Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثورة العبيد واللصوص في سوريا كما يرويها تيسير خلف

تبعث الرواية إلى الحاضر رسالة قاسية من أعماق الماضي البعيد

مشهد من أفاميا السورية مدينة التاريخ (موقع وزارة الثفافة)

على بعد 60 كيلومتراً من مدينة حماة تتهاوى أطلال مدينة آفاميا التي يزيد عمرها على ألفين و300 سنة. وكان سلوقس الأول نيكاتور هو من أطلق اسم آفاميا تيمناً باسم زوجته أياميا. وقد كان مسرح آفاميا من أكبر مسارح العالم القديم، ويتسع لقرابة 25 ألف متفرج.

يصدر تيسير خلف روايته "ملك اللصوص: لفائف أيونوس السوري" بقوله إن معمراً غريب الأطوار هو أيونوس عاش في آفاميا منعزلاً. أما تاريخ آفاميا فيحدث أن الفيلسوف والفلكي والمؤرخ السوري الشهير بوسيدونيوس كان يتردد صغيراً على بيت أيونوس الذي كان كاهناً غامضاً وعاصياً. وقد أعطى بوسيدونيوس لفائف من البردي هي أصل حكاية هذا الذي أقام مملكة مقدسة للعبيد السوريين في صقلية، واشتهر بملك اللصوص أيونوس.

لأيونوس، أويونس السوري، أويونو السوري إذاً حكايته التي كان بوسيدونيوس أول من صاغها، وعنه أخذ الجميع، وأحدثهم هو تيسير خلف.

ترسل رواية "ملك اللصوص" إلى الحاضر رسالتها من أعماق الماضي البعيد، وتترك للقراءة أن تحزر من هو اليوم ملك آفاميا ديمتريوس الشهير بالمنتصر، وهو الذي انتصر في معركة واحدة فقط، كانت ضد شعبه، بدعوى إهانة كرامة والده الملك السابق ديمتريوس الشهير بالمخلص. أما عقوبة الشعب فكانت نزع السلاح من أيدي المواطنين، وتسريح معظم الجيش، وإحلال المرتزقة الكريتيين محل المسرحين، حتى ثار أكثر الناس وداعة، وهم أبناء مدينة أنطاكية الذين التفوا حول الجنرال ديودوتوس، فلما انتصر هذا الجنرال نصب نفسه ملكاً ثانياً لسوريا، بينما استقل ديمتريوس بمملكة ساحلية، فصار لسوريا مملكتان، وحق للسان أن يلهج "حزينة أنت يا آفاميا، ففي كل بيت أم ثكلى وأب فقد رشده وأخوة مذهولون"، وكذلك "تعيسة أنت يا أنطاكية، فحكامك عاجزون عن رد لصوص البر والبحر". وباندغام أنطاكية وأفاميا يلهج لسان "شقية أنت يا سوريا".

 

توالي الرواية مخاطبة الحاضر من أعماق التاريخ، فنقرأ "يبكي السوري عادة في أي مناسبة. يتشاءم إن شعر بالسعادة، ويتوقع مصيبة كبرى إن هو أرخى لنفسه العنان للفرح أو أفرط في الضحك، كأن الحزن والبكاء والكمد هي مرافئ للسوري للنجاة من قادم مجهول يترصده عند عتبة الباب"، فكأنما تعيد الرواية صياغة المثل العامي "الله يعطينا خيرها الضحكة".

حفريات تاريخية

من أجل رواية "ملك اللصوص" كان لتيسير خلف ما كان من حفرياته، مثلما كان له من أجل روايته المهمة (مذبحة الفلاسفة – 2016). وقد أعطت حفريات خلف كتباً أخرى تميزت بسرديتها التاريخية ووثائقيتها النادرة، مثل "من دمشق إلى شيكاغو: رحلة أبي خليل القباني إلى أميركا" (1893)، و"الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة هنا كسباني كوراني" (1892 – 1896)، و"كنيسة العرب المنسية: أديرة الغساسنة في دمشق والجولان وحوران ولبنان"، و"الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية".

يؤثث تيسير خلف حفرياته الروائية بما يجعل القراءة تحيا في تدمر زنوبيا، أو في آفاميا أيونوس مثلما تحيا في يومها وفي فضائها. ففي رواية "ملك اللصوص" للتأثيث البديع والحار متوالياته التي لا تنتهي: بوابة لاريسا وساحة الأغورا ومعبد زيوس وتمثال أرتميس وفي آفاميا. وعلى ضفة نهر أورونتس – أي نهر العاصي – يزهو الدردار والنيلوفر الأزرق وحقول النخيل وبساط النرجس. وفي مدينة منبج بركة السمك المقدسة التي تعد سرة العالم، وكذا سوق النخاسة في مدينة إينا بجزيرة صقلية، أو مزرعة داموفيلوس المولع بالعبيد السوريين الذين ولدوا أحراراً، والمرغوبون لأنهم متعلمون، وليس لأن العبد السوري خنوع، بل لأنه صبور، ولكن إلى حد ينفجر عنده كأنه بركان إيتينا.

 

بالطبع، لا تكون لكل ذلك حياته إلا بالقصص والأساطير والحكايات التي لا تفتأ تتناسل وتتفرع وتشتبك. وبها يتخلق ابن مارثا الساقية في حانة الغرباء: يونس السوري منذ ولد بعينين متغايرتين، لا يبكي ولا يمرض، وسيرى – أم سيحسب أنه رأى؟ - راعية لقطيع الماعز السامري الأسود، فتصير وشم حياته. وسيصير يونو السوري العبد الذي سيبيعه النخاس أرخيلوس مع رفاقه الفتيان السوريين، ولكل قصته: المخطوف من دفني قرب أنطاكية، والمخطوف من لاريسا على ضفة نهر العاصي (أورنتس) جنوب آفاميا، والمخطوف من بوسيدونياس الفاصلة بين قيليقيا وسوريا. أما زيوكسيس، أول عبد يهرب، فيروي قصة هربه من مزرعة النخاس داموفيلوس، حيث عاش في كهف. وسيتوالى هرب العبيد إلى الكهوف التي تتحول إلى قرية هاجمها رجال داموفيلوس، فأخفقوا كما أخفق من استعان بهم.

تفاصيل ووقائع

يكاد بعض القصص يضيق بالتفاصيل التاريخية، كقصة آخيوس التي يتولاها السارد، فيحدث عن هذا الذي كان يدرس في المدرسة الفلسفية الرواقية، واشتراه داموفيلوس ليكون خطيبه، وقد قرر أن يقيم في قصره مجلساً للشعراء والفلاسفة والخطباء كما تقتضي الوجاهة في العاصمة، لكن المجلس صار موضع سخرية أثرياء مدينة إينا، ورفض آخيوس كما رفض المكرسون من الفلاسفة والخطباء أن يعملوا معه، فوقع العقاب على آخيوس الذي يحدث أيونوس عن صقلية بعد تدمير الرومان لقرطاج وإلحاقها بجمهوريتهم. 

يباع أيونوس في سوق مدينة إينا بثمن باهظ، فسعر العبد السوري مرتفع لأن الفارق الحضاري كبير بين موطنه سوريا والشعوب المجاورة. وتحتدم أسطرة أيونوس لتكون له نبوءاته التي تنقذ سيده، وصولاً إلى الصوت الذي يأمره، "انهض أيها الملك، وقد شعبك"، فأعلن لمن حوله من العبيد أنه الملك، وقد التف 70 ألف عبد حوله، وانطلقت الثورة. وبين الحشد الثائر يلتقي من نصبه العبيد ملكاً بالراعية الآفامية بيرثا التي تنفي أن تكون قد رعت الماعز، فهي ابنة جندي في الحرس الملكي اختطفت كما اختطف عاشقها وهو يبحث عنها، والآن يعدها بأن تكون ملكة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حررت الثورة العبيد، وملأ الأثرياء من أصحاب العبيد السجون، ونصبت بيرثا ملكة، ودوى النداء في الفضاء المحرر، "أيها السوريون الأحرار". وبعد تحرير الجزيرة صار اسمها مملكة السوريين الأحرار، غير أن الرواية ستنبض بأن السلطة اختبار للذات، وأن لم تكن ذاتك (أيونوس) كاملة أو في طريقها إلى الكمال فستكون نسخة أخرى من ديمتريوس المنتصر على من؟ على شعبه.

في حضور يتيم للميتا رواية، يروي أيونوس بضمير المتكلم أنه مضطر لتوضيح ما غاب عن كثيرين ممن رووا دون تبصر. وما غاب يتعلق بسكنه وزوجته بيرثا قصر الحاكم، إذ فرض ذلك عليه شريكاه في القيادة، زيوكسيس وآخيوس الذي طالب بمحاكمة رفاقه لأنهم لم يدعوا من حاكموهم يدافعون عن أنفسهم، كما طالب بمحاكمة رجاله الذين قتلوا بوحشية، وأيده أيونوس بدعوى أن محاكمة المتجاوزين من رجالهم ستحصن المستقبل من التشكيك بشرعيتهم، كما لن يجرؤ رجالهم من بعد على التجاوزات، لكن القادة الآخرين رفضوا، وبدأ الشقاق بين الرفاق: آخيوس يحدث الناس عن الرفاق الذين تحولوا إلى طغاة، بينما البلاد تصير خراباً، والأوبئة تتفشى، وعصابات النهب والقتل تتكاثر، والبغضاء تسري، والناس تجأر، "وماذا نفعل بالانتصارات إن كنا جائعين ولا نأمن على أنفسنا وبيوتنا من القتل والنهب؟".

يتساءل أيونوس عما يجعل المسحوق يفرح بتدنيس الجسد بعد الموت؟ هل هي نزعة الشر الكامنة فينا؟ وتحاطب الرواية زمن كتابتها وقراءتها عبر القرون، من زمننا إلى زمن اللصوص والعبيد السوريين وملكهم، كما يليق بالحفر الروائي في التاريخ، ولتيسير خلف بصمته المتفردة في ذلك. فمن التهيئة لثورة القاع الاجتماعي السوري، قاع العبيد ومن يوسمون باللصوص، إلى انفجار الثورة وانتصارها، إلى التجاوزات والشقاق والصراع الداخلي، إلى انتصار الرومان عليها، من كل ذلك يتشكل خطاب الماضي للحاضر والمستقبل، وتبلغ رواية "ملك اللصوص" فصلها الأخير كما كتبها أيونوس السوري/ يونس السوري/ يونو السوري، استجابة لطلب بوسيدونيوس بعد أن بلغته إشاعات الرومان الكاذبة حول النهاية المضحكة لملك اللصوص في سجن مورغانتينا.

المزيد من ثقافة