Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ملعقة" بديلا عن سيف الساموراي العريق

مسلسل كرتوني يحمل دلالات كثيرة بتنفيذ ياباني وكتابة نرويجية 

السيدة ملعقة في لقطة من المسلسل (موقع IMDB)

في عام 1983 أذيع المسلسل الكرتوني الياباني الشهير "السيدة ملعقة"، وفق صيغة الرسوم المتحركة، وقُدم العمل آنذاك بطريقة مسلية مع أنه كان يحمل رسالة صعبة ومركبة، لأن العمل التلفزيوني كان مستلهماً من رواية أوروبية المنشأ اسمها "مسز بيبربوت" للمؤلف والفنان النرويجي ألف برويسن، والتي نشرت باللغة الإنجليزية عام 1956، إذ التقطها منتجون في أستوديو بييرو في طوكيو وحولوها إلى عمل مصوّر بعد تغييرات عدة.

وحمل العمل الذي قدّم بقالب هزلي ظريف رسائل مشفرة، مما جعله أشبه برسالة حربية تناوبت من خلالها الأمتين النرويجية واليابانية على بث أدق تفاصيل حال التحول الكبرى التي عانتاها والمتمثلة في تحولهما من أمم ذكورية متحاربة إلى أمم متحضرة تنبذ العنف. 
 
 
وضم المسلسل الهزلي اللطيف رسائل كثيرة، لكن أهم رسالة قدمت من خلاله كانت مرسلة من الشعب الياباني الذي وضع الثيمة الأهم في العمل وهي "الملعقة"، وتمثلت الرسالة في استبدال سيف الساموراي العظيم الذي امتشقه محارب الساموراي في معاركه الطاحنة بملعقة طعام تحملها السيدة الصغيرة على ظهرها بعد الانكماش ودخول الغابة بحجمها الجديد.

تحوّل كبير

لم تكن مصادفة أن يقوم برويسن المولود عام 1914 بكتابة روايته المهمة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 مباشرة، فالحرب العالمية الأولى التي سبقتها بنحو عقد من الزمن أعلنت نهاية زمن الإمبراطوريات الغابرة نهائياً، ومن بين تلك الإمبراطوريات اليابانية والنرويجية، لتبدأ بعد الحربين الطاحنتين حقبة جديدة صعدت على إثرها قوى عالمية جديدة تولت مسيرة التحديث وضبط اتجاه الحضارات باتجاه مغاير، وكان ذلك عقب كارثتي هيروشيما وناغازاكي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحينها كانت اليابان تحاول أن تتعافى من هزيمتها بعد أن سلمت سيف الساموراي العظيم للولايات المتحدة الأميركية كدلالة على الاستسلام، وبذلك انتهت أسطورة العرق الياباني المحارب إلى الأبد.

بدوره وثّق برويسن النرويجي في روايته انكماش العصور الإمبراطورية ونهاية حقبة "الفايكنغ" وتحوّل وطنه ومجمل الإمبراطوريات المحاربة إلى دول صغيرة بحجم السيدة ملعقة، وبهذا وجدت الأمتان العريقتان في هذا المسلسل الكرتوني متنفساً وفرصة للتعبير عن مكنونات هذا التحول الكبير الذي وقع بعد انقضاء زمن الغابة.

زمن السيدة ملعقة

بعد هذا التحول خرجت المرأة واقعياً، ممثلة في السيدة ملعقة داخل المسلسل، إلى معترك وغابة الحياة، وشقت طريقها إلى جانب الرجل بعد أن نالت كامل حقوقها في الحياة، وفي زمن "السيدة ملعقة" لم تعد المرأة حبيسة المنزل والمطبخ تحديداً ويقتصر دورها على إطعام المحاربين وتسليتهم بعد العودة من القتال.
لذلك ظهرت السيدة "ملعقة / المرأة" في زمنها الجديد ضمن العمل التلفزيوني بصورة محارب شجاع يقتحم الغابة ويدخل الحياة المتحضرة ليسهم في البناء والعمل، فزمن الغابة انقضى بخيره وشره، ولعل أهم إشارة إلى ذلك هي استخدام رمز الملعقة كأيقونة لكونها وسيلة من وسائل الرفاهية الحديثة وأداة من أدوات المائدة التي باتت تؤشر إلى معطى حداثي عظيم، وهو تناول الطعام بشكل لائق وبأسلوب مهذب وفق أتكيت صارم. 
وتؤشر المائدة في زمن الحداثة أيضاً إلى ثقافة الحوار والتفاهم السلمي بين الأمم، بدلاً من الانجرار نحو الحروب.

صدمة حضارية

عبّر العمل في جوهره عن صدمة حضارية كبرى شهدتها عصور الحداثة، وتمثلت في انتصار أمة ناشئة على أمم ذات تراث حربي عريق، إذ يحيلنا اسم الرواية الأصلية "مرشة الفلفل" الذي أصبح لاحقاً السيدة ملعقة، إلى فترة اضطراب نفسي داخلي عصيبة عاناها جيل كامل من النرويجيين واليابانيين الذين واكبوا انقراض العرقين المحاربين "الساموراي" و"الفايكنغ" ليكابدوا تحولات خطرة، فـ"شوكة" زوج ملعقة، ظل منطوياً بعد التحول ومارس حياة سرية غامضة وأسس لما يمكن تسميته جذور التحول الجندري / الجنسي عند تيار من الذكور  في الأمة الأوروبية بخاصة والأمم الحداثية عامة، وكشف مقربون من برويسن بعد وفاته أنه كان يعيش حياة سرية بعيداً من زوجته.

 
 
وعلى رغم أن المسلسل الكرتوني حاول أن يعكس لنا استعداد الأمتين الآسيوية والأوروبية للتحول نحو الحداثة، إلا أن العمل ذاته أظهر بوضوح حال الحنين القوية للجذور الذكورية في المجتمعين، والتي تجلت من خلال مواقف وإشارات باطنية عدة كان من أهمها على سبيل المثال انطواء شوكة وتوجه ملعقة للغابة وحدها، واختيار صيغة الرسوم بدلاً من صيغة الصورة المتحركة الأحدث حينها، إضافة إلى توجيه العمل للأطفال مع أن رسالته مركبة ومعقدة إلى جانب استلهام العمل من رواية غير آسيوية.
وأخيراً تبرير حال التحول باستخدام السحر والشعوذة بدلاً من الاعتماد على القدرات الذاتية في التغيير وتطوير الذات مما يخالف روح الحداثة.

أسلوب حياة جديد

وفي المقابل مثّل العمل بياناً ثقافياً مزدوجاً ومعقداً وجهته إلينا أمتان عريقتان، وقد حمل البيان الثنائي رسالة مؤثرة للغاية مفادها بأن على الأمم في زمن الحداثة أن تنتهج مسلكاً سلمياً لحل خلافاتها بدلاً من اللجوء إلى العنف والقتال، فعقلية الهدم والتدمير والتخريب لا تتناسب مع روح هذا العصر الذي حقق فيه الإنسان مكتسبات هائلة ربما لا يشعر كثيرون بأهميتها، ولكي تحقق الأمم معجزتها الاقتصادية والحضارية كما حدث مع اليابان والنرويج في وقت قياسي، فلا بد من استبدال المعارف الرئيسة الغابرة بأخرى جديدة توائم أسلوب الحياة الجديد.

المزيد من فنون