الفلسطينيون يلجأون إلى بيع مدخراتهم من الذهب بعد أزمة المقاصة والرواتب

10 أطنان من "المعدن النفيس" تُباع في فلسطين سنوياً

فلسطينيون في محل لبيع الذهب (مواقع التواصل) 

لم يكن لمحمد خيار متاح سوى بيع الذهب الذي تملكه زوجته، لمحاولة إنقاذ نفسه من الديون المتراكمة عليه بسبب الأزمة المالية التي يمر بها، والتي بدأت تتفاقم بعدما أصبح يتلقى 60 في المئة من راتبه، إثر اشتداد الأزمة الاقتصادية على السلطة الفلسطينية، المستمرة في شهرها الخامس بعد رفضها تسلّم أموال المقاصة بسبب اقتطاع إسرائيل جزءاً كبيراً منها. لجوء محمد إلى إنقاذ نفسه عن طريق بيع الذهب لم يكن أمراً سهلاً، فمثله يبيع حوالى 95 في المئة من الفلسطينيين مدخراتهم من الصيغة، محاولين إنعاش وضعهم الاقتصادي السيء ولو مؤقتاً. وشكّلت ضخامة أعداد الراغبين بالبيع، حالة عجز في السيولة لدى تجّار الذهب.


كساد في الموسم

وتُعدّ أشهر مايو (أيار)، ويونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) موسماً مهماً للتجار يشتري خلاله المواطنون الذهب، بسبب المناسبات، ففي تلك الفترة ترتفع معدلات الزواج في فلسطين، وتصدر نتائج الاختبارات المدرسية، وكذلك مواسم الأعياد. لكن هذا العام انقلبت الآية فأصبحت الموسم لشراء التجار الذهب من المواطنين، وفقاً لما قاله صائغ الذهب، رامي عيّاد.
وأوضح عيّاد أن تزايد نسبة الراغبين في بيع المصاغ الذهبية شكّل عجزاً كبيراً في السيولة، وأصبحت عملية شراء الذهب من المواطنين بالتقسيط، وليس بالدفع الكامل والفوري، فتجّار كثر لا يملكون مبالغ كافية لشراء كميات كبيرة من الذهب.
وجود عجزٍ في السيولة النقدية لدى تجّار الذهب، قد يجبرهم على عدم الموافقة على شراء المزيد بسبب الاكتفاء، الأمر الذي لا يسهم في حلّ مشكلة محمد، الراغب في سداد ديونه وتعويض نسبة الخصم من راتبه. كما أن سعر غرام الذهب يصبح بذلك أقل من السعر العالمي المعروض. ودرجت العادة في فلسطين على أن يشتري الناس الذهب ضمن مقتنياتهم الشخصية، وفي مناسبات الزواج، وكادخارٍ للأيّام الصعبة وليس للزينة، وهي عادة متوارثة بين الأجيال. ويدخل الذهب في التعاليم الدينية الإسلامية ضمن المواريث، وهذا الأمر مختلف تماماً في إسرائيل حيث يُعد الذهب معياراً للزينة.
 

 

10 أطنان ذهب سنوياً

ورأت وزارة الاقتصاد الفلسطينية أن كميات الذهب الواردة إلى مديرية المعادن الثمينة لدمغها، انخفضت خلال يونيو (حزيران) الماضي، بنسبة 6 في المئة، مقارنةً مع الشهر ذاته من العام المنصرم، وأنّ كمية المبيعات خلال الشهر الماضي تُعد الأعلى، ولم يشهد لها مثيل منذ عام 2009، وهي تغطي الحاجات السنوية للسوق المحلية من الذهب. وبحسب المدير العام لمديرية المعادن الثمينة في وزارة الاقتصاد الفلسطينية يعقوب شاهين، فإنّه يتمّ تداول نحو 10 أطنان من الذهب سنوياً في الأسواق الفلسطينية، سواء عبر الاستيراد أو البيع والشراء، وفي شهر يونيو من كلّ عام، تدمغ المديرية حوالى 890 كيلوغراماً من الذهب الخام، لكن نسبة الدمغ انخفضت هذا العام إلى 789 كيلوغراماً. وخلال النصف الأوّل من العام الحالي، دمغت وزارة الاقتصاد 400 كيلوغرام من الذهب، بفارق 200 كيلوغرام عن السنوات الماضية. وأشار شاهين إلى أن تجارة الذهب أصبحت شبه متوقفة، والسيولة النقدية باتت معدومة بيد التجار، وأصبحت كمية العرض كبيرة، في حين لا يمكن للفلسطيني أن يصدر الذهب.
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)



الأزمة الاقتصادية

وذكر شاهين أن ملاحظة ارتفاع نسبة بيع الذهب بدأت منذ فبراير (شباط)، وبالتدقيق في تلك الفترة الزمنية، فإنّها تتزامن مع بدء اقتطاع إسرائيل لحوالى 28 مليون دولار من أموال المقاصة التي تجبيها نيابةً عن الفلسطينيين، عن السلع والخدمات الصادرة من فلسطين والواردة إليها، عبر الحدود الدولية، وفقاً لاتفاقية باريس الاقتصادية بين الطرفين. وأشار شاهين إلى أن 95 في المئة من عمليات بيع الذهب أجريت بعد بدء الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية التي انعكست على قيمة رواتب موظفيها سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، إذ لم تشهد سوق الذهب مثل هذه الأزمة منذ عام 2013، حين لجأ مواطنون كثر إلى بيع المصاغ الذهبية.
 

"غزة الأسوأ"
 

وينخفض سعر الذهب في قطاع غزّة تحت السعر العالمي، وكذلك ينخفض مستوى الدمغ، حيث وصل خلال يونيو الماضي إلى 105 كيلوغرامات فقط. وأوضح شاهين أن الكميات المعروضة للبيع في غزّة أكبر من الكميات التي يُعاد تصنيعها، بينما تسجّل عملية بيع المصاغ الذهبية في القطاع نسبة أكبر من محافظات الضفة، ويُعزى ذلك لتزايد مسببات الفقر والبطالة، وأزمات الرواتب لدى موظفي السلطة الفلسطينية و"حماس" على حدٍ وسواء. وتسمح إسرائيل لنحو سبعة تجّار ببيع الذهب من غزّة إلى الضفة. وعلمت "اندبندنت عربية" أنه خلال يونيو (حزيران) الماضي، صدّرت غزّة إلى الضفة 111 كيلوغراماً، وهي الكمية الأقل منذ سنوات. وعلّق شاهين على ذلك بأنّه خلال الأشهر المقبلة ستتوقف عملية بيع ذهب غزّة في أسواق الضفة الغربية، ما سيفاقم الأزمة في القطاع بشكلٍ كبير، وقد يدخلها في أزمات اقتصادية جديدة.
وبما أنّ برتوكول باريس 1994 يعمل على ربط الاقتصاد الفلسطيني بإسرائيل، ويحدد طبيعة العلاقة التجارية بين الطرفين، فإنّ اتفاقية باريس حدّدت الذهب الخام سلعةً وليس نقداً، في حين أنّه في الدول العربية المجاورة يُعتبر نقداً. وأصدرت السلطة الفلسطينية عام 1999 قراراً يصنّف الذهب الخام على أنّه نقد وهذا يعني أن التحصيل الضريبي يقع على التصنيع فقط ويُقدر بحوالى خمسة دولارات لكلّ غرام ذهب، ويأتي ذلك محاولةً للتخفيف عن التجار وتشجيع الاستثمار.

المزيد من اقتصاد