أحزاب الجزائر وساستها "يستكشفون" الحوار السياسي بعد "تصحر" دام ربع قرن

مهمة صعبة لإقناع "الديمقراطيين" المحسوبين على التيار العلماني بالانضمام للندوة

جانب من ندوة الحوار الوطني التي انعقدت السبت في قاعة في ضاحية عين بنيان في العاصمة الجزائرية (أ. ف. ب.)

استعاد باحثون جزائريون صوراً لـ"ندوة الوفاق الوطني" التي أجريت في الجزائر عام 1994، في مناسبة عقد مؤتمر "حوار غير رسمي" السبت، بين سياسيين يؤيدون انتقال السلطة بموجب نص الدستور.
وكانت الغلبة في ندوة العام 1994 لـ"الجيش" الذي فرض اقتراحات أدت إلى تولي اليمين زروال رئاسة الدولة، ومنذ تلك الفترة لم تتحاور الفعاليات السياسية الجزائرية ولو مرة واحدة، ما يفسر سلوكيات كثيرة أحاطت بندوة الوزير السابق، عبد العزيز رحابي. وعلى الرغم من غياب إجماع الفعاليات السياسية حول ندوة الحوار التي أجريت السبت، وفي ظل تغيّب أحزاب محسوبة على التيار "العلماني"، إلا أن الندوة جلبت تعليقات إيجابية ليس بشأن محتواها، ولكن لتأسيسها لفعلٍ سياسي غاب عن الجزائر مدة 25 سنة كاملة. ولا تُقارن ظروف ندوة الحوار الأخيرة، مع ندوة الوفاق الوطني لعام 1994 والتي حضرها رئيس الأركان السابق، الفريق محمد العماري، وجلس في الصف الأول بين المشاركين، يستنشق سيجارته، ويراقب مداخلات الحاضرين، إذ كانت المؤسسة العسكرية خلال سنوات التسعينيات الفاعل الرئيس في الحياة السياسية والأمنية في البلاد.

 

من إشكالية الأطراف إلى تصدر المشهد
 

وتعرضت ندوة الحوار السياسي، الأولى منذ بداية الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط) الماضي، لطعنات في الظهر قبل ساعات قليلة على انعقادها، مصدرها جهات حزبية اتهمت "المتحاورين" بالانتهازية والتواطؤ مع المؤسسة العسكرية. لكن منسق الندوة عبد العزيز رحابي، قال في ختام الجلسات التي استمرت حتى ساعة متأخرة من الليل، إن "الندوة قدمت أرضية وليس بياناً ختامياً". وأضاف أن "الجزائر بحاجة إلى اتفاق سياسي شامل بين القوى السياسية. وبيئة تمنح الجزائريين شعوراً بأن أصواتهم لن تُسرق وأنهم دخلوا حقاً عملية ديمقراطية".
وتحدث أستاذ الإعلام في جامعة الجزائر، رضوان بوهيدل، عن الندوة لـ"اندبندت عربية"، مشيراً إلى بعض الملاحظات، وقال إن "الحوار هو من أهم آليات العمل الديمقراطي، لا سيما أثناء الأزمات... ومنذ بداية الأزمة في الجزائر طُرحت الفكرة من قبل كل الأطراف بما فيهم المؤسسة العسكرية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


وقال إن "الإشكالية التي كانت عقبة هي تحديد أطراف الحوار، فالكل يبحث عن تصدر المشهد الإعلامي والسياسي تمهيداً للمرحلة المقبلة، أي مرحلة ما قبل الانتخابات". وذكر أن "مبادرة رحابي تُعتبر الأشمل والأكبر على الرغم من النواقص، فلا يمكن انتظار مبادرة للحوار تحظى بموافقة مبدئية من السلطة، لذلك فمبادرة رحابي ومَن معه هي بمثابة الفرصة للخروج من الأزمة، لأن جلوس مختلف القوى على طاولة واحدة يُعدّ نجاحاً أولياً نحو تحقيق المكاسب التي نادى بها الحراك". وبخصوص غياب قوى ديمقراطية من التيار العلماني، يقول بوهيدل إنه "لا يجب التشبث بالغيابات لأنه من الواضح أن مَن تخلف عن حضور ندوة رحابي يعلمون أنهم أقلية، بالتالي حضورهم أم عدمه لن يضيف شيئاً ملموساً مقارنة مع رأي الغالبية"، كما "يتضح أن الأطراف التي تزعم مقاطعة الندوة هم سواء نكرة على الساحة السياسية لم توجَه لهم الدعوة أساساً أو جهات تحاول تنفيذ أجندات غير وطنية تتمثل في ما يُعرف بالمجلس التأسيسي، وهو إجراء لا يتماشى مع الظرف الراهن ولا خصوصية المجتمع الجزائري وطبقته السياسية".

 

 

 

 

الحوار يمهد لهيكلة الحراك
 

وظل الحراك الشعبي في الجزائر من دون تمثيل حقيقي لأسباب لا تزال مجهولة، أما الآن فبدأ أكاديميون يتحدثون عن بداية لذلك. وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر الدكتور سليم حمادي، لـ"اندبندنت عربية"، "أعتقد أن جلسة الحوار الأخيرة شكلت طوق النجاة لحلحلة الأزمة السياسية في البلاد، وهي في الحقيقة أزمة ذات أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية، وأخطرها البعد الأمني، هذا إذا ما أخذنا في الاعتبار حالة التململ الداخلي نتاج الهبة الشعبية الموسومة بالحراك كفعل مجتمعي رافض لمنظومة كانت قائمة".
وتابع حمادي أن "جلسة الحوار تشكل جسراً للهوة بين كل المتناقضات التي أفرزها الوضع الراهن والتراكمات التي ترسبت خلال حكم الرئيس (المستقيل عبد العزيز) بوتفليقة، ناهيك عن أن الحوار خطوة يجب تثمينها لأنه أكثر هيكلة وأكثر تنظيماً، مقارنةً بوقت سابق من الحراك الذي لم يظهر له قيادة ولم يسمح بذلك، فتشكلت لديه آلية رفض للكل من دون استثناء".
أما عن ندوة الحوار، فذكر أن "حضور فعاليات سياسية عدة، بخاصة تلك المحسوبة على المعارضة التقليدية وبعض الشخصيات الوطنية قد يشكل نوعاً من التوافق النسبي". أما الأهم برأيه فهو أن الجلسة "ستؤسس لمرحلة جديدة تتضح معالمها في جلسات الحوار المقبلة، كما أن مخرجات هذا الحوار ومدى جدية الأطراف المتحاورة سيكون الضمانة لمجموعات أخرى ستنضم وتشكل جزءاً من الحوار الوطني"، أما في ما يتعلق بالمقترحات "فهي ليست نهائية لكنها معقولة".

 

 

كسر جمود عقدين من الزمن
 

بعد عقدين من الزمن، من اكتفاء الفعل السياسي المهيكل في البلاد، بأحزاب الموالاة صاحبة "الغالبية المصطنعة"، قيل إن ندوة الحوار الوطني "كسرت حاجز الجمود الذي تعيشه المعارضة منذ سنوات". وعبّرت الإعلامية حدة حزام عن اعتقادها أن "الندوة وضعت أول خطوة على طريق الحوار الوطني الذي يجب أن يكون شاملاً للخروج من الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وهذه ليست فقط استجابة لمطلب رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح ولا لاقتراح رئيس الأركان أحمد قايد صالح، وإنما الحوار هو المخرج الوحيد لطرح خريطة طريق والذهاب إلى انتخابات رئاسية ضمن أقرب المهل". وأضافت "زد على ذلك أن ندوة عين بنيان في العاصمة تبنت معظم مطالب الحراك والتي هي إبعاد كل الأسماء المتورطة في الفساد في عهد بوتفليقة وكذلك الأحزاب". وعابت حزام على التيار الديمقراطي فسحه المجال أمام إسلاميين للبروز في المشهد، بتغيبه عن لقاء المعارضة "لكن المؤسف أن الأحزاب التي تطلق على نفسها تسمية البديل الديمقراطي أعطت بغيابها عن ندوة الحوار الفرصة للأحزاب الإسلامية لأن تتخذ المبادرة وتحضر بقوة، بما فيها شخصيات متشددة ومتورطة في الأزمة الأمنية التي عاشتها البلاد، وغياب موقف الديمقراطيين سيؤثر حتماً في الحلول المطروحة".

المزيد من العالم العربي