إقصاء مصر من "أمم أفريقيا"... حرب التغريدات تشتعل على "التواصل الاجتماعي"

اتحاد الكرة نال النصيب الأكبر... والسخرية بلغت حد تحميل الأمهات التقصير في الدعاء

التواصل الاجتماعي أدان المسؤولين عن كرة القدم في مصر  (حسام علي.اندبندنت عربية)

فجأة ودون سابق إنذار وبدلاً من ينابيع المحبة وشلالات المودة، تفجرت مواقع التواصل الاجتماعي هبداً كروياً ورزعاً تنظيريا ودقاً على رؤوس لاعبي المنتخب المصري لكرة القدم، واتحاد كرة القدم ومسؤولي اللعبة والقائمين عليها ورؤساء الأندية والإعلام الرياضي وجهابذة التعليق الرياضي والتحليل الكروي، وكل ما أو من يمت بصلة بالساحرة المستديرة.

الساحرة المستديرة التي دفعت ملايين المصريين للتحليق في سماوات الحلم المفتوحة هبدتهم على أرض الخسارة أمام جنوب أفريقيا في دور الـ16 على أرضهم ووسط جماهير الكرة الغفيرة من عشاق الكرة ومتابعيها الذين لا يعرفون الفرق بين الهجمة المرتدة ودفاع المنطقة وضربة الجزاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مواقع التواصل الاجتماعي

الجماهير الغفيرة لم تجد أرحب أو أشمل من مواقع التواصل الاجتماعي لتشفي غليلها وتطلق العنان لغضبها وتعيد تفجير قذائف السخرية الحادة والنكات الغليظة على كل من له صلة بالكرة في مصر.

طوفان من الهاشتاغات اللاذعة التي تحولت بجرة هدف جنوب أفريقيا من "شجع منتخبك" و"ادعم بلدك" و"البطولة لنا" إلى "حاكموا شوبير" و"إقالة الاتحاد" و"افضحوا الإعلام الرياضي". وتسيدت الهاشتاغات الكروية الغاضبة ترند تويتر منذ هزيمة المنتخب المصري أمام منتخب جنوب أفريقيا بهدف مقابل لا شيء.

وكعادة المصريين اختلطت الدعابة والسخرية بالغضب والحنق لينجم عنها قدر هائل من المحتوى الذي يعكس نقيضين معروفين: عشق الكرة وأجواء الوطنية والمحبة والبهجة من جهة، وسب الكرة وأجواء كارهة للوطنية وغارسة للضغينة ومعضدة للبؤس والكآبة من جهة أخرى.

آخر ما كُتِب على مواقع التواصل الاجتماعي قبل دقائق من بدء المباراة كانت تدوينات وتغريدات وصورا لجموع المشجعين في الاستاد وعلى المقاهي وفي النوادي والغالبية العظمة ترتدي تي شيرتات حمراء وتلوح بالأعلام وتنفخ في الأبواق مشجعة ومتهللة ومستبشرة بفوز يستند إلى دعاء الأمهات والاعتماد على الحظ الجيد المصاحب للمنتخب منذ بدء البطولة.

دعاء الأمهات

وما هي إلا ثوانٍ بعد إطلاق الحكم صافرة نهاية المباراة بخسارة مصر حتى أكد حسام أن "الأمهات يتحملن جانباً كبيراً من خسارة منتخبنا اليوم. قصرن في الدعاء ولم يتفرغن لرفع الأكف نحو السماء لينصر الله المنتخب وينفخ في صورته ويعمي عيون الفريق المنافس عنهم". كلمات حسام عكست الشعور العام والقناعة الجامعة والتحليلات الشارحة لأداء المنتخب المصري والنابعة من الجماهير. "بعيداً عن الحظ الذي حالف المنتخب ضعيف المستوى منعدم التمرين منزوع المهارة، ودعاء أمهات مصر الذي سترها معنا، نقول إن الفوز لا يتحقق بالدعاء وحده أو الحظ وحده أو الستر وحده أو الخزعبلات، لكنه يكون بالعمل والتنظيم والتخطيط العلمي السليم. هذه نتيجة طبيعية لخلط المفاهيم بطريقة عشوائية: البركة مع الستر مع الدعاء مع السجود في ظل غياب العمل تماماً. استقالة الاتحاد تشفي الغليل وقتياً لكنها ليست العلاج".

وبينما مواقع التواصل الاجتماعي مستمرة في صب اللعنات على رؤوس الاتحاد، استيقظت مصر يوم الأحد على تدوينة على صفحة الاتحاد امتصت جانباً من غضبهم وفشت جزءاً من غلهم. إذ "أعلن المهندس هاني أبو ريدة استقالته من رئاسة الاتحاد المصري لكرة القدم كما دعا أعضاء مجلس إدارة الاتحاد لتقديم استقالاتهم، عقب خروج المنتخب الوطني الأول من دور الـ16 لبطولة الأمم الإفريقية. والجهاز الفني والإداري للفراعنة مقال بالكامل".

كامل الوزير

كامل الوزير، الرجل الخارق رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية السابق ووزير النقل الحالي والذي يلقبه المصريون بـ"رجل الإنجازات"، وجد نفسه على "ترند" السوشيال ميديا في عرض جانبي يبدو غريباً للبعض لكنه مألوف تماما في المحروسة، إذ طالبوا بتوليه أمر الاتحاد المصري لكرة القدم.

المطالبة عكست تعلق قطاع عريض من المصريين بالرجل الذي أثبت على مدار السنوات الخمس الماضية أنه رجل الإنجازات دون تصريحات، والتفعيلات دون أضواء، وإصلاح أخطاء المؤسسات والهيئات الأخرى دون هوادة.

عمرو وردة

أزمة التحرش أيضا أخذت نصيبها على مواقع التواصل الاجتماعي، وطغت على أجواء البطولة قبل أيام بسبب فضح أفعال لاعب المنتخب عمرو وردة التي عادت لتحجز لنفسها مكانا على قائمة الشد والجذب.

التصفيق والتشجيع اللذان حازهما وردة عقب نزوله أرض الملعب في الدقيقة الـ63 أقاما دنيا المعارضين لعودته بعد افتضاح أمره وتوسط لاعبين ومنهم حبيب الملايين مو صلاح لعودته. فما هي إلا دقائق حتى أحرزت جنوب أفريقيا هدف إخراج مصر من البطولة، حتى شنت جموع المعتبرين للتحرش جريمة لا تغتفر و"عفا الله عما سلف" مبدأ غير قابل للتطبيق. وبين مفرط في استخدام مسمى "منتخب المتحرشين" وملوح بأن الأخلاق لا تتجزأ والقيم لا تقسم، دارت دوائر عنكبوتية في فلك علمي حيث الفاسد أخلاقيا لا يبدع رياضياً وآخر روحاني حيث "ربنا انتقم منه ومنا لسكوتنا".

سكوت الكثيرين على وردة كان يمكن أن يتحقق لو فاز المنتخب في مباراة الأمس. إحدى المدافعات عن وردة ممن يرفعن شعار: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"، دافعت عن وردة بهجوم أشد، إذ أكدت أن الغاضبين من وردة كانوا سيغضون البصر عن فعلته لو أحرز هدفاً أو ساعد في إحرازه. بطلوا كسرة نفس".

"حزن. ألم. وكسرة نفس" مع خلفية سوداء وشارة حمراء، هكذا اختار البعض تحويل خلفيات صفحاتهم على فيسبوك لإعلان الحداد على ضياع حلم البطولة مع التأكيد على الألم لمستوى كرة القدم وما آلت إليه في مصر".

وكما هو متوقع تماماً، فقد تلونت كسرة النفس المتفق عليها إلى نقطة جديدة من نقاط التسييس. مؤيدو الدولة وداعمو الرئيس ومساندو الحكومة رأوا في أداء المنتخب والحرب النفسية الضارية المصاحبة للبطولة شبهة إخوانية وأياد غير وطنية. وفي المقابل اعتبر المعارضون على اختلاف انتماءاتهم وعلى الرغم من تضارب توجهاتهم في خروج المنتخب إما نتيجة طبيعية لـ"الانقلاب" على حكم الإخوان أو محصلة متوقعة للفوضى في إدارة شؤون البلاد.

حسن شحاتة

مضت تسع سنوات كاملة منذ حصول مصر على كأس الأمم الأفريقية للمرة الثالثة على التوالي، وهو الإنجاز التاريخي الذي جعل مصريين في عام 2010 يقترحون على سبيل الجد المختلط بالهزل أن يتولى مدرب المنتخب المصري "المعلم" حسن شحاتة إدارة شؤون البلاد وانتخابه رئيساً للجمهورية.

وعلى مدار الساعات الماضية، عاد اسم "المعلم" يتردد مجدداً في دوائر مواقع التواصل الاجتماعي حيث مطالبات باستدعاء "المعلم" لمعاودة مهمته وإعادة بناء المنتخب "على مياه بيضاء". اختلطت المياه البيضاء (في إشارة إلى إعادة البناء من الألف إلى الياء) بنوستالجيا شعبية جارفة، إذ وصل "المعلم" هو الآخر إلى الترند مهيمناً على رغبات كثيرين ومسيطراً على أحلام ترغب في عودته لتطهير الساحة الكروية. ومع النوستالجيا تأتي كذلك الكوميديا إذ انتشر "كوميكس" يحمل صورة قديمة للمعلم حسن شحاتة يقف وعلامات الذهول على وجهه وصورة المنتخب بتشكيله الحالي أمامه ويقول التعليق: "مين دول؟!" (من هؤلاء؟)

هؤلاء الذين يركضون في أرض الملعب جيئة وذهاباً خضعوا لتحليلات مجهرية شعبية دقيقة طيلة الأيام السابقة منذ بدأت فعاليات البطولة. هذا يصلح للعب، وهذا لا علاقة له بكرة القدم، وهذا يلعب عن طريق الوساطة، وهذا الأفضل لكنه على دكة الاحتياطي لأن لا وساطة له، وهذا "مكانه ليس هنا".

مو صلاح أو محبوب الملايين اللاعب الدولي محمد صلاح وجد نفسه هو الآخر عرضة للشد والجذب، والتأييد والتنديد، والدعم والخذلان. ملايين التدوينات والتغريدات رأت أن صلاح لم يكن يلعب كما في فريق "ليفربول" البريطاني، واعتبروا ذلك تعالياً غير مقبول منه. لكن ملايين أخرى رأوا في اختلاف مستوى صلاح نتيجة طبيعية لأداء زملائه العجيب والغريب والمريب من حوله.

حراك السوشيال ميديا عامر بمطالبات توقيع أقصى العقوبات على اتحاد الكرة وصب اللعنات على اللاعبين وطرد المدرب شر طردة ومحاكمة وردة بتهمة التحرش ومحاسبة من سكت على اتحاد غير مسؤول طيلة السنوات الماضية والفصل بين أعضاء الاتحاد ومحللي الكرة على الشاشات نظراً لتضارب المصالح أو بالأحرى تواءمها لحد التطابق، بالإضافة لكم هائل من الكوميديا الضاحكة لكنه ضحك كالبكاء.

وفي خضم كل ذلك، تبزغ أصوات توصف بالعقلانية وتنعت بالمنطقية وفي أحيان أخرى توصم بالابتعاد عن الواقع حيث المطالبة بطي صفحة خروج مصر من البطولة والاحتفال بتنظيمها تنظيماً عالمياً مهنياً راقياً.

تغريدة وتدوينة قالت القليل المفيد واختصرت التنكيت واختزلت التحليل في انتظار التنفيذ "لا يلتقي فاسد بفاشل إلا وكانت الهزيمة ثالثهما". صحيح أنها لم تعرف طريقها إلى الترند أو تحظى بملايين الـ"لايك" والـ"شير"، لكن يبدو أنها كاشفة للكثير وعالمة ببواطن الأمور.