Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دراما رمضان ترفع الحرج عن الصراع الطبقي في مصر

"جعفر العمدة" يجلب الاعتراف بمحمد رمضان والممانعون يتساقطون

بزوغ نجم الأعمال لا يعني بالضرورة روعة الأعمال بالمقاييس الفنية أو عظمتها بالمعايير النقدية (مواقع التواصل)

يبدو المشهد أقرب ما يكون إلى حلقات المجاهرة بالإدمان شرط السرية، في هذه الحلقات يقف كل مشارك ليعلن أنه أدمن مخدر كذا أو شراب كذا ويعترف بذلك، حيث الاعتراف العلني "السري" بداية الطريق.

الاعترافات العلنية السرية مجتمعية مصرية، تدور رحاها على مدار الساعة منذ أوائل شهر رمضان، لكنها احتدمت في نهاياته ووصلت أوجها على خلفية موجات تكريم وتبجيل الفنانين والفنانات الذين بزغ نجم أعمالهم الدرامية على الشاشة الفضية طوال أيام الشهر.

بزوغ نجم الأعمال لا يعني بالضرورة روعة الأعمال بالمقاييس الفنية أو عظمتها بالمعايير النقدية، بل يمكن أن يعني حال الشد والجذب التي تسببت فيها أو حلبة الصراع بين المعجبين والمنددين التي اشتعلت بسببها.

عوامل الصراع

على رغم أن العوامل المؤججة للصراع الدرامي بين المصريين كثيرة، فإن المحفز هذه المرة مختلف تماماً، فقد جرى العرف الرمضاني الشعبي الدرامي على مدار السنوات الماضية على اشتباك أنصار الفن النظيف منزوع القبلات الخالي من الأحضان والحميميات ومؤيدي الفن العادي، حيث القبلة وقت الحاجة والحضن في خدمة البناء التكتيكي للعمل، بل أحياناً يتدخل مكفرو الفنانين ومصدرو أحكام الفسق والفجور والمطالبون بضرورة اقتصار الفن على أعمال تمجد السلف الصالح وتمثيليات توثق مسيرة الدعاة والأئمة من دون نساء أو موسيقى أو أي من "الموبقات"، وربما يضلع بعضهم في نقاشات ساخنة حول قصة عمل هنا، أو سيناريو عمل هناك وهلم جرا.

لكن ما جرى تحديداً حول مسلسل "جعفر العمدة" وضع الحراك الدرامي الشعبي الرمضاني في خانة "الصراع الطبقي"، سنوات طويلة وصراع مكتوم بين الطبقات وبعضها يدور في أروقة سرية، عقود كثيرة والهرم الطبقي المصري يحفل بكم هائل من التحركات والاحتقانات والاحتكاكات لكن أغلبها مكتوم مستور، إما بفعل الحرج أو ادعاء لمثالية التكامل، لا الصراع الطبقي.

"نمبر وان"

سنوات طويلة استهلت نشاطها الاحتقاني مع ثورة يوليو (تموز) عام 1952 التي دقت على أوتار "إزالة الفوارق بين الطبقات"، وهي الفوارق التي دار أغلبها في نطاق الأرستقراطية وارتباطها الشرطي بالثروة في مقابل بقية الشعب. وسطرت فصلاً متفرداً في التعريف الطبقي مع سياسة الانفتاح الاقتصادي التي اتبعها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، التي نجمت عنها ولادة طبقات جديدة فكت ارتباط الرقي التعليمي والسمو الاجتماعي بالمال والثروة، ثم مضت قدماً لينقلب الهرم رأساً على عقب مرات عدة، فتختلط جزيئاته ولا تتبقى سوى أمارات حسرة من كانوا "فوق". فالقادمون لم يكتفوا بالانضمام إليهم، بل أزاحوهم تدريجاً وحلوا محلهم فأصبح القادمون "ذليل قوم عز" والراحلون "عزيز قوم ذل".

سنوات طويلة وشد مجتمعي وجذب شعبي تدور رحاهما بأشكال متوارية وسبل مخفية حول الطبقة التي كانت "تحت" ثم صعدت "فوق" مصطحبة أخلاق المناطق العشوائية وسلوكيات الفئات الفوضوية، لا لشيء إلا لامتلاكها المال الوفير حتى أصبحت "نمبر وان".

"نمبر وان" وجد نفسه – وربما أوجده المصريون - في القلب من الصراع الرمضاني الدرامي الشعبي هذا العام، لا من مدخل العمل الفني "جعفر العمدة" بقدر ما هو من مدخل ما يمثله رمضان من احتقان الطبقات في مصر.

محمد رمضان ملقب بـ"نمبر وان" (رقم واحد)، أو ربما لقب نفسه بذلك، وأثبتت الأيام صحة اللقب، إن لم يكن بجودة ما يقدم أو رفعة ما يمثل أو سمو ما يرمز له، فبمقدار الشعبية الكاسحة الطاغية اللامتناهية بين الطبقات القابعة عند قاعدة الهرم الطبقي وما فوقها بقليل. إنها الطبقات التي كانت تمثل نحو 30 في المئة من السكان، بحسب تصنيفات رسمية قبل كوفيد-19، وهي أيضاً الطبقات التي يقدر محللون اقتصاديون في زمن ما بعد التعويم المتكرر وحرب روسيا في أوكرانيا وغيرها من العقد الاقتصادية المتواترة بوصولها إلى 60 في المئة من مجموع السكان البالغ عددهم نحو 104 ملايين.

تحليل نمطي

هذا التحليل النمطي الكلاسيكي يضع رمضان وخلطته الدرامية الغنائية، التي يرى بعضهم أنها تمجد البلطجة وترفع من شأن الخروج على القانون وتجمل العنف وتبجل العشوائية وتبارك الذكورية السامة وتمتدح سطوة العضلات وتمعن في إرساء قواعد الشغب وترسيخ جذور العشوائية، في قالب جامد يفتقد المرونة ويفترض أن "نمبر وان" هو نجم الفقراء وحبيب الجهلاء وقريب الفوضويين وابن عم ونسيب كل من العشوائية والعنف والقبح والخشونة.

شاع هذا التحليل على مدار عقد كامل، وتحديداً منذ عام 2014 حين قدم رمضان نفسه للجمهور في بطولة مطلقة، لكنه كان شيوعاً محدوداً من حيث المحدودية العددية للفئة أو الطبقة التي اعتنقته، لكنه كان زاعقاً صادحاً لأن أغلب الإعلاميين والمثقفين والكتاب والأكاديميين وغيرهم من الطبقات "المميزة" اعتنقه.

لكن ظل هذا التحليل يدور في دوائر المثقفين المغلقة، بينما أرض الواقع تنضح وتتفجر بشعبية جارفة لـ"نمبر وان"، "ملك التكاتك" (جمع توك توك) و"الأسطورة" و"البرنس" وأحياناً "برنس البرانس" وربما "عم البرانس" و"الملك" و"نسر الصعيد"، ألقاب يحصدها رمضان على رغم أنف المثقفين والممتعضين من سطوة "البلطجة" وهيمنة "العشوائية" وسلطة "الهمجية".

ملك "التكاتك"

خلفيات آلاف "التكاتك" والميكروباصات مغطاة بالكامل بصور "الأسطورة" "نمبر وان". تسريحة شعره وموديل لحيته في بعض الأدوار اللتان يعتبرهما سكان الطبقات العليا في الهرم دليلاً دامغاً على رداءة الذوق وتدني الأخلاق وعشوائية السلوك، أو كما يقول المصريون "بلدي" أو "بيئة" هما سمة كثيرين من الشباب والمراهقين في شتى أرجاء مصر. إنه أيقونتهم وكل ما يقوله أو يفعله أو يختاره يجد صدى بينهم.

لكن الجديد في رمضان هذا العام هو مجاهرة كثير من أبناء الطبقات المخملية والمثقفة و"الراقية"، ومعهم بقايا الطبقة المتوسطة المنقرضة الممسكة بتلابيب التعليم وقواعد التربية وأسس التنشئة بإعجاب مشوب بالحذر، أو تقدير لا يخلو من انتقاء، أو اعتراف محكوم بقائمة شروط بمحمد رمضان. بعد سنوات قاربت من العشر تأرجحت خلالها هذه الطبقات بين الشجب والتنديد بما يقدمه رمضان من فن "رديء" وأفكار من شأنها أن تجلب مزيداً من التدني لمجتمع يعاني بعضه أصلاً تدنياً أخلاقياً منذ سنوات، ثم اعترافات خلف الأبواب المغلقة بأن رمضان على الأقل يمثل فئة قلما اعترف أحد بوجودها أصلاً وخاطب طبقة ظنت أنها ميتة لفرط التجاهل، تلتها سطوة لأغنياته الشعبية المصنفة "بيئة" (في إشارة إلى تدين ذوقها ومستواها) في أفراح علية القوم وحفلاتهم، وأخيراً وفي رمضان هذا العام، مجاهرة بأنه فنان موهوب وشخص متفرد وممثل جيد (وأحياناً رائع).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على رغم تحفظي

صحيح أن المجاهرات جميعها يبدأ "على رغم تحفظي" أو "مع الإبقاء على انتقادي" أو "اعتراضي"، ولا تخلو من "مع احتفاظي بالحق في سحب الاعتراف" أو "إلغاء الإشادة"، فإن شعبية رمضان في موسم رمضان الدرامي هذه المرة تشهد انضماماً ملحوظاً للفئات الممانعة والطبقات التي طالما حافظت على مساحة رفض وحيز نقد لرمضان وما يرمز له من سلوكيات ومن يمثلهم من أبناء الطبقات القابعة في قاعدة الهرم.

الطريف أن بعضاً منهم يستشعر كثيراً من الحرج ويبذل جهداً خارقاً قبل الاعتراف برمضان ممثلاً جيداً وليس بلطجياً فقط، فيغلف اعترافه بكثير من العبارات الدفاعية والجمل الاعتراضية، تماماً كما يفعل المجاهرون بإدمان الكحول أو معاقرة مادة مخدرة.

اعتراف كثيرين من الطبقات التي ظلت ممانعة لـ"نمبر وان" أو حتى وصفه بالفنان يشكل نهاية أو اقتراب نهاية ما كان يدور حول أبواب الطبقات المثقفة والمخملية المغلقة من أمارات إعجاب بما يقدمه "الفنان".

وظلت هذه الطبقات في أحاديثها ونقاشاتها بينها وبين بعضها بعضاً تتعامل مع فن رمضان باعتباره فن الطبقات غير المرغوب في وجودها، أو تلك التي تسبب صداعاً اجتماعياً وثقلاً اقتصادياً وعبئاً وجودياً. كان هذا ما يقال. وحتى لو لم يقل صراحة بكلمات الرفض، كان يتم التعبير عنه بجمل وعبارات الترفع والتنديد والسخرية الحادة. هو فن سائقي "التوك توك" "القبيح" وراكبيه الذين يكدرون صفو أصحاب السيارات. هو فن عمال اليومية والمنتمين للطبقات التي يسمونها "العمالة الهامشية" أو "الموسمية" أو "البطالة المقنعة".

تآكل المشاعر السلبية

لكن كل ما سبق من مشاعر سلبية تآكل، تارة بسقوطها بالتقادم وأخرى بدافع الملل من التكرار مع استمرار صعود نجم "نمبر وان"، وثالثة بتمدد لا يكل أو يمل للطبقات العاشقة لرمضان مع تآكل غيرها من طبقات الممتعضين والممانعين، ورابعة بخيانة داخلية عصفت بموجات التنديد ومشاعر الفوقية. الأصغر سناً من الشباب والمراهقين والأطفال يكونون عادة أكثر قبولاً للتنوع الطبقي، وأوسع صدراً لفكرة التناغم وليس التناحر بين الطبقات، وأكثر تسامحاً مع الآخر، حتى لو كان الآخر محمد رمضان. ليس هذا فقط، بل عرف "الأسطورة" "البرنس" طريقه إلى شباب وأطفال هذه الطبقات وتسلل إلى قوائم موسيقاها على هواتفها الذكية واختياراتها في حفلات التخرج وعيد الميلاد والزفاف وأنشطة الساحة (الشمالي) الصيفية والجنوبي الشتوية.

المجاهرة الرمضانية الشعبية الحالية الدائرة بين أبناء الطبقات الممانعة ربما تخفف قليلاً هامش التوتر الطبقي لدى نصف الهرم العلوي. ظلت سنوات تشكو قلة حيلتها وتضاؤل قوتها ووجعت غضبها صوب سكان القاعدة المتيمين بعشق "نمبر وان". إنها القاعدة التي تفرض قيمها وقواعدها وحتى مخارج ألفاظها وفنها، ممثلاً في "الأسطورة" فرضاً وقسراً وجبراً.

طوال هذه السنوات، وأبناء وبنات الطبقات المثقفة والمخملية لا تجاهر بما يجول في صدرها حيث جزء ما أو شيء ما يعجبها في ما يقدمه رمضان. بعضهم يسمع أغنية له فرقعت فجأة سراً. بعضهم الآخر يشاهد مقطعاً من فيلم أو مسلسل له على الكمبيوتر بعد أن يتأكد من نوم بقية أفراد الأسرة. إنه يستمتع بها، ولا يسمعها أو يشاهدها فقط من باب العلم بالشيء.

الشارع لمن؟!

قبل سنوات قليلة، وتحديداً في عام 2013، كتب مدير مكتبة الإسكندرية الحالي وأستاذ علم الاجتماعي السياسي أحمد زايد مقالة عنوانها "الشارع لمن: التوترات الاجتماعية العنيفة في مراحل ما بعد الثورات العربية" جاء فيها أن المجتمع يموج بصراعات من القمة إلى القاع، وأن خريطة هذه الصراعات تكشف عن أنها لا تقوم على فعل تواصلي مشترك يربط كل هذه المستويات بعضها ببعض، ويخضعها جميعاً لمعيار واحد في الحوار أو حتى في الصراع. وأضاف أنه كلما صعدنا السلم الاجتماعي، كان الصراع فكرياً وأيديولوجياً، والعكس. فكلما هبطنا السلم الاجتماعي، أصبح الصراع مادياً والعنف فيزيقياً وجسدياً.

نضالات الفقراء اليومية

ورأى زايد ثمة تناقض أو عدم توازن بين حجم الطاقة القادمة من أسفل والمسكونة بالعنف، وبين حجم المعرفة والثقافة القادمة من أعلى التي لا تتوازن مع حجم الطاقة الجسدية والفيزيقية (الغريزية) القادمة من أسفل. زايد أطلق على محاولات الطبقات الفقيرة والمحرومة إيجاد حيز لها في الحياة "النضالات اليومية لفقراء الحضر"، فهم في تجمعاتهم السكنية يخالفون القانون في المساكن والمرافق، ويخترعون من الآليات ما يجعلهم يتكيفون بشكل سريع مع ظروفهم الصعبة، وهم في الأماكن العامة يحتلون الشوارع الجانبية، ويفترشون بضائعهم.

واعتبر زايد ذلك أشبه بـ"الزحف الهادئ البطيء على الأماكن العامة، وكل ما هو عام، بل وعلى الفرص التي حصل عليها الغير حتى يصبحون الأصل وأصحاب اليد العليا في المجتمع فارضين قواعدهم وباسطين أهواءهم واختياراتهم. والفن ومحتواه ليسا استثناء.

الفن الذي يقدمه محمد رمضان، الذي تطور كثيراً وتعدل محتواه أيضاً بشكل واضح في "جعفر العمدة" في رمضان طارحاً نكهة جديدة دقت على أوتار لم تدق عليها من قبل لدى الفئات الممانعة هو انعكاس للأوضاع التي مرت بها مصر بشكل عام.

انخفاض جودة التعليم وظروف الحياة وتنامي الحرمان والحقد بين الطبقات جعلت سلوك كثيرين في القاعدة أقرب ما يكون إلى الفطرة التي يجر تهذيبها والغريزة التي لا يجد أصحابها حرجاً في إشهارها. فلا ثقافة أثرت فيهم، أو أطر سلوكية أو تربوية ألقت بظلالها عليهم. ومنهم بزغ فنانون في العقد الماضي يمثلون بيئتهم ويرمزون إلى التغييرات الكثيرة التي حدثت في المجتمع المصري التي ظل بعضهم رافضاً الاعتراف بها، فما بالك التعامل معها.

"جعفر العمدة" لم يكتف بتعجيل الاعتراف فقط، بل أتى الاعتراف مصحوباً بإعجاب وإن ظل مشروطاً.T

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات