Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان بين الرهان على الخارج وضخ ميقاتي للتفاؤل ونقيضه

البنك الدولي ينتقد تأخير الفراغ  للإصلاح والبطريرك يرفع الصوت ضد "محو الدور المسيحي"

مناصرون لـ"حزب الله" يشجعون المنتخب الإيراني لكرة القدم خلال مباراته ضد الولايات المتحدة (رويترز)

استغربت أوساط سياسية واسعة الاطلاع على الجهود لإخراج لبنان من مأزق الفراغ الرئاسي قول رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الأحد الماضي، في حديث تلفزيوني إن "الحل وإعادة النهوض بالبلاد أقرب مما نتصور، وإن سرنا على الطريق الصحيح فإن  لبنان يستطيع أن يستعيد عافيته بأسرع مما نتصور، والترسيم (الحدود البحرية مع إسرائيل) انتهى ومؤشرات التفاؤل كثيرة، وهناك أمور أساسية إن اتفقنا عليها فالنهضة في البلاد قريبة جداً".

تناقض "ضخ التفاؤل" مع تقرير البنك الدولي

وقال ميقاتي هذا الكلام في ظل استمرار الانسداد السياسي الذي حال حتى الآن باعترافه هو وغيره، دون التقدم على طريق إنجاز الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة كي يتلقى لبنان الدعم المالي من صندوق النقد الدولي ومن الدول المانحة، ودون تعديل السياسات التي يفرضها استتباع لبنان بالصراعات الإقليمية وللمحور الإيراني، تمهيداً لتشجيع الدول الخليجية على ضخ أموال استثمارية في الاقتصاد، تساعد في انتشال البلد من الحفرة التي هو فيها.
كما أن ضخ ميقاتي أجواء تفاؤلية جاء مناقضاً لتقرير صدر عن البنك الدولي في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) حمل مؤشرات اعتبرها المتابعون لتقييم المؤسسات المالية الدولية "سلبية"، إذ أشار إلى أن أصول لبنان، (أي أملاك الدولة من أراض شاسعة ومؤسسات استثمارية ومرافق ومرافئ...) لا توازي سوى جزء بسيط من الفجوة المالية التي تشكل أساس الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها البلد، التي تبلغ 72 مليار دولار، في وقت تطرح بعض الجهات السياسية والمصرفية إنشاء صندوق استثماري لهذه الأصول، من دون بيعها، كإحدى وسائل سد الفجوة على مدى سنوات.
وإذ أقر ميقاتي بأن الأمور "لن تستقيم قبل أن تكتمل المنظومة الدستورية (بانتخاب رئيس الجمهورية)"، مضيفاً "نحاول أن نفرمل الانهيار ونقوم بصيانة نظام مهترئ"، فإن بعض الأوساط يراهن على أن تؤدي اتصالات التنسيق الفاتيكاني- الفرنسي- الأميركي، والتواصل بين باريس وواشنطن والرياض إلى تسوية خارجية تقود إلى إنهاء الشغور الرئاسي، على الرغم من استبعاد عديد من السياسيين اللبنانيين حصول اختراق في دوامة انعقاد ثماني جلسات انتخاب رئيس تنتهي بتعطيل نصاب الثلثين، وارفضاض البرلمان من دون نتيجة. فالعبارة الأكثر وضوحاً في تقرير البنك الدولي عن "مرصد الاقتصاد اللبناني"، في ربط الأزمة الاقتصادية بالأزمة السياسية هي ترجيحه "أن يؤدي الفراغ السياسي غير المسبوق إلى زيادة تأخير التوصل إلى أي اتفاق في شأن حل الأزمة وإقرار الإصلاحات الضرورية، مما يعمق محنة الشعب اللبناني". وأشار إلى أن "تعويم القطاع المالي بات أمراً غير قابل للتطبيق نظراً لعدم توفر الأموال العامة الكافية لذلك".
معظم القيادات السياسية المعنية باستعجال إقرار الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة من صندوق النقد الدولي كممر إلزامي لإطلاق مسار التعافي، ترى أن الاكتفاء بإقرار موازنة عام 2022 وقانون رفع السرية المصرفية، كجزء من سلة أولية تشمل قانونَي هيكلة القطاع المصرفي وتقييد السحوبات المصرفية (كابيتال كونترول) ما زال دون المطلوب، حتى من أجل انطلاقة أي عهد رئاسي جديد. وميقاتي نفسه قال في تصريحاته المتفائلة "أتعاطى مع فريق همه التعطيل" في إشارة إلى عرقلة تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء التي يتولى حقيبتها الوزير وليد فياض المقرب من "التيار الوطني الحر" (يرأسه النائب جبران باسيل). والهيئة الناظمة مطلب مزمن من المؤسسات المالية الدولية.

الراعي يرفع الصوت حيال تعطيل الدور المسيحي

لكن اللافت في الصورة التشاؤمية التي تطالع اللبنانيين يكمن في ما قاله البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي أثناء ترؤسه قداساً في روما على هامش حضوره مجمعاً روحياً برئاسة البابا فرنسيس، إذ اعتبر أنه "لا يستطيع المجلس النيابي مواصلة التلاعب والتأخير المتعمد في انتخاب رئيس للدولة يؤمن استمرارية الكيان والمحافظة على النظام. فما المقصود، أعكس ذلك، أعدم فصل السلطات، أم هو محو الدور الفاعل المسيحي عامة والماروني خصوصاً، لماذا رئيس مجلس النواب يُنتخب بجلسة واحدة وحال موعدها، ولماذا يتم تكليف رئيس الحكومة فور نهاية الاستشارات الملزمة، هل هما أهم من رئيس الدولة؟ اكشفوا عن نواياكم يا معطلي جلسات انتخاب رئيس للدولة".
وعبر الراعي عن خشيته من أنه "بغياب رئيس تتفكك أوصال الدولة، ويهتز الكيان". وهو أمر يقلق الفاتيكان الذي يراقب قيام بعض النزعات المسيحية الداعية إلى الفيدرالية في البلد الذي يعتبره رسالة التعايش بين الأديان.  
الموقف من تعطيل انتخاب الرئيس حمل الراعي على المجاهرة بما كانت تلغط به المراجع المسيحية في لبنان وأوساط الرأي العام، ودوائر الفاتيكان في روما منذ أشهر، من مخاوف حول تقليص وزن المسيحيين في البلد جراء الأزمة السياسية التي أخضعت الرئاسة الأولى وموقعهم في السلطة لمزيد من الإضعاف، فيما تبقى المواقع الإسلامية في السلطة، أي الرئاسة الشيعية للبرلمان، والرئاسة السنية للحكومة، محفوظة ومستمرة في شكل من الأشكال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفيما يعتبر المراقبون أن الراعي يعبر بموقفه هذا عن شعور مسيحي عام بأن القيادات الإسلامية تتجاهل الموقع المسيحي الأول في السلطة، فإن بعض القوى المسيحية المعارضة للتركيبة الحاكمة تنسب إلى كلام الراعي هدفاً محدداً أكثر، موجهاً إلى القيادة الشيعية وخصوصاً "حزب الله"، أكثر من القيادة السنية، بدليل أن الراعي نفسه قال كلاماً يؤشر إلى "الحزب" حين أردف بالقول "انتخبوا رئيساً قادراً على أن يجمع اللبنانيين حوله وحول مشروع الدولة، ويلتزم الدستور والشرعية والقوانين اللبنانية والمقررات الدولية، ويمنع أن يتطاول عليها أي طرف وأن يحول دون تنفيذها وتعطيلها، أو أن يتنكر لدور لبنان ورسالته في المنطقة والعالم". فالحزب هو المتهم، بحسب هؤلاء المراقبين، بأنه يحول دون تنفيذ القرارات الدولية الصادرة من أجل لبنان، ومنها القرار 1559 الذي ينص على حل الميليشيات ونزع سلاحها، فيما هو الباقي بين الأحزاب اللبنانية يحتفظ بسلاحه. و"حزب الله" أكثر المنزعجين من عظات الراعي منذ أكثر من سنة ومن مطالبته بحصر قرار الحرب والسلم بالدولة ومؤسساتها، ومن دعوته إلى "حياد لبنان الإيجابي". وفي عظة له في 20 نوفمبر، كان دعا إلى رئيس يعمل على "إخراج لبنان من المحاور التي أضرت به وغيرت نظامه وهويته ومن العزلة التي بات يعيش فيها، والعمل على إعلان حياده"، فضلاً عن اتخاذ "مبادرة رئاسية لدعوة الأمم المتحدة بإلحاح إلى رعاية مؤتمر خاص بلبنان".

المتابعة الدولية والمثابرة الفاتيكانية

وفي كل الأحوال، فإن كلام الراعي من روما، هو صدى لملاحقة الفاتيكان أزمة لبنان وانعكاس لنظرة دوائره إلى أوضاعه البائسة التي حملته، بحسب مصادر سياسية متابعة لموقف البابا فرنسيس، على إجراء اتصالات حثيثة بدأت قبل انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال عون في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتكثفت بعدها، مع العواصم الكبرى من أجل أن تتضافر جهودها لإنهاء الفراغ الرئاسي. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن الفاتيكان استنفر مجدداً صلاته بالعواصم الكبرى، قبل اجتماع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الأميركي جو بايدن في واشنطن في الأول من ديسمبر (كانون الأول)، مستعجلاً التوصل إلى حل لشغور الرئاسة اللبنانية.
ويسعى الفاتيكان إلى الإفادة من المناسبات الدولية من أجل حض قادة الدول الفاعلة في لبنان على العمل من أجل تسوية أوضاعه قبل أن يعتاد المجتمع الدولي على الوضع الشاذ القائم من دون رئيس للجمهورية فينشغل بمشاكله الكبرى هذه الأيام، فيصاب المسؤولون الدوليون بما يمكن تسميته "التعب من لبنان" ويهملوه، ويتركوه لمصيره.

وفي الواقع لا يمر أسبوع أو بضعة أيام إلا ويكون الوضع اللبناني مدار بحث في العواصم الكبرى. آخر المناسبات كان الإحاطة التي قدمتها المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونتسكا لأعضاء مجلس الأمن في نيويورك أثناء المناقشة الدورية لتنفيذ القرار الدولي الرقم 1701 في 28 نوفمبر. وأشارت فرونتسكا إلى "ضرورة إعطاء الألولوية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية لإنهاء الفراغ وتشكيل حكومة كاملة الصلاحية. ورأت أنه "في ظل التدهور الاجتماعي والاقتصادي، فإن الحد الأدنى الذي يتوقعه اللبنانيون من قادتهم هو العمل من أجل المصلحة الوطنية والمنفعة العامة". وأضافت فرونتسكا "أكرر دعوتي لجميع القادة السياسيين اللبنانيين إلى انتهاج مقاربة بناءة وتجسير الهوة لتجاوز الصعوبات والخلافات".

استعصاء أم مراهنة على دور فرنسا مع إيران؟

ومع أهمية منبر مجلس الأمن لإبقاء الأزمة اللبنانية حاضرة في المحافل الدولية، ثمة من يعتقد أنه من الطبيعي أن يتسبب الاستعصاء اللبناني الداخلي على التوافق من أجل ملء الفراغ الرئاسي، بملل الدول الكبرى من فشل المحاولات للتوفيق بين اللبنانيين، ويتركوهم يتدبرون الاتفاق على الرئيس بأنفسهم. وفي هذه الحال قد تلعب دول نافذة دوراً معاكساً أي تترك اللبنانيين يملون من التعطيل والفراغ نظراً إلى تسببهما بتصاعد مآسيهم. وفي مقابل هذه النظرة غير المتفائلة هناك قيادات تراهن على دور فرنسي بالعلاقة مع إيران من أجل التوصل معها إلى تفاهم حول تسهيل "حزب الله" لانتخاب "رئيس تسوية"، لا يكون استفزازياً للحزب من جهة، وغير معاد للغرب وللدول الخليجية.

ويراهن بعض القيادات على إيكال مهمة تقريب وجهات النظر في هذا الشأن إلى بعض الدول التي تقوم عادة بدور الوساطة مثل قطر التي كانت استضافت عام 2008 مؤتمر الدوحة الشهير الذي انتهى بتفاهم على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً، بعدما تولت القاهرة اقتراح ثم تزكية اسمه لدى فرقاء لبنانيين فاعلين.

لكن المؤكد أن انتخاب رئيس للبنان جرى ترحيله إلى عام 2023 بينما تتعدد التوقعات في هذا الصدد بين من يرى أملاً في ملء الفراغ في الربيع المقبل، ومن لا يستبعد امتداد الأزمة إلى أبعد من ذلك، فيزداد تفكك الدولة ومؤسساتها كما حذر البطريرك الراعي.

المزيد من متابعات