Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إبراهيم الحسون يستعيد الذاكرة الطفولية في مدن الطين  

معرض لأعماله في القاهرة يكشف مدى ارتباطه بالتجريد الغنائي

لوحة في معرض ابراهيم الحسون في القاهرة (خدمة المعرض)

تتطلع إلى هذه الأعمال التي يقدمها الرسام السوري إبراهيم الحسون، فيباغتك اللون، هو لون مراوغ، قد يتوارى أحياناً خلف الظلال الرمادية، فلا تُكسبه هذه الغمامة سوى مزيد من الحضور والتألق. على امتداد المساحة المرسومة تتوزع قصاصات صغيرة من القماش الملون، قد تختبىء هذه القصاصات خلف كثافة المعاجين اللونية، أو تتخفى أحياناً حين تستعير بعض الدرجات الصريحة من أنبوب الرسم، لكنها تظل حاضرة ومضيئة، تغازل بصرك ومخيلتك أينما التفت.

يعرض إبراهيم الحسون أعماله في غاليري آزاد في القاهرة حتى 1 يونيو (حزيران) تحت عنوان "مدن الطين... ثوب أمي"، وهو المعرض الفردي الأول له في القاهرة. في هذه الأعمال، وإذا ما احتكمنا إلى طبيعة الممارسة التصويرية، فمن المؤكد أنها تسير على هذا النهج التجريدي الذي يختزل العناصر إلى طبيعتها الأولى، ويحولها إلى مجرد مساحات وخطوط وألوان. ولكن، ربما علينا أن نتمهل قليلاً قبيل التسليم بهذا الأمر، فسيل الأشكال التي تتخلق من بين هذه التقاطعات الخطية والتداخلات اللونية، قد يدفعنا إلى إعادة الرؤية من جديد. تأمل التفاصيل واطلق لخيالك العنان، فالدرجات الرمادية هنا تبدو كتلال عامرة بالكائنات، والأزرق سماوات مفتوحة، أما الخطوط المرسومة فكأنها قطعان من الحيوانات تفر هاربة، بينما تشي أخرى بأسراب من الطيور تحلق في فضاء أرجواني. في اللوحة يمكنك أن تتبين أشباحاً لبشر عابرين ومحاطين بسحابات سقطت لتوها من السماء. بإمكانك أن تستكشف ملامح هذه الأشكال بسهولة إذا ما أردت، فاللوحة عند إبراهيم الحسون تفتح لك مسارات من الخيال وأسباب لإعادة بناء المشهد أو اختلاقه.

مقابل بصري

قد يُحاصرك العنوان الذي اختاره الفنان ويدفعك إلى البحث عن مقابل بصري بلا شك، غير أن منطق اللوحة غالباً ما يتخذ مساراً مختلفاً، كما أن دوافع الفنان للفعل البصري قد لا تتسم بهذه المباشرة. مدن الطين وثوب الأم حاضران بالطبع في هذه التكوينات، وهو ليس حضوراً تخيلياً فقط، بل له وجود مادي ملموس، نتبينه في تركيب الخامات التي يوظفها في تشكيل العمل. غير أن هذا الحضور والتوظيف المباشر للعناصر الطبيعية ليسا سوى وسيلة للفعل البصري واستحضار هذه الصور العالقة في الذاكرة.         

يرى الفنان إبراهيم الحسون أن لغة اللوحة تشبه المناغاة عند الأطفال الصغار، أنت تتفاعل معها وتحبها من دون أن تفهمها، أما حين تتأكد هذه اللغة وتتخذ شكلاً مفهوماً أو عقلانياً فهي تخسر أحد أهم مميزاتها كما يقول. هو يبحث عن هذه الأشياء التي تشبهه، فقد ولد في بيئة ريفية، بيوتها مبنية من الطين المخلوط بالقش، البيوت هنا هي جزء من الأرض، لذا فهي قريبة من الروح والقلب. أبرز ما  يميز البيئة الريفية أنها بيئة مفتوحة وبسيطة ومتناغمة مع الطبيعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كانت الذاكرة البصرية لديه مسكونة بكل هذه الأشياء البسيطة التي عاش طفولته في كنفها: بيوت  طينية، ومساحات مفتوحة، وأفق ممتد إلى ما لا نهاية. لا حواجز أو تشوهات من شأنها أن ترهق البصر أو تقف حائلاً أمامه، أما اللون فهو في غاية البساطة والتقشف. التركيبة البصرية واللونية هنا لا تشبه التركيبة اللونية والبصرية للمدينة بطبيعة الحال، فالمدينة مليئة بهذه التفاصيل المُرهقة. في المدينة تجد نفسك في لهاث مستمر لتتبع هذه التفاصيل. أما في الريف فاللون الطيني هو السائد، من أجل هذا فالألوان الصريحة ظاهرة ومؤكدة في الريف، فهي مكملة لبيئة متقشفة لونياً.

لا يقصد الفنان هنا بثوب أمه، الحديث عن ذكرياته وحده، بل هو يعني كل الأمهات كما يقول. هو يفكر في العمل كنص بصري أولاً وأخيراً، لا تعنيه الحكاية أو السرد، فاللوحة أشبه بالموسيقى التي نتفاعل معها عن طريق الأذن، أما العمل البصري فنتفاعل معه عن طريق البصر.  مدن الطين وثوب الأم هما وسيلة لصياغة نص بصري بعيداً عن الحكي أو السرد المباشر؛ هو نص بصري يفكك العناصر ويعيد صياغتها من جديد.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة