إيران تستمر في سياسة الابتزاز وتلمح إلى إمكان التفاوض مع واشنطن

"تدرك طهران أنه قد يصعب عليها الحصول على اتفاق يشبه الاتفاق النووي الحالي في حال قررت الانسحاب"

الناطق باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي (يسار) متحدثاً إلى نائب وزير الخارجية عباس عراقجي خلال مؤتمرهما الصحافي في طهران الأحد (أ. ف. ب.)

خلال المفاوضات الإيرانية مع الترويكا الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) وممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، كشف رئيس البرلمان الإيراني الذي كان يتولى حينها منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني أن إيران أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن منشآتها النووية الخاصة بتخصيب اليورانيوم استطاعت الوصول إلى مستوى يتجاوز الـ45 في المئة، وأن طهران ومن باب إظهار حسن النوايا أوقفت هذه العملية ووضعتها بتصرف الوكالة الدولية.
 

 

هدفان أساسيان
 

الإجراء الإيراني في حينه كان يهدف إلى تحقيق هدفين أساسيين، الأول هو القول للجانب الأوروبي المفاوض أن إيران استطاعت الحصول على التكنولوجيا التي تسمح لها برفع مستوى التخصيب إلى مستويات عالية، إلا أنها لا تسعى إلى ذلك التزاماً منها بعدم الوصول إلى مستوى التخصيب العسكري. والثاني هو إيصال رسالة إلى المفاوض الأوروبي مفادها بأن البحث في موضوع العودة إلى تعليق نشاطاتها النووية الذي جاء في التفاهم الذي تم التوصل إليه في أكتوبر (تشرين الأول) 2004 لم يعد ممكناً، وأن الضغوط التي مارستها واشنطن آنذاك تحت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش التي رفعت شعار تفكيك البرنامج النووي الإيراني لم تعد موضوع بحث، بالتالي فإن بحث مسألة تحديد سقف التخصيب عند 3.67 في المئة بات من الماضي، وأن إيران لن تتخلى عما تعتبره حقها في التكنولوجيا النووية السلمية بمستوى تخصيب عند 20 في المئة.
منذ تلك المرحلة، بدأت طهران عملية ابتزاز الدول المحاوِرة والمفاوِضة في الملف النووي، وسعت إلى وضع المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة، أمام أحد خيارين، إما الاستمرار في التخصيب إلى مستويات عسكرية على الرغم من التهديدات بضربة عسكرية، وإما قبول هذه الأطراف واعترافها بما حققته إيران من إنجازات نووية تضعها في نادي الدول النووية.
الرد الإيراني على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي والعودة إلى فرض العقوبات، استغرق سنة للإعلان عن طبيعته وآلياته، وهو قرار لم يأت كرد فعل مباشر، بل جاء نتيجة نقاشات وتقديرات للأخطار وردود الأفعال والتداعيات، شاركت فيها مراكز القرار الرئيسة في النظام، وتولى تظهيره المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يُعتبر المرجعية الأولى في الاتفاق النووي بعدما استُبعد البرلمان عن المشاركة في القرار. لذلك فإن الموقف الذي أعلنه الرئيس حسن روحاني لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن العودة إلى المفاوضات مع مجموعة دول 5+1 (الدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا) حول الاتفاق النووي مشروطة بإلغاء كل العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الإدارة الأميركية على إيران.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

 
انفراج ممكن
 
إشارة روحاني بالعودة إلى التفاوض مع مجموعة 5+1، تعني مفاوضات بمشاركة أميركية، خصوصاً أن روحاني وإدارته ومنذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي لم تستخدم هذه المعادلة، واستعاضت عنها بالتفاوض مع مجموعة 4+1، أي من دون واشنطن. وأن إشارة ماكرون إلى جلسة تفاوض في منتصف يوليو (تموز) الحالي قد تحمل إمكان حصول انفراج في الأزمة وحتى إمكان مشاركة واشنطن فيها، وقد تمهد الطريق أمام عودة الولايات المتحدة إلى المجموعة والبدء برفع العقوبات كتمهيد لإعادة بحث بنود الاتفاق النووي وإدخال تعديلات عليه، بحيث تلبي الهواجس الأميركية وتسمح للنظام الإيراني بالجلوس إلى طاولة المفاوضات من دون تقديم تنازلات مسبقة.
ويكشف اتصال ماكرون بروحاني أن الطرفين لم يقطعا الأمل بإمكان إنقاذ الاتفاق النووي من الانهيار. فالرئيس الفرنسي بما يمثله من موقف أوروبي، وإن كان بحسب وسائل الإعلام الإيرانية وبناءً على الخبر الذي وزعته الدائرة الإعلامية في رئاسة الجمهورية الإيرانية، اعترف لروحاني "بفشل وعجز كل الإجراءات الأوروبية للحفاظ على الاتفاق النووي"، واعداً ببذل "كل الجهود من أجل تعويض هذا الأمر"؛ يسعى إلى إقناع الجانب الإيراني بعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من تخفيض مستوى التزامات إيران بنود الاتفاق النووي، وعدم الانتقال إلى رفع مستوى تخصيب اليورانيوم أعلى من السقف المحدد في الاتفاق.
الاتصال الفرنسي أتى عشية انتهاء المهلة التي حددتها إيران لشركائها الأوروبيين في الاتفاق (60 يوماً) للبدء بالمرحلة الثانية من خفض الالتزامات، بعدما نفذت المرحلة الأولى برفع مخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة 3.67 في المئة ليتجاوز حجم 300 كيلوغرام، في محاولة لثني النظام الإيراني عن رفع مستوى التصعيد مع المجتمع الدولي، خصوصاً في ظل الدعوة الأميركية لعقد اجتماع طارئ للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي تقرر يوم الأربعاء لبحث الخروقات الإيرانية للاتفاق النووي، في مسعى لدفع الوكالة إلى نقل الملف إلى مجلس الأمن الدولي من جديد باعتباره المرجعية الدولية للإشراف على مراقبة تطبيق هذا الاتفاق، ما قد يفتح الباب أمام تحويل العقوبات الأميركية إلى عقوبات دولية.

 

 
مفترق طرق
 
تدرك القيادة الإيرانية أن ما تقوم به الولايات المتحدة من رفع مستوى الضغوط الاقتصادية والسياسية عبر فرض مزيد من العقوبات على النظام الإيراني ومؤسساته وقياداته، هدفه وضع النظام أمام مفترق طرق، إما العقوبات وإما التفاوض، بالتالي الحصول على ما تريده من تنازلات أو امتيازات على طاولة المفاوضات، لذلك فإن سكوت النظام عن الإجراءات الأميركية وتضييق الخيارات أمامه قد يلحق به أضراراً قد يصعب تعوضيها، من هنا جاء قرار المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في 8 مايو (أيار) 2019، وبعد مرور سنة على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي في العام 2018 بخفض الالتزامات ورفع حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب في المرحلة الأولى ورفع مستوى التخصيب في المرحلة الثانية.
وتقول طهران إن إجراءات خفض أو تقليص الالتزامات يصب في إطار دفع الجانب الأوروبي وتحديداً الترويكا الأوروبية إلى القيام بخطوات أكثر جدية من وجهة نظر طهران في مواجهة العقوبات الأميركية، معتبرةً أن التزامها بالاتفاق النووي لم ينعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي أو أنها لم تحصل على الامتيازات والوعود التي كان يُفترض أن يقدمها الاتفاق. بالتالي فإن الإجراءات التي لجأت إليها هدفها دفع الأوروبيين إلى اتخاذ خطوات عملية بعد انتظار طال لأكثر من سنة لتنفيذ الوعود التي قدموها لها.
تدرك طهران أنه قد يصعب عليها الحصول على اتفاق يشبه الاتفاق النووي الحالي في حال قررت الانسحاب منه، وأن مفاوضات جديدة لن تكون بالمستوى ذاته الذي كانت عليه المفاوضات السابقة التي انتهت إلى هذا الاتفاق، وأنها لن تكون قادرة على قطع الطريق أمام طرح ملفات أخرى على طاولة المفاوضات مثل النفوذ الإقليمي والبرنامج الصاروخي كما فعلت في مفاوضات فيينا، لذلك فإن ما تقوم به من خطوات تحرص على التأكيد بأنها تحت سقف الاتفاق ولا تشكل خرقاً له، بالتالي فإنها تحاول العودة إلى اللعبة السابقة التي مارستها خلال عملية التفاوض على الاتفاق القائم، باعتماد أسلوب الابتزاز من أجل دفع الأطراف الأخرى إلى تقديم تنازلات لمنعها من الاستمرار في هذه الخطوات. وهي لعبة على حافة الهاوية، إذ إنها قد ترفع مستوى ومنسوب المخاوف الغربية حيال إيران وطموحاتها النووية، وقد تنعكس أيضاً سلباً على طهران في حال لم تستجب هذه الأطراف لابتزازها وقررت الذهاب إلى التصعيد واعتبار طهران دولة مارقة، واتخذت إجراءات أكثر تشدداً تفرض على النظام عزلةً دولية قاسية وتضعه أمام خطر حقيقي.

المزيد من تحلیل