Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما دور الأطراف الدولية بالمعادلة السياسية في السودان؟

تدير التفاعلات الداخلية بين القوى بالخرطوم تسهيلاً لعملية التحول الديمقراطي

ملخص

يعود تأثير #الأطراف_الدولية في #السودان إلى امتلاكها أوراق ضغط على #القوى_المدنية و#المكون_العسكري بالبلاد  

يشكل العامل الدولي أحد المعطيات الرئيسة المؤثرة في التفاعلات السياسية السودانية الداخلية خصوصاً بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018. ولعل أحد أهم أسباب تصاعد أهمية هذا العامل إقدام رئيس الوزراء السوداني السابق عبدلله حمدوك على استدعاء الأمم المتحدة لتكون أحد عوامل تسهيل عملية التحول نحو الديمقراطية.

ويبدو أن إقدام الرجل على هذه الخطوة بسبب خبرته بشأن دور المؤسسة العسكرية التاريخي في السودان، وأيضاً في محاولة لإعطاء المكون المدني نوعاً من أنواع الدعم في الموازنات الداخلية السودانية للقوى الحديثة في السودان، التي غالباً ما تخسر في معارك الانتقال نحو الديمقراطية في التاريخ السوداني الحديث.

ولعل تصاعد أدوار الأطراف الدولية في المشهد السوداني اعتباراً من يناير (كانون الثاني) 2021، يطرح الأسئلة بشأن فرص العامل الدولي في إنهاء الأزمة السياسية السودانية الممتدة لأربع سنوات عجزت فيها الأطراف الداخلية عن ترتيب أوراقها وصولاً إلى شرعية سياسية مؤسسة على عملية انتخابات نزيهة.

تصاعد الدور الدولي 

في هذا السياق يمكن القول إن تصاعد الدور الدولي في السودان بعد رحيل رئيس الوزراء حمدوك يعود لأسباب متنوعة منها:

 أولاً: فشل صيغة الشراكة بين المكونين المدني والعسكري المؤسسة على وثيقة أغسطس (آب) 2019، وهي الشراكة التي تم إعلان وفاتها مع إقدام رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان على إزاحة المكون المدني بالكامل من الحكم في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

ثانياً: عدم وجود حكومة مدنية بسبب إصرار القوى الثورية السودانية على عدم الاعتراف بشرعية سلطة المكون العسكري وبالتالي لم تخمد الاحتجاجات في الشوارع على مدى يزيد على عام.

ثالثاً: حالة السيولة السياسية السودانية قد ترتب عليها تصاعد مستوى التهديدات الاستراتيجية المرتبطة بالموقع الجيوسياسي للسودان سواء بتموضعه الوسطي بين شرق أفريقية ودول الساحل الأفريقي وهو إقليم إذا سقط السودان فيه يعني تصاعد التهديدات الأمنية المرتبطة بالظاهرة الإرهابية، فضلاً عن التموضع السوداني على البحر الأحمر، وهو الأمر الذي يعني إجمالاً تصاعد مستوى التهديدات على المستويين الإقليمي والدولي.

رابعاً: وهو سبب اقتصادي بامتياز إذ إن إسقاط ديون السودان مرتبط بنادي باريس وبالبنك الدولي، وتبلغ قيمة الديون حوالى 60 مليار دولار. وقد تم تجميد قرار إسقاطها بعد إقدام البرهان على الانقلاب على المكون المدني في خشية تسليمه رئاسة المجلس السيادي كما تنص الوثيقة الدستورية.

في هذا السياق كانت الرافعة الرئيسة للدور الدولي في السودان البعثة الأممية يونيتاميس، التي استدعاها حمدوك وبدأت عملها في يناير 2021 حيث كانت هذه البعثة النواة الصلبة للدور الدولي حيث تبلورت المبادرة الثلاثية التي قادت فيها البعثة الأممية شركاءها الآخرين وهي الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيجاد، كما ساندت مجهودات المبادرة الثلاثية ما سمي بالمبادرة الرباعية المكونة من دول هي بريطانيا والولايات المتحدة ومن الإقليم العربي السعودية والإمارات حيث تم إدماج المكون الخليجي نظراً لما يتطلبه الاستقرار الاقتصادي السوداني من تمويل مالي.

مساعي التوازن السياسي 

تطور الدور الدولي في السودان مع حالات الانقسام والتشظي في مختلف المكونات السياسية والعسكرية سواء في العلاقات البينية بين المكونين أو في أجسام كل مكون على حدة على نحو يهدد استمرار مؤسسة الدولة، من هنا تطور الدور الدولي في محاولة لرأب الصدع بين المكونات من ناحية ومقاومة سيطرة المكون العسكري على المشهد السياسي من ناحية أخرى.

في هذا السياق برزت مجهودات المكون المدني السوداني لتأسيس صيغ بديلة لصيغة الشراكة التي لم تتم المحافظة عليها بين المكونين المدني والعسكري تحت مظلة أزمة سياسية مستحكمة، وقد أسهم هذا التطور في وضع مشروع للدستور الانتقالي خلال الربع الأول من 2022 في إطار نقابة المحامين السودانيين شاركت فيها معظم المكونات المدنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 قاد التوافق على هذا الدستور الوصول إلى صيغة بديلة لصيغة الشراكة تضمن تراجع المكون العسكري عن التأثير في المشهد السياسي عبر الاكتفاء بمهامه الأساسية المتعارف عليها للمؤسسات العسكرية حيث وقع المكونين المدني والعسكري اتفاقاً سمي بالاتفاق الإطاري في 5 ديسمبر من العام المنصرم  وهو الاتفاق الذي حدد خمس قضايا يضمن التوافق عليها إبرام اتفاق نهائي بين الأطراف وهي قضايا العدالة الانتقالية وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية وإدماجها في مؤسسة قومية عسكرية واحدة فضلاً عن قضية تفكيك نظام 30 يونيو (حزيران) وقضية شرق السودان وكذلك إعادة تقييم اتفاق جوبا للسلام.

ومن أسف أن المكون المدني الموقع على الاتفاق الإطاري لم يكن ممثلاً لكافة القوى السياسية السودانية والفصائل المسلحة، حيث كانت بعض منها حواضن سياسية للمكون العسكري حينما أزاح الحكومة المدنية، ومن أسف ثانٍ أن قوى الحرية والتغيير (المركزي) مارست نوعاً من أنواع التعالي السياسي على بقية المكونات عقب إبرام الاتفاق الإطاري كما خشيت من عمليات إغراق سياسي من جانب قوى سياسية تم تصنيفها أنها معادية للديمقراطية. وعلى ذلك تصاعدت المخاوف من انهيار الاتفاق الإطاري خصوصاً مع وجود تلميحات من جانب المكون العسكري بأن انقسام المدنيين يعني عدم القدرة على المضي في تفعيل الاتفاق الإطاري، ونتيجة لذلك كله تعطلت جهود فتح ملف اتفاق جوبا للسلام. فمن ناحية رفضت دولة جنوب السودان الراعية الاتفاق إعادة فتح الملف مع القوى غير الموقعة على الاتفاق (الحرية والتغيير المركزي) ومن أخرى رفضت القوى الموقعة وجلها من الفصائل المسلحة الانخراط في ورش فتح ملف الاتفاق باعتبار أن ذلك جزء من الاتفاق الإطاري الذي لم توقع عليه ولم تنخرط فيه.

اجتماعات دولية متكررة 

وتحت مظلة مشهد ملتبس وقيد الانهيار توافد على الخرطوم في يوم واحد وخلال الأسبوع الماضي ممثلين لكافة الأطراف الدولية الفاعلة في عملية التحول الديمقراطي السوداني حيث وصل السودان 6 مبعوثين دوليين للدفع بالعملية السياسية إلى الأمام منهم مساعد وزير الخارجية الأميركي للقرن الأفريقي بيتر لورد، ومبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي آنيت ويبر، والمبعوث الفرنسي الخاص للاتحاد الأفريقي فريدريك كلافيه، وكذلك مدير القرن الأفريقي في وزارة الخارجية الألمانية تورستن هوتر، ومبعوث بريطانيا للسودان وجنوب السودان روبرت فيرويزر ومبعوث النرويج الخاص للسودان وجنوب السودان جون جونسون، حيث عقدوا لقاءات مع كبار المسؤولين وممثلي المجتمع المدني وائتلاف الحرية والتغيير لدعم العملية السياسية وتنسيق الجهود الدولية دعماً للاتفاق الإطاري.

أسفرت زيارة هذا الوفد التي هي الثانية من نوعها خلال عام على دفع جزئي للعملية السياسية، بعد اجتماعات مطولة مع القوى السياسية السودانية من ناحية، والمجلس السيادي السوداني من ناحية أخرى، إذ تمكن رئيس المجلس السيادي من جمع أطراف المكون المدني المتخاصمة في إطار الاتفاق الإطاري، وقال إن هناك جهوداً لبلورة إعلان سياسي للمضي قدماً نحو استئناف العملية السياسية التي من المفترض أن تفضي إلى تكوين حكومة مدنية تحت سقف زمني حددته الأطراف الدولية بنهاية مارس.

إجمالاً يبدو لنا أن العامل الدولي سيواصل تأثيره في المعادلة السياسية السودانية، بل والأكثر من ذلك أنه مرشح للنجاح بالفعل في توحيد الجهود لتمرير الاتفاق الإطاري وصولاً لصيغة نهائية لأسباب مرتبطة بامتلاكه أوراق ضغط على كافة الأطراف فهو من ناحية في يده إما المضي قدماً في عملية إسقاط الديون عن السودان أو عدمه وهي ورقة ضغط كبيرة على المكون العسكري الذي لا يمكن له الاستمرار في تسيير أمور البلاد من دون سند اقتصادي، كما أن هذا المكون يواجه أيضاً قانوناً أقره الكونغرس الأميركي في ديسمبر 2020 بشأن إمكانية تطويقه بعقوبات في حال عوق عملية التحول إلى الديمقراطية، فضلاً عن تجريده من قدرته على إدارة مؤسساته الاقتصادية بشكل مرن يوفر له فرصاً لنجاح هذه المؤسسات.

أما المكون المدني وخصوصاً الفصائل المسلحة وقادتها فيمكن أيضاً أن يتم الضغط عليهم بعقوبات سواء في الحركة أو الأموال إذا لم يستجيبوا لضغوط الأطراف الدولية في ضرورات التوافق السياسي وصولاً إلى الانخراط في تكوين حكومة مدنية تقود البلاد لعامين هي الفترة الانتقالية الإضافية التي تم التوافق عليها في الاتفاق الإطاري.

وبطبيعة الحال لم يكن لهذا العامل من فرص للنجاح من دون وجود أشواق مشروعة لدى غالبية الشعب السوداني في إزاحة المكون العسكري من المشهد السياسي خصوصاً أنه ينتمي إلى نظام البشير وتنظيم الإخوان المسلمين في السودان الذي يسمي نفسه الجبهة القومية الإسلامية، وهي الجبهة التي صاغت آليات حكم الرئيس المخلوع وأذاقت الشعب السوداني الهوان اقتصادياً واجتماعياً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل