Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لمست في مستودعات أمازون الجديدة كيف تؤثر الروبوتات على طريقة عملنا

يجد الآلاف من العمال أنفسهم داخل مستودعات مساحتها شاسعة ومع أنّ الروبوتات لا تحلّ محلّ الناس فعملها معهم يرفع من وتيرة أدائهم بشكل كبير

شعار شكرة أمازون مرفوعا في أحد مستودعات الشركة في فرنسا (رويترز) 

زرت أخيراً مركز تعبئة تابعاً لشركة أمازون في منطقة تيلبري في مقاطعة إيسيكس يسمّى  "ل سي واي 2 "(LCY2). وهو مركز من "الجيل التاسع" أي أنه من أحدث مراكز الشركة إذ يعمل على مدار الساعة عمالٌ وروبوتات ينتشرون على امتداد مليوني قدم مربع هي مساحة هذا المستودع الذي يساوي حجمه  28 ملعباً لكرة القدم.   

تغيّرت أمازون كثيراً منذ تأسيسها عام 1994 على يد جيف بيزوس الذي بدأ العمل بشحن الكتب من مرآب منزله في ولاية سياتل. كبرت الشركة وتوسّعت بشكل هائل منذ تلك الفنرة وأصبحت تشحن الآن كل شيء تقريباً إلى المنازل في كافة أرجاء العالم. وصار بيزوس في هذه الأثناء أغنى رجل في العالم إذ تُقدر ثروته بما يزيد عن 100 مليار دولار أميركي.

لكن مركز "ل سي واي 2" يلقي الضوء على وجه آخر لشركة أمازون، فهو يشكل جزءاً من شبكتين مهمتين أنشأتهما الشركة. الأولى هي مراكز التعبئة (التنفيذ) التي تُسلّم من خلالها البضائع الفعلية بعد يوم على طلبها، أو أحياناً  بعد أقل من ساعتين. وإقتضت هذه الخدمة إنشاء بنية تحتية ضخمة، فأمازون تدير 175 مستودعاً تصل مساحتها الإجمالية إلى 150 مليون قدم مربّع. أما الثانية فهي شبكة خدمات أمازون على الانترنت وهي بنية تحتية من الحوسبة السحابية تعمل العديد من الشركات عبرها  وتوفّر خدماتها بواسطتها. 

هكذا يمثل مركز "ل سي واي 2" الرقعة التي تلتقي (تجتمع) فيها الشبكتان الملموسة (الفعلية) والرقمية. في المستودع 3000 عامل لكنهم لا يستطيعون إنجاز عملهم لولا وجود 16 ميل من الأحزمة الناقلة وآلاف روبوتات "كيفا". تتوسّط المستودع منطقة مسيّجة يُسمح للروبوتات فقط بدخولها. تحمل هذه الروبوتات المسطّحة البرتقالية ما يساوي 8000 برجاً من الرفوف وتنقلها من مكان إلى آخر في المستودع.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعتمد العمّال بموجب هذا النظام على عمليات تقوم على خوارزميات. ويتوزعون على نقاط عمل محددة حول السياج الذي تربطه السلاسل المعدنية حيث يودعون الأغراض أو يستلمونها. على الرغم من تأكيد الدليل المسؤول عن الزيارة أنّ الروبوتات آمنة كلياً ، وقد نُصب السياح حول منطقة عملها لأن"القوانين الأوروبية" تقتضي ذلك، فإن انطباعاً   قوياً يتشكل لدى المرء  بفصل عالمين عن بعضهما بعضاً هنا. من الصعب مشاهدة ما يحدث ما وراء السياج بسبب عدم وجود إضاءة في مركز المستودع. ولكننا اطّلعنا على بثّ مباشر لما يجري فيه من خلال جهاز كيندل التابع لأمازون ورأينا النشاط الأوتوماتيكي الحثيث وحركة الآلات.

عندما تصل سلعة ما إلى المستودع، يقف أحد مسؤولي "الفرز" في إحدى نقاط العمل ويمسحها إلكترونياً ثم يضعها في كومة لا تلبث أن تختفي بدورها في مركز المستودع. في المقابل، تحدث العملية المعاكسة عندما يشتري زبون مادة ما. عندها يضع أحد مسؤولي "الانتقاء" المادة على طبق بلاستيكي يمضي على متن حزام ناقل كي تُوضع المادة في علبة وتُرسل إلى الزبون. وعليهم التقاط غرض كل 9 ثواني. 

يقابل المنطقة المعتمة التي تعمل فيها الروبوتات، الجانب الذي يشتغل فيه البشر حيث تسطع الإضاءة المتدفقة من مصابيح النيون وتكثر اللافتات التحفيزية التي تحث على العمل وتلك التي تذكر بقواعد السلوك. يمرّ العمال عبر أجهزة التفتيش من أجل الدخول إلى المستودع ويبدو أنّ الموقع بكامله يخضع للرقابة.     

وخلال الجولة كان الأجر الذي تدفعه الشركة للعامل (10.50 جنيه استرليني في الساعة ) موضع  اهتمام، وهو يقلّ بخمسة بنسات عن " الأجرالمعيشي في لندن" الاختياري الذي يحثّ محافظ  الشركات على دفعه حتى تكون الاجور كافية لتغطية التكلفة المعيشية الحقيقية  في العاصمة. لكن لايأتي كثيرون منهم على نفقتهم الخاصة، بل في باصات تنقلهم من شرق لندن. وتعمل وكالتا التوظيف "أديكّو" و"بي أم بي" على إيجاد موظفين للعمل في أمازون، مما ييبّن أنّ الطلب على الناس ما زال مرتفعاً هنا رغم وجود الروبوتات. حتى أنّ الدليل يشير خلال الجولة إلى أنهم لا يسعون إلى الاستغناء عن الناس في مواقع كهذه بل زيادة إنتاجيتهم بشكل كبير.

بالنسبة للعمال، هذه الانتاجية الزائدة  تعني العزل الشديد. فهم يقفون عند نقاط عمل متباعدة بحيث لا يقدرون على تبادل أطراف الحديث. ويصدر المستودع صوتاً خافتاً مستمراً مثل صوت المصانع، ويبدو أنه غير مكتمل بعد إذ يطغى عليه منظر الإسمنت غير المدهون وتنتشر فيه السقالات. ويشعر الزائر أن المكان قيد التحوّل ولا يفصله عن التغيرات التكنولوجية الجديدة سوى قرار من الإدارة.

ليس غريباً أنّ العديد من أوجه العمل تخفى على الزوّار. فخلال الجولة لم نرَ أي دليل مباشر على "تحديد مواقيت زيارة الحمام، ووضع أهداف للمبيعات يستحيل بلوغها، وفرض ظروف عمل مرهقة ’لا يمكن تحمّلها‘"، حسبما ذكر الصحافي الذي أجرى تحقيقاً استقصائياً  في المستودع على نحو سري من دون أن يكشف عن هويته الحقيقة. لكن في المقابل، لدى سؤال المرافقين عن ظروف العمل سارعوا إلى القول ما معناه "صحيح إنه قيل عنّا أننا ندير مشاغل على طريقةالحقبة الفكتورية، ولذلك نحن نتعامل بشفافية الآن وما عليك سوى الانضمام إلى الجولة كي تتأكد بنفسك".

بعد التجول في المستودع يتّضح أن هذا العمل ذا الأجر المنخفض يخضع للتغيير. يجد الآلاف من العمال أنفسهم داخل مستودعات شاسعة، حيث لا تحلّ الروبوتات محلهم  بل ترفع كثيراً من وتيرة أدائهم بعملها إلى جانبهم. لا يمكن تشغيل المستودع من دون البشر ولو كان من الجيل التاسع. ومن الجليّ أنّ هؤلاء العمّال يشكلون دعامة الاقتصاد المعاصر مع أنهم، على عكس جيف بيزوس، أبعد ما يكونون عن الحصول على جزء عادل من العائدات.

© The Independent

المزيد من آراء