، إذ وجدها تتصل بمبدأ الفتور بين الناس في الاعتقاد بأصل النبوة، وفي حقيقة النبوة، وفي العمل بما شرحته النبوة. ولقد قسّم الغزالي الأسباب الناجمة عن الفتور الاجتماعي إلى أربعة فئات هي:

1- الخائضون في علم الفلسفة، إذ يدّعون أن الدين لضبط العامة من الناس، أمَّا هم فمستغنون عن التقليد لأنّهم من طبقة الحكماء يتبعون الحكمة.

2- الخائضون في طريق الصوفية، من أهل الإباحية، وقد توهموا أنهم بلغوا مبلغاً ترقّوا به عن الحاجة إلى العبادة.

3- المنتسبون إلى دعوى التعليم، وهم القائلون إن الحق مشكل، والطريق إليه متعسّر، والاختلاف فيه كثير، فلا ثقة برأي أهل الرأي.

4- الموسومون بالعلم بين الناس، فمن العلماء المشاهير بين الفضلاء مَنْ لا يصلّي أو يشرب الخمر، ومنهم مَنْ يأكل أموال الأوقاف واليتامى ولا يحترز عن الحرام، ومنهم مَنْ يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة، وهلمّ جرّا.

ورغم نشأة وحياة الغزالي الصوفية، لكنه لم يتخذ من التصوف مطافه الأخير إيماناً وفكراً، إلا بعد أن فرغ من دراسة علوم المتكلمين والفلسفة والباطنية، إذ وجد في بعضها العجز والكفر والضعف والزيف، فأقبل بكل ثقة وهمّة على التصوف.

وكتب في "المنقذ من الضلالة"، قائلا "الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السيَر، وطريقهم أصوب الطُرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جُمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيّروا شيئاً من سيَرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة. وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء".

ويسرد الغزالي مراحل طريقة التصوف، التي "تبتدئ بتطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحُها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، والاستغراق كلياً بذكر الله. فمن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أن المتصوفة في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد. ثم يرقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبَّر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه". 

في الواقع، إن تفضيل الغزالي لطريق التصوّف على طريق العقل في البحث عن حقيقة النبوة، يعكس مدى نفسيته وسلوكيته المتعلقة بالتصوف منذ نشأته التعليمية. ولذلك، من الطبيعي أن تصل النتائج بالغزالي إلى مطاف التصوف. لكن لولا العقل، هل يصل الغزالي إلى مبتغاه؟

على أي حال، عندما يجعل الغزالي من الشعور الصوفي، بأنه بداية النبوة عند محمد (صلّى الله عليه وسلّم)، وأنها طريقة إدراك حقيقة النبوة في المسلك الصوفي، فأنه لم يختط نهجاً صوفياً خالصاً، بقدر ما يهتم بالمحافظة على الأفكار الروحية من الأفكار العقلية العاجزة في البحث بالغيبيات أو الماورائيات.

ولقد أكد الغزالي ذلك في "تهافت الفلاسفة"، إذ يقول "إن أسرار ملكوت السماوات لا يُطّلع عليها بأمثال هذه التخيّلات، وإنّما يُطْلع الله عليها أولياءه وأنبياءه على سبيل الإلهام لا على سبيل الاستدلال". فالغزالي يدفع بتقريب مفهوم النبوة من خلال نور إلهي، وبذلك يكون التصديق عن طريق القلب لا العقل، وهذا إجحاف بحق الطبيعة الإنسانية، التي بالعقل تدرك تتنوع معارفها الروحية والإيمانية والإشراقية، وصلاتها بالخبرات والتجارب والمشاهدات.

أمَّا قول الغزالي في النبوة وعلم الطب وعلم النجوم، أنها لا تُدرَك إلا بإلهام إلهي في المنامات، فالمعرفة هنا أصبحت ظنية وليست يقينية، وشتان بين الاثنين.

لكن الغزالي أصاب كبد الحقيقة في تشخيص أسباب الفتور الاجتماعي، التي جعلت التيار الإلحادي ينتشر بين المسلمين، خصوصا مع "الموسومين بالعلم بين الناس".

اليوم يتكرر هذا الوضع عبر الإسلام السياسي والأحزاب الدينية السياسية، الإيرانية منها أو الإخوانية، وما جرى ويجري في العراق حدّث ولا حرج، فقد اجتمع فيه الجانبان الإيراني والإخواني ليعطيا أسوأ وأقذر وأحطّ صورة عن الإسلام السياسي.    

المزيد من آراء