Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنطون سعادة... اغتيال سياسي بحكم قضائي

محاكمته السريعة وإعدامه بعد 24 ساعة من القبض عليه ألقت ظلالا من الشك على رغم تبرير الحكم بخطورة تحركه العسكري ومحاولة الانقلاب

أنطون سعادة وخبر إعدامه في جريدة النهار اللبنانية (مواقع التواصل)

منذ بداية القرن العشرين هزت العالم العربي عمليات اغتيال كثيرة غيرت في مسارات الأحداث والتطورات، وبدلت في تاريخ المنطقة. معظم هذه الاغتيالات تمت بالرصاص قبل أن تتحول إلى عمليات تفجير، ومعظمها كان نتيجة الصراع السياسي.

"اندبندنت عربية" تفتح بعض ملفات هذه الاغتيالات، وفي هذه الحلقة نتناول قضية إعدام مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي (في لبنان) ورئيسه أنطون سعادة في 8 يوليو (تموز) 1949 التي اعتبرت وكأنها اغتيال سياسي بحكم قضائي، وارتبطت لاحقاً بسلسلة عمليات اغتيال كان الحزب السوري القومي الاجتماعي طرفاً فيها، لعل أبرزها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح، وسيكون موضوع حلقة خاصة أيضاً.

لم يكن قرار المحكمة العسكرية في لبنان بإعدام أنطون سعادة نتيجة ارتكابه جريمة فردية أو شخصية، ولم يكن حدثاً منفصلاً عن التطورات التي كانت تحصل بين لبنان وسوريا ومصر في السنوات الأولى بعد استقلال هذه الدول، بل كان نتيجة بدء مرحلة من الاضطرابات والانقلابات بعد إعلان سعادة الثورة على الحكم اللبناني وتدبيره محاولة انقلابية انتهت بالفشل، وكان من الطبيعي بعد القبض عليه ومحاكمته أن يصدر القرار بإعدامه ربطاً بالصراع السياسي الذي كان سائداً في لبنان، خصوصاً بينه وبين الحكم المتمثل في رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، ونظراً إلى خطورة تحركه العسكري، وذلك على رغم الشوائب التي تلصق بمحاكمته التي كان يمكن أن تحصل بطريقة أفضل تراعى فيها الجوانب القانونية.

سعادة بين قوميتين

في أول مارس (آذار) 1904 ولد أنطون سعادة في بلدة ضهور الشوير بجبل لبنان، وتنقل بين لبنان والولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل، حيث كان يعيش والده الدكتور خليل سعادة، وبدأت اتجاهاته السياسية تتكون هناك قبل أن يعود إلى لبنان ويؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي بنى عقيدته السياسية والاجتماعية على قاعدة حدود جغرافية للدولة التي يجب أن تكون، وهي سوريا الكبرى، أو ما كان يعرفه بأنه الهلال الخصيب الذي يضم لبنان وسوريا والعراق قبل أن يضم إليه قبرص أيضاً.

كان من الطبيعي أن يبتعد سعادة في الفكر إلى حدود اعتبرها طبيعية في ظروف لم تعد طبيعية ومناسبة لها من خلال ثقافات كانت موجودة قبل نهاية القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين، لكن لم يكن طبيعياً أن يستمر في الدعوة إلى دولته القومية ضمن حدود جغرافية لم تعد موجودة، بل توزعت إلى دول مستقلة بقرارات دولية وبقوة الحضور السياسي على أرض الأمر الواقع، بالتالي لكي تتحقق أفكاره ويطبقها كان يجب أن يلغى استقلال لبنان وسوريا والعراق وأن تتوحد هذه الأراضي مع شعوبها في دولة سعادة.

نظرية سعادة السورية القومية الاجتماعية كانت في المنطقة الوسطى بين قوميتين نشأتا في الأربعينيات: القومية اللبنانية التي قامت على أساسها دولة لبنان الكبير، وتم تحديد حدودها الجغرافية والسياسية، والقومية العربية التي كانت حلماً يشكل جامعاً مشتركاً للشعوب العربية أبعد من حدود الدول التي كانت تستقل تباعاً.

بدأت متابعة أنطون سعادة وحزبه وأفكاره منذ أسس هذا الحزب سراً في عام 1932 وبعد أن خرج إلى العلنية. ونتيجة هذه الملاحقة اعتقلته سلطات الانتداب الفرنسي في عام 1935، ثم 1936 و1937، قبل أن يخرج من السجن ويقرر متابعة نضاله السياسي من خارج لبنان متوجهاً إلى الأرجنتين في عام 1938. من هناك تابع كتاباته ضد الكيانات الجديدة التي تقوم في المنطقة واستمر في بناء قدرات حزبه بالاستناد إلى قيادات محلية بقي يتواصل معها بالمراسلة قبل أن يقرر العودة في عام 1947، لكن منذ عودته وإلقائه خطاباً هاجم فيه السلطة اللبنانية بدأت ملاحقته قضائياً قبل أن يصار إلى تسوية هذه القضية، فعاد للظهور بعد أن توارى عن الأنظار أشهراً تهرباً من توقيفه.

الزعيم يخون "الزعيم"

أتاحت الحرب في فلسطين في عام 1948 لسعادة أن يشرك حزبه فيها عبر متطوعين للقتال، وهذا ما أفسح له المجال في تدريب وتسليح عدد من أنصاره بحيث باتوا يشكلون قوة عسكرية اعتقد معها أنه يستطيع أن يقلب نظام الحكم في لبنان باعتبار أن الجيش اللبناني كان لا يزال فتياً ولا يمتلك القوة الكبيرة للإمساك بالأمن على كامل الأراضي اللبنانية، وأن رئيس الجمهورية بشارة الخوري لا يمسك بالقرار السياسي والأمني.

في 31 مارس 1949 حصل انقلاب حسني الزعيم في سوريا بحيث أطاح الحكم المدني والرئيس شكري القوتلي. اعتبر سعادة أن الفرصة قد تكون مناسبة للقيام بانقلاب مماثل في لبنان مستنداً إلى معرفة سابقة مع الزعيم وإلى ولاء الزعيم لأفكاره السورية القومية. وقد التقاه مرتين بعد الانقلاب، وربما هذا ما شجعه لاحقاً لاتخاذ القرار بالثورة.

قد يكون الكلام عن إيمان الزعيم بأفكار سعادة القومية السورية الاجتماعية صحيحاً، لكن الصحيح أيضاً أن الزعيم هو الذي نفذ الانقلاب في سوريا ولم يكن بتدبير من الحزب السوري القومي الاجتماعي أو أنطون سعادة. ولذلك لم يكن ممكناً القول إن الحزب صار يحكم سوريا من خلال حسني الزعيم بل إن سعادة حاول أن يستفيد من العلاقة مع الزعيم لكي يصل إلى السلطة في لبنان، وهو لم يكن في طور تحديد وقت معين لمثل هذا الانقلاب، ولكن الأحداث هي التي فرضت عليه التوقيت.

في 9 يونيو (حزيران) 1949 كان سعادة يزور مطبعة الحزب في منطقة الجميزة في الأشرفية قرب المقر الرئيس لمنافسه حزب الكتائب الذي تأسس في عام 1936، وكانت عقيدته لبنانية كاملة ترفض عقيدة سعادة السورية وتعتبر أنها لا تعترف بالكيانية اللبنانية. سقط عدد من الجرحى في الإشكال الذي تخلله إطلاق نار وفي حين كان سعادة غادر المكان بدأت ملاحقة القوميين ومداهمة مقار الحزب ومصادرة كميات من الأسلحة في ما بدا أنه حملة ضد الحزب ترافقت مع صدور مذكرة توقيف بحق سعادة وقرار بحل الحزب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحت الضغط الأمني والقضائي لجأ سعادة إلى سوريا. في 16 يونيو التقى حسني الزعيم، ويقال إنه وعده بالدعم بالرجال وبالسلاح، ولكن هذا الوعد لم يكن صادقاً. وفي 3 يوليو (تموز) أعلن سعادة من دمشق الثورة ضد الحكم اللبناني. وكانت هناك خطة عسكرية موضوعة تقضي بانتقال مقاتلين حزبيين من سوريا إلى لبنان عبر منطقة راشيا وبتحرك قوى محلية من تلك المنطقة باتجاه مشغرة ومرجعيون وصيدا وفي جبل لبنان للسيطرة على مخافر الدرك والمراكز الأمنية، على أن تأتي قوات من طرطوس واللاذقية نحو الشمال ويتحرك القوميون وبعض العشائر في بعلبك والهرمل.

لكن يبدو أن الخطة لم تكن محاطة بالسرية الكاملة وأن هناك خديعة أو خيانة حصلت، حيث كانت القوى الأمنية تنتظر المجموعات التي كانت آتية من سوريا ومنعتها من الدخول. بعدها حصلت مواجهة حاسمة في مشغرة وأخرى في منطقة سرحمول في عاليه، إضافة إلى ذلك لم يقدم الزعيم أي دعم لسعادة ووقف يتفرج عليه وهو ينهزم بعد أن كان فاز في الانتخابات الرئاسية التي نظمها في سوريا في 26 يونيو وعقد اتفاقات اقتصادية مع الحكومة اللبنانية.

الاستسلام والتسليم والمحاكمة

تجاه هذه الهزيمة حاول سعادة أن يهرب نحو الأردن. هناك أكثر من رواية حول هذا الموضوع، في حين تقول إحداها إنه توجه فعلاً مع سائقه نحو الأردن، وإنه عاد عن الطريق حتى لا يقال عنه إنه ترك حزبه وأتباعه وخلص نفسه، وأنه فضل العودة لأن هناك من كان توسط له للقاء الزعيم. وهناك رواية أخرى تقول إن قوى الأمن السورية اعتقلته من المنزل الذي كان يختفي فيه بدمشق وأخذته على أساس أنه سيلتقي الزعيم، لكن الأخير لم يكن في انتظاره، بل قوة أمنية اعتقلته. بعد اعتقاله تم إبلاغ السلطات اللبنانية بالأمر والاتفاق على تسلمه عند نقطة المصنع على الحدود بين البلدين، وكلف هذه المهمة مدير الأمن العام فريد شهاب الذي قال لاحقاً إن المهمة كانت تتضمن أمراً بتصفية سعادة على الطريق، إلا أن هذا الأمر لم يحصل.

احتجز سعادة في مقر قوى الأمن الداخلي فجر 7 يوليو، وبدأ التحقيق معه قبل نقله إلى المحكمة العسكرية، حيث كان يوجد عدد من القوميين الموقوفين، وقد أدلوا بإفادات عن تلقيهم الأوامر بالثورة من سعادة، معتقدين أنه لا يزال في سوريا، لكنهم فوجئوا بوجوده بينهم في المحكمة. ونحو الظهر انتهى التحقيق معه وصدر القرار الظني الذي طلب له الإعدام. وانعقدت المحكمة فوراً لتنظر في الدعوى المحالة إليها، وتقرر أن تكون المحاكمة سرية، لكن تم السماح لعدد من الصحافيين بحضورها.

ووسط إجراءات أمنية مشددة نقل سعادة إلى قفص الاتهام، بينما كانت الحكومة تطبق حالة الطوارئ في البلاد. تشكلت هيئة المحكمة من المقدم أنور كرم رئيساً والنقيبين طانيوس السمراني وعزيز الأحدب والملازم أول أحمد عرب أعضاء، والقاضي غبريال باسيلا مستشاراً، ومثل النيابة العامة القاضي يوسف شربل.

 

طلب سعادة تكليف المحامي إميل لحود الدفاع عنه فتم استدعاؤه لكنه طلب مهلة 48 ساعة للاطلاع على الملف. أعطي 24 ساعة فرفض. عندها تم تكليف الملازم أول في الدرك إلياس سمراني مهمة الدفاع، وتركزت مضبطة الاتهام على عدم اعتراف سعادة بالكيان اللبناني ومحاولته قلب النظام ودعوته إلى الثورة والعصيان وتسببه بمقتل النقيب توفيق شمعون في سرحمول والدركي نسيب النسر في حارة حريك.

ونحو الساعة العاشرة ليلاً رفعت الجلسة ونقل سعادة إلى النظارة، وبعد ساعة انعقدت المحكمة وأحضر سعادة، وتم إصدار الحكم الذي قضى بإعدامه فاستمع إليه، وقد بدا عليه التعب والإرهاق.

الإعدام

استكمالاً للإجراءات القانونية، ولكي يصير الحكم مبرماً كان يلزم عرضه على لجنة العفو لتنظر به قبل عرضه على رئيس الجمهورية ليبدي رأيه فيه قبولاً أو رفضاً. ولتسريع العملية حملت سيارة عسكرية الطلب وجالت به على أعضاء اللجنة بعد منتصف الليل، فاحتجوا على هذا الأسلوب ولم يوافق القاضي جورج سيوفي على قانونية المحاكمة وترك القاضي زهدي يكن الأمر لرئيس الجمهورية، أما القاضي إميل تيان فقدم استقالته احتجاجاً، ووصل المرسوم إلى رئيس الجمهورية فوقعه.

في فجر الثامن من يوليو 1949 تم إبلاغ سعادة أن رئيس الجمهورية رفض العفو عنه، وأن الحكم سينفذ فوراً. وتم تكبيل يديه وقدم له فنجان من القهوة، فشربه وطلب رؤية زوجته وبناته الثلاث اللاتي كن انتقلن إلى سوريا ولا يزلن هناك غير عالمات بمصيره، لكن طلبه رفض ونقل بسيارة عسكرية إلى المكان الذي أعد لتنفيذ الحكم في منطقة الرمل العالي.

بعد أن ربطت يداه إلى عمود، عصبت عيناه، وجثا على ركبتيه، واصطفت فصيلة الإعدام وأطلقت عليه النار، وكانت الساعة الرابعة والربع فجراً. ونقلت جثته في نعش أبيض إلى كنيسة مار إلياس بطينا في بيروت، حيث صلي عليه قبل دفنه.

وتظهر عملية محاكمة سعادة السريعة وإعدامه ارتباك السلطة اللبنانية في التعاطي معه، إذ كانت تريد أن تنتهي من هذه العملية وتتخلص منه، لكن هذه الطريقة التي لم تراع فيها الإجراءات القانونية ألقت ظلالاً من الشك في الخلفيات على رغم أن الجرم الذي اتهم به سعادة في منطق الصراعات السياسية قد يبرر الحكم الذي صدر، إذ إن انقلاباً من هذا النوع في تلك المرحلة يستدعي بمنطق الدولة الإعدام، ولأن هناك في المقابل من يعتبر أنه لو نجح الانقلاب ربما كان سعادة قد أعدم من هم في السلطة، لكن يبقى المأخذ على هذه السلطة أنها اختصرت المسافات الزمنية، بينما كان يمكنها أن تعطي المحاكمة الوقت اللازم الذي تستحقه لإزالة كل التشكيك الذي حصل فيها لاحقاً، واعتبر أن إعدام سعادة كان بمثابة عملية اغتيال.

لم تنتهِ عملية إعدام سعادة عند حدود القبر الذي دفن فيه، ذلك أن حزبه سيثأر له. ففي أغسطس (آب) 1949 حصل انقلاب على حسني الزعيم، فتم إعدامه. وبعد عامين كان عناصر من الحزب يغتالون الرئيس رياض الصلح الذي كان رئيس الوزراء وقت إعدام سعادة لأنهم حملوه مسؤولية هذا القرار.