Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إثبات النسب بالحمض النووي حقيقة علمية أم قرينة دينية؟

12 ألف قضية إنكار نسب منظورة أمام المحاكم المصرية بنهاية 2022

القانون المصري ظل متحفظاً ومانعاً لحق المرأة في تسجيل الطفل باسمها (بي إكس هير)

ملخص

"DNA" حلقة جديدة في مسلسل الصراع بين فريقي التجديد والتأصيل في مصر، لا سيما وأن هناك 12 ألف قضية إنكار نسب منظورة أمام المحاكم حتى نهاية 2022

قبل نحو عام، تسبب المثير للجدل أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، أحمد كريمة، بقدر أوفر من الشد والجذب بين الفرق المتناحرة حول إقحام الدين في العلم من عدمه، وذلك حين أكد غاضباً على أن الزوجة التي تحمل وهي على عصمة رجل يكون الطفل للرجل الذي هي على عصمته، بغض النظر عن أية شكوك، وأن هذا النسب يقتصر على فترة العدة فقط حال حدوث الطلاق، أما إذا انتهت فترة العدة فلا ينسب الطفل للزوج حتى وإن أثبتت التحاليل الطبية أنه ابنه!

قرينة وليس دليلاً

حجة كريمة التي ساقها حينئذ تستند (بحسب قوله) إلى أن "الفقه الإسلامي فقه رحمة وموضوعي وواقعي، ويوجد فيه قول على إن ماء الزاني فاسد، أي إنه لا يترتب عليه آثار شرعية ولا يلحق به مولود" وإن "هناك فرقاً بين الدليل والقرينة، فالدليل يكون قطعياً أما القرينة فتحتمل الخطأ والصواب".

واستطرد كريمة (وهو من أكثر شيوخ الأزهر ظهوراً في القنوات الفضائية وتأثيراً في تكون الرأي العام الشعبي الثقافي الديني) قائلاً، إن "القرائن ليست أدلة، هي إما استشهادية أو تقريبية، ويمكن للقاضي أن يستعين بها كأمر استشهادي أو تقريبي"، وتساءل مستنكراً "كيف شرعاً وعقلاً وعرفاً أن ينسب ولد لرجل ليس ضالعاً مع الأم في علاقة زوجية؟!  ثم بعد ذلك نكتفي بقول إنه تم عمل "دي أن إيه"؟! المرأة هنا هي التي تتحمل وينسب لها الطفل، لأن الشرع أناط النسب بالإقرار، والولد للفراش معناها يكون للزوجية الصحيحة".

بمعنى آخر، العلاقة الجنسية الكاملة إن حدثت بين رجل وامرأة ونتج منها حمل وولادة، يكون الطفل بلا أب "شرعاً" لأن العلاقة لم تكن في إطار الزواج الرسمي! أما الـ"دي أن إيه" ومثل هذه التحاليل القائمة على العلم، "فلا ننكرها كأمر علمي، ولكن نأخذها قرينة وليست دليلاً لأن الخطأ وارد"، وبرهن كريمة على "عدم إمكان الاعتماد على الـ"دي أن إيه" لنسب الطفل للرجل بأن نتائج التحاليل لا تكون دائماً صحيحة بنسبة 100 في المئة!

كان هذا قبل عام، وتم التعامل مع موقف كريمة من العلم والعلوم الطبية والإثباتات الكيماوية بحجة المعمل وبرهان العلم بإنها زوبعة دينية باتت معتادة في فنجان الملايين الرابضة في أرجاء منصات التواصل الاجتماعي أو على الكنبات المثبتة أمام الشاشات الفضائية المتفرغة للقيل والقال، وتحديداً "قيل" الآراء الغريبة و"قال" الفتاوى الأغرب.

أقصى درجات الغرابة

أقصى درجات الغرابة يتحقق حين يتحول القيل إلى فعل، ويجد الناس أنفسهم أمام رجل ينفي نسب طفل نكاية بالأم، أو فريق محامين مسخر لإثبات سوء سلوك امرأة، وتعدد علاقاتها الجنسية لنفي نسب طفلها لموكلهم الرافض للخضوع لاختبار الحمض النووي، أو طفل بلا أوراق هوية لأن من يعتقد أنه الأب يرفض الاعتراف بأبوته حفاظاً على مكانته الاجتماعية أو رفضاً لتحمل المسؤولية، أو عقاباً للمرأة على عدم امتثالها لأوامره أو القواعد التي أرساها للعلاقة بينهما، والبطل الغائب في كل ما سبق هو الحمض النووي أو اختبار الـ"دي أن إيه" المتجاذب عليه بين رجال الدين وبين العلم.

وحتى شهر ديسمبر (كانون أول) الماضي، كان هناك ما لا يقل عن 12 ألف قضية إنكار نسب مقامة أمام المحاكم المصرية، وتشير إحصاءات محاكم الأسرة المصرية إلى أن أكثر من نصف تلك الدعاوى أقيمت في السنوات الخمس الأولى من الزواج، إذ تريد الأم أن يخضع من تقول إنه الأب لاختبار الحمض النووي، ومن يعتقد أنه الأب يرفض أو يراوغ أو يمتنع، والقانون يحميه ومن يفسرون الشرع يدعمونه.

الولد للفراش

الغالبية العظمى من هذه المحاكم والقائمين عليها يعتمدون على قاعدة "الولد للفراش"، وهي القاعدة التي تستند إلى الحديث "الولد للفراش وللعاهر الحجر" الذي يفسره علماء الدين بأن "الزاني لا حق له في الولد، وأن الأصل أن يكون الولد للفراش حفظاً للأنساب من الضياع، فلو أن رجلاً غاب عن زوجته فولدت، فالولد لاحق به ما ينفه باللعان"!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية 2009 تشير إلى اتفاق الفقهاء على أن "ولد الزنا يثبت نسبه من أمه لأن الأمومة علاقة طبيعية عكس الأبوة التي هي علاقة شرعية، فلا ثبوت أبوة لزان لمن تخلق من ماء زناه".

يشار إلى أن القانون المصري ظل متحفظاً ومانعاً لحق المرأة في تسجيل الطفل باسمها، وهو ما يعني أن آلاف الأطفال بلا نسب أو أوراق رسمية تمكنهم من استخراج شهادة ميلاد طريقهم إلى الالتحاق بمدرسة والحصول على التطعيمات والرعاية الصحية وغيرها، ناهيك عن تمتعه بالحق في أن يكون مواطناً له بطاقة هوية.

شرطة الأخلاق

هوية هؤلاء الأطفال وثيقة الصلة بشرطة الأخلاق المجتمعية والثقافية والدينية، ومن ثم القانونية والقضائية والحكومية، التي تنظر بعين الاحتقار والازدراء للمرأة التي تقيم علاقة جنسية خارج إطار الزواج، وعلى رغم أن هذه العلاقة تقام مع رجل، إلا أن الموروث المجتمعي يرى أن علاقات الرجل داخل أو خارج أو حول منظومة الزواج مبررة ومفهومة ومنطقية ومغفورة، بل والتضامن معه بدعمه في إنكار نسب الأطفال له إن لم يشعر برغبة في ذلك، بحسب الفريق المتعجب من موقف رجال الدين الرافض لإثبات النسب بالعلم.

أما الفريق الراضي والممتثل لعدم إثبات النسب للرجل في العلاقات "التي يرفضها المجتمع" وترك الطفل للأم التي لا يسمح لها القانون نفسه باستخراج أوراق ثبوتية للصغير، فيقولون إن الحكمة في ذلك هو حماية أعراض الناس وصون أنسابهم، وهناك في هذا الفريق من يطالب بعقوبات قاسية على من تسول له نفسه المطالبة بإخضاع أحدهم لاختبار إثبات نسب!

الأب ينفق ويحمي

عديد من رجال الدين يؤكدون أن الحكمة من نسب الولد إلى أبيه وليس أمه هو أن الأب قائم على الصغار ومكلف بنفقتهم والمتولي الدفاع عنهم، وليس الأم، وعلى رغم أن هناك آلاف، وربما ملايين، الحالات التي يرفض فيها الأب الإنفاق على أبنائه (الذين لا يشكك في نسبهم) وذلك نكاية في الأم أو رغبة في توجيه الإنفاق لقنوات لها أولوية مثل الزواج بأخرى أو غيرها، ناهيك عن ملايين الأسر التي تتكفل النساء وحدهن بالإنفاق عليها، إلا أن العبرة تظل بالحكمة القديمة.

قدم الحكمة لا تنافسه في الغرابة إلا واقعية سلسلة من الأحداث التي شهدها المجتمع المصري في الأيام القليلة السابقة، التي تشابكت فيها حكمة مسؤولية الأب عن الصغار وحمايتهم، مع رفض إثبات النسب بالعلم الحديث، ومعهما الإصرار على إثبات النسب لمن قال العلم إنه ليس الأب.

هرب الزوج وسرق العقد

محكمة الأسرة في الجيزة رفضت دعوى إثبات نسب أقامتها سيدة ضد لاعب كرة قدم مشهور، إذ تقول إنها تزوجت عرفياً من اللاعب، وأقامت معه لمدة ستة أشهر في شقة مستأجرة، وحين علم "الزوج" بالحمل هرب بعد ما "سرق" عقد الزواج ورفض نسب الجنين له.

في المقابل، فإن الحكم الصادر من محكمة مصرية في قضية أخرى منذ أشهر ما زال حديث الناس في مصر، وهو لزوج شك في سلوك زوجته أثناء سنوات عمله في دولة عربية، خضع لاختبار حمض نووي لإثبات أو نفي نسب الأبناء الثلاثة له، وأثبت التحليل أنه ليس الأب، وعلى رغم أن الزوجة والرجل الذي أقامت علاقة معه أثناء سفر زوجها سجنا لمدة ثلاثة أعوام، وذلك بعد إخضاع الجميع لاختبارات الحمض النووي التي أثبتت للمرة الثانية أن الزوج ليس الأب، إلا أن المحكمة حكمت قبل أيام برفض إلغاء نسب الأطفال للزوج على رغم ثبوت أنه ليس الأب مرتين بتحليل الحمض النووي، وذلك عملاً بالقاعدة الفقهية التي تنص على أن "الولد للفراش"!

على رغم التناقض الذي ينعته المعارضون بـ"الفج"، والمنطق الذي يصفونه بـ"الغائب"، إلا أن القضايا والأحداث والحوادث التي تنطوي على ملامح أو معالم أو شبهة علاقة ذات طابع جنسي يتم التعامل الشعبي معها من أحد منطلقين لا ثالث لهما، إما مطالبة المرأة بالسكوت طلباً للستر، أو دفن الرؤوس في الرمال إلى أن يهدأ وهج الحدث ويمر كغيره.

صدام رجال الدين والعلم

تظل أحداث وحوادث محاولات إثبات النسب أو نفيه عبر العلم والحداثة في حال صدام واضح وصريح مع الغالبية في المجتمع، التي يتزعمها الجانب الأكبر من رجال الدين، سواء في المؤسسات الرسمية أو أولئك المستقلين الذين يملأون الأثير العنكبوتي إفتاءً واجتهاداً ونشراً لفقه وأفكار تتعامل معه الغالبية باعتبارها أقرب ما تكون إلى القرآن والسنة، وتراها أقلية باعتبارها مفرطة في التشدد ومبالغة في استعداء العلم ورفض الحداثة.

صدام التنوير

يقول الخطيب والإمام في وزارة الأوقاف المصرية وأحد القلائل المجددين، نشأت زارع، إن كثيرين من رجال الدين يصطدمون بجمهور الحداثة والتنوير، وهو الأمر الذي يزداد يوماً بعد يوم بفعل ثورة الاتصالات وأثرها على الجميع، وإمكانية الحصول على المعلومات وتبادل الأفكار، مضيفاً "حين تثار قضية مثل ختان الإناث أو زواج الطفلة أو العلاقة مع الآخر أو السحر والجن وغيرها، نجد كثيرين من المشايخ الذين يتم اللجوء لهم للرأي يستفتون من ماتوا قبل أكثر من ألف عام، ويستدعون الناس من قبورهم ليجيبوا عن مسائل وقضايا قال فيها العلم الحديث والطب كلمتهما، ويتجاهلون العلم والبحث الموثق، ويتمسكون بآراء من كانوا يصعدون الجبل لرؤية الهلال بالعين، ويستجمرون بثلاث حصوات، ولم يكن في زمنهم وسائل علمية أو طبية تساعدهم في تيسير أمور حياتهم".

وأكد زارع أن الفتوى تتغير بالمكان والزمان، متابعاً القول "لا نعيب على من اجتهد في زمنه، ولكن على من يرفض الاجتهاد في زمننا ويكتفي بالفتاوى نفسها التي كان معمولاً بها في القرن الثالث، رافضاً أي استعانة بالعلم الذي قال كلمته الموثقة والمؤكدة، وتراه مصراً على البحث في بطون الكتب، ساخراً ممن يحترمون عقولهم والعلم والفكر، فتارة يصفونهم بالعلمانيين، وأخرى بأعداء الإسلام، وثالثة بأصحاب الأجندات".

مواقف متناقضة

في السياق نفسه، تتساءل الكاتبة، سحر الجعارة، ساخرة وغاضبة "هل نلغي التحليل؟"، مضيفة "كيف يحرم الإسلام التبني خوفاً من اختلاط الأنساب، ومع ذلك ينسب أبناء غير شرعيين لرجل لمجرد أنه زوج المرأة التي أنجبتهم بطريقة غير شرعية؟ أليس عدم الاعتراف بنتائج تحليل الدي إن إيه معاداة للعلم؟ وكيف شرعاً وعقلاً وعرفاً أن يثبت الزنا على امرأة وينسب أولادها إلى الزوج على رغم أن التحليل أثبت إنهم ليسوا من صلبة؟"

وتابعت "كيف نتعامل في قضية اختلاط الأنساب في هذه الحالة؟ لماذا أخذنا من السنة الولد للفراش وتركنا الملاعنة؟ إن لم يتغير القانون، سنصبح كمن يشق بطن الحامل ليعرف نوع الجنين ولا يعترف بوجود السونار! نتعامل مع الطفل وهو الضحية، وكأنه فضيحة تسير على قدمين، مفروض عليه أن يسدد ثمن خطيئة أمه مدى الحياة، ونتعامل مع العلم والقانون وكأنهما بدعة من عمل الشيطان".

 البدعة المذهلة

بدعة الـ"دي أن إيه" المرفوضة، وفي أقوال أخرى الكشف العلمي المذهل المسمى بـ"الحمض النووي منقوص الأوكسجين" والجدل المثار حولها والمصاحب لها هي حلقة جديدة في مسلسل الصراع بين فريق مجدد أو حالم بالتجديد الديني، وآخر رافض للتجديد وممسك بتلابيب كل ما هو قديم حتى وإن نسفه أو نقضه أو نفاه العلم الحديث.

الـ"دي أن إيه" هو ذلك المكون الموجود في داخل الخلايا، الذي يحتوي على المعلومات الجينية المسؤولة عن تطور الكائن الحي ووظيفتها، وتسمح للجزيئات بالانتقال من جيل لآخر، وهي أساس كل أشكال الحياة البيولوجية، وموجودة في كل أنواع الخلايا إذ تحمل المعلومات الوراثية للكائنات الحية، وكل التعليمات التي تحتاجها لتنمو وتتكاثر وتبقى.

الغريب أن استخدامات الـ"دي أن إيه" العديدة لحل ألغاز الجرائم، والتعرف إلى هويات الرفات البشرية، والاختبارات الجينية حيث تسلسلات الحمض النووي لكل شخص فريدة من نوعها،  وتحديد مسببات الأمراض وتتبع تفشي أمراض أخرى، وتحليل البقايا البيولوجية في مواقع الحفريات الأثرية، وإلقاء الضوء على صناع الحضارات القديمة التي حيرت العالم، ودراسة أنماط الهجرة البشرية، وتطوير علاجات جديدة لأنواع السرطان، وتحديد استعداد الأشخاص للإصابة بأمراض بعينها قبل حدوثها وغيرها لا تقلق مضاجع رجال الدين أو تنغص حياة العامة، لكن حين يأتي الأمر بقدرة الحمض النووي على معرفة إن كان "فلان" هو والد "علان" أو لا، فإن الأمر يتحول إلى قواعد شرعية وأسس فقهية ورفض اعتبار العلم الحديث قرينة تحتمل الخطأ والصواب وليس دليلاً دامغاً. 

"عنصرية" فرق الذكاء

وينسب اكتشاف بنية الحمض النووي إلى العالمين البريطاني فرانسيس كريك والأميركي جيمس واتسون في 1953، إلا أنه عمل مضن وبحث مستفيض استغرق عشرات السنوات، ويشار كذلك إلى أن واتسون – أحد العالمين المنسوب لهما هذا الكشف العلمي العظيم والحائز جائزة نوبل- تم تجريده من عديد من ألقابه، بما فيها "نوبل" بعد ما دأب على تكرار وجهة نظر وصفت بـ"العنصرية" مفادها أن الجينات تؤدي إلى فروق في معدلات الذكاء بين السود والبيض لصالح الفئة الأخيرة، واعتذر واتسون – أو الظروف أجبرته – على ذلك، لكن يبدو أن الاعتذار يختلف عن القناعة، فقال إنه يحب السود ولن يستفيد شيئاً من الإساءة لهم، لكن ما قاله يرتكز على أسس علمية بحثية جينية.

الطريف أنه "حاول أن يكحلها فعماها تماماً"، وذلك في حديث أدلى به في 2019، إذ سأله الصحافي إن كان غير قناعاته في ما يختص بذكاء السود الأقل من ذكاء البيض، فقال، "لا، مطلقاً. كنت أود أن يتغيروا (السود) أو أن تظهر أمارات بأن سبل الرعاية والتنشئة أهم من الطبيعة، ولكن لم تظهر أية أدلة علمية تبرهن على ذلك، هناك فرق في معدلات الذكاء بينهما، وهذا الفرق وراثي".

ويعود واتسون ويؤكد على أنه يتمنى أن تظهر مؤشرات تنفي ذلك، أو يتم الوصول إلى سبل علمية لتغيير هذا "الواقع"، مشيراً إلى التعامل مع هذا الوضع من منطلق "إذا كان الفرق موجوداً، فعلينا أن نسأل أنفسنا: كيف نعمل على تحسينه لا على تجاهل وجوده أو نفيه"!

المزيد من تحقيقات ومطولات