خليوي للكشف عن الإدمان رغم كونه… إدماناً!

يشتهر الخليوي بأنه صار إدمانا معاصرا لا تخطئه العيون والعقول، ولكن يبدو أن الهواتف الذكيّة على وشك الانقلاب على صورتها لتصبح أداة مثلى في الكشف عن الإدمان!

ينظر إلى الهواتف الذكية على أنها تسبب إدمانا لمستخدميها، لكن كيف يمكن أن تساعد هذه الأجهزة على العزوف عن الإدمان

لعلها إحدى "الانقلابات" المثيرة في مسار ثورة المعلوماتية والاتصالات المعاصرة، أن ينتقل الخليوي من كونه الأداة التي يشير إليها الجميع بأصابع الاتهام بأنها صارت إدماناً منتشراً، إلى وضع تكون شاشات الهواتف الذكيّة مدخلاً للكشف عن الإدمان، بل ربما الشفاء منه أيضاً. ويتعلق أمر هذا "الانقلاب" التقني الذكي بظاهرة الإدمان على المواد الأفيونيّة Opioids وهي منتشرة عالمياً، وتعتبر من أقوى أشكال المواد المغيّرة للكيف. ووفق إحصاءات موثقة لدى "المؤسسة الوطنية (الأميركية) عن إساءة استعمال المواد" National Institute on Drug Abuse ، يقضي 115 شخصاً يومياً في الولايات المتحدة الأميركية، بتأثير جرعات مفرطة من مواد أفيونية، خصوصاً تلك التي تؤخذ عن طريق الحقن مباشرة في الوريد. وفي العام 2016، سجّلت الجرعات الفائضة من المواد الأفيونيّة التي تؤخذ حقناً في الوريد، أنها صارت سبباً أولاً للوفيات الناجمة عن إدمان حقن المواد المغيّرة للكيف.

وتشكّل فريق في "جامعة ولاية واشنطن" (مقرها مدينة "سياتل" على الشاطئ الغربي لأميركا) من خبراء في التخدير [وهم من الطواقم الطبيّة التي تتعامل بصورة لصيقة مع المواد الإدمانيّة والمغيّرة للكيف] ومختصين في علوم الكومبيوتر. وقادت الفريق اختصاصيّة الحاسوب البروفسورة راجا لاكشمي ناندا كومار، في مشروع متكامل لاستفادة من انتشار الهواتف الذكيّة في مكافحة الإدمان، خصوصاً مسألة تناول جرعات زائدة من المواد الأفيونيّة. وركز الفريق عمله على  التغيّر في معدلات التنفس وعمقه، في الوقت الذي يسبق تناول جرعة زائدة من المواد الأفيونية. وأثناء ذلك الوقت، ينخفض معدل التنفس، بل تتخلله فترات من الانقطاع التام. واستفاد الفريق من خبرة المختصين في التخدير، لأن العمليات الجراحية الكبرى تفرض أن يُعطى المريض جرعة من مواد أفيونية [كالـ"بيثيدين" Pethidine]، تمهيداً لإدخاله في حال التخدير العام والشامل. ورصد الفريق مجموعة من المتغيّرات في التنفس، تحدث عقب إعطاء جرعة كبيرة من مواد مخدرة مشتقة من الأفيون.

الخروج من الجرعة المفرطة

يعرف عن المواد الأفيونيّة أنّها تخدر الإحساس بالألم، وتعطي إحساساً مذهلاً بالراحة، لكنها تملك أثراً سلبياً تماماً على التنفس، وربما أدّت جرعة زائدة منها إلى توقف التنفس كلياً! وبديهي القول أنه في حال أخذ جرعة كبيرة من المواد الأفيونية خارج الإشراف الطبي، ربما وصل الأمر إلى توقف لا رجعة فيه عن التنفس، وهو سبب رئيسي للوفاة في حال الجرعات الأفيونية المفرطة عند المدمنين.

وزوّد خبراء الكومبيوتر هواتف ذكيّة بمجسّات تعمل بموجات صوتيّة على غرار آلة الـ"سونار" التي تستعملها الغواصات والسفن في رصد دواخل مياه البحار والمحيطات. وكذلك ثُبِّتْ في تلك الهواتف برامج متطوّرة تتفاعل مع الشاشة الحساسة في الهواتف الذكيّة. وبالنتيجة، صنع الفريق المشترك تطبيقاً مخصصاً للـهواتف المحمولة يختص بالكشف عن حال تناول جرعة زائدة من المواد الأفيونيّة. واستطراداً، يستطيع ذلك التطبيق تحويل الهواتف الذكيّة إلى مجسّات تقيس معدل التنفس وسرعته وعمقه. وأطلق الخبراء تسميّة " سكوند تشانس "  Second Chance، على ذلك التطبيق المبتكر. وكذلك جرى اختبار مدى فاعلية التطبيق المذكور على مدمنين تطوعوا لإجراء بحوث عليهم. واستطاعت الهواتف أن ترصد بدقة التغييرات التي تسبق وترافق أخذ جرعة كبيرة من المواد الأفيونية، في 19 حالة من أصل 20 حالة شاركت في الدراسة. وكذلك برهن تطبيق "سكوند تشانس" على قدرته في تقصي حال التنفس وتغيّراتها، حتى عندما يكون الهاتف على بعد 3 أمتار من المستخدم.

وفي تجارب متصلة، استعملت تلك الهواتف الذكيّة في رصد التغييرات التي تحصل عندما يجري إنقاذ من تناول جرعة مفرطة من المواد الأفيونية. وتمكنّت من رصد التحسن في التنفس عند إعطائهم المواد المضادة للمواد الأفيونية، خصوصاً الـ"نالوكسون". وسجّلت الخليويات دقة كبيرة أيضاً في رصد تلك الحال. ويسعى الفريق العلمي الذي ابتكر تطبيق "سكوند تشانس" إلى الحصول على موافقة "مكتب الغذاء والدواء" الأميركي على نشر ذلك التطبيق تجارياً، بمعنى نقله إلى شركات صناعة الخليوي.

إذاً، تستعد الهواتف الذكيّة للدخول إلى مرحلة مكافحة الإدمان. ومع تذكّر الارتفاع المستمر في نسبة استعمال الخليوي في دخول الإنترنت، وهي التي سجّلتها "منظمة الصحة  العالمية" إدماناً منذ العام 2017، يصعب تلافي بعض الدهشة عند معرفة أن تلك الشاشات المضيئة التي تكاد العيون ألا تكف عن الانكباب عليها، أصبحت مدخلاً لعلاج الإدمان أيضاً.

المزيد من تكنولوجيا