عبقرية بيكاسو عندما تتجلى في مرآة هويته المتوسّطية

الاماكن التي تنقل بينها منحته معجما تشكيليا

من معرض بيكاسو (يوتيوب)

لا يمرّ عام في فرنسا، والغرب عموماً، من دون أن تنظّم مؤسسة فنية عريقة معرضاً لرائد الفن الحديث، بابلو بيكاسو، وذلك منذ وفاته عام 1973. وكان يمكن أن يؤدّي ذلك إلى اجترار أو تكرار، لولا عثور منظّمي معارضه في كل مرّة على زاوية جديدة لمقاربة عمله الفني أو مسيرته الحافلة بالمراحل والإنجازات، الأمر الذي يعكس عبقرية تعصى على المحاصرة والاستهلاك.

آخر هذه المعارض يمكننا مشاهدته حالياً في المتحف الذي يحمل اسم الفنان في باريس، ويهدف، كما يشير إليه عنوانه، "بيكاسو، متوسّطي بعناد"، إلى كشف هوية هذا العملاق المتوسّطية قبل أي شيء، وبالتالي الروابط الذي جمعته بحوض المتوسّط، من خلال تتبّع سفره، جسدياً وذهنياً، داخل هذا الفضاء الجغرافي الذي شكّل مصدر إلهامه الرئيس. كشفٌ يرتكز على وثائق وصور فوتوغرافية من أرشيفه الشخصي، وعلى عشرات الأعمال الفنية، بعضها يُعرَض للمرة الأولى في باريس.

من مضمون هذا المعرض يتبيّن لنا أن علاقة بيكاسو بحوض المتوسّط كانت عميقة ومعقّدة، واقعية ومحلومة في آن واحد، منذ المرافئ الأسبانية التي شكّلت موطن ولادته وحتى محترفات السنوات الأخيرة من حياته، مروراً بأمكان إقامته في مناطق مختلفة من الجنوب الفرنسي، وتحديداً في أنتيب وفالوريس وكان. وبالتالي، بيكاسو الذي لم يسافر كثيراً في العالم، تنقّل بشكلٍ ثابت على الضفة الشمالية لهذا الحوض واكتشف عن قرب ثقافات هذه المنطقة من خلال الاتصال المباشر والحميم بناسها وجغرافيتها وطبيعتها، ومن خلال الكتب الكثيرة التي قرأها حولها وأعمال فنانيها التي شاهدها وتعمّق في دراستها في متحفيّ الـ "لوفر" و"برادو".

مصادر متعدّدة إذاً غذّت عمله الفني ودفعت الشاعر الفرنسي غييوم أبولينر، مكتشف موهبته، إلى الكتابة عن صديقه: "إلحاحه على تتبُّع مكامن الجمال وضعه على دروبٍ مختلفة، فوجد نفسه لاتينياً على المستوى الأخلاقي، وعربياً في إيقاعات رسمه". ومن جهته، كتب مؤرّخ الفن الفرنسي بيار ديكس عنه: "بيكاسو، المولود في مدينة مالاغا، فتح عينيه على البحر المتوسّط". أما الناقد الفرنسي جان لوماري، فكتب: "عمله العظيم والمتعدد يفلت من أي تحديد، يعبر جميع التيارات، لكنه يبقى متوسّطياً بعناد، على رغم تشنّجاته، سواء بطبعه، أو بمفرداته التشكيلية، أو بافتتانه بأساطير حوض المتوسط، أو بأماكن إقامته".

ووفقاً لتنقّله داخل هذه الأماكن تم ترتيب محتويات معرضه الحالي. ففي صالته الأولى، يتّضح لنا أن ثمة أكثر من أسبانيا واحدة في حياة بيكاسو، منذ ولادته في مالاغا عام 1881 وحتى إقامته الأخيرة فيها عام 1934، مروراً بسفره إلى برشلونة عام 1917 برفقة خطيبته، راقصة الباليه الروسية أولغا خوخلوفا، وباستذكاره طوال حياته وطناً نفى نفسه منه طوعاً. ومن المشاهد البحرية التي رسمها في سن المراهقة، وتحضر نماذج منها في هذه الصالة ضمن مقابلة مع صور فوتوغرافية لها تعود إلى تلك الحقبة، يتبيّن افتتانه الباكر بالبحر المتوسّط وانخراط عمله ككُل ضمن ثقافة أسبانية غنية المراجع، بدءاً بالفن الإيبيري القديم ومروراً بالرسامين الأسبان الكبار، وانتهاءً بالفولكلور الأسباني الشعبي وأزيائه وفن الفلامنكو ورياضة مصارعة الثيران.

في الصالة الثانية من المعرض، نتوجّه مع بيكاسو إلى الجنوب الفرنسي الذي كان يقصده بانتظام منذ عام 1910 للعمل والاستجمام بعيداً عن صخب باريس. وفي هذا السياق، تشهد إقامته المؤقّتة في مدينة سورغ عام 1912 على انجذابه بضوء مقاطعة بروفنس ورقّة الحياة فيها. إقامة شاركه فيها صديقه الرسام جورج براك وشكّلت مناسبة لاختبارات تكعيبية كان يعرضها في الهواء الطلق. وتدريجياً، تصبح شواطئ فرنسا المتوسّطية جغرافيته المفضّلة فيعود إليها طوال فترة العشرينات مع زوجته أولغا لتمضية فصل الصيف على الشاطئ اللازوردي. أوقات يتجلى أثرها الكبير على عمله من خلال موضوعات البحر والاستحمام التي تتسلّط على اللوحات التي رسمها آنذاك.

في الصالة الثالثة، تحضر سلسلة الأعمال التي أنجزها بيكاسو في خريف 1946، أثناء استقراره في منطقة أنتيب مع رفيقة دربه الجديدة فرانسواز جيلو. أعمال قارب فيها موضوعات متوسّطية صرفة، وتقطنها شخصيات أسطورية وُلدت على ضفاف حوض المتوسّط، كعوليس وحوريات البحر وآلهة الريف (faunes). وفي الصالة الرابعة، ننتقل إلى قرية فالوريس الشهيرة بخزفياتها لاستقرار الفنان فيها عام 1948 واحتضانها واحدة من أبرز مراحل إبداعه وأكثرها خصوبة؛ مرحلة عمله على مادّة الخزف التي منحته أفقاً تشكيلياً جديداً. فبهذه المادة ومواد أخرى مختلفة، سيُنجز نحو أربعة آلاف قطعة خزفية تتراوح تمثّلاتها بين آلهة ريفية وحوريّات الغاب، أسماك وثيران، خرفان وبومات، إضافةً إلى منحوتته الشهيرة "رجل وخروف" التي تتربّع إلى حد اليوم في ساحة القرية، واللوحات الجدرانية التي زيّن بها كنيسة "معبد السلام".

وتحطّ الصالة الخامسة بنا في فيلا "كاليفورنيا" التي تقع قرب قرية فالوريس وأقام بيكاسو فيها عام 1955 مع رفيقة دربه الجديدة جاكلين روك. صرحٌ رائع تملّك الفنان بسرعة فضاءه فحوّل صالونه الفسيح إلى محترف امتلأ تدريجياً بقطع مختلفة من مجموعته الفنية الخاصة، وأنجز داخله لوحات تختلط فيها بعض عناصر هذا الصرح الهندسية بعناصر من الطبيعة التي تحيط به.

ولأن دائرة ترحال بيكاسو على شواطئ المتوسّط لا تكتمل من دون وقفة في قصر "فوفنارغ" الذي اشتراه الفنان عام 1958، ويقع في مكانٍ معزول قرب مدينة إكس أن بروفنس، رُصِدت الصالة السادسة والأخيرة من المعرض للوحات الشمسية التي رسمها فيه ولتلك ــ الأخيرة ــ التي حقّقها في قرية نوتردام دو فيه المتوسّطية التي استقر فيها عام 1961 ورفض مغادرتها حتى وفاته.

أما خاتمة المعرض، فأرادها منظّموه بقصيدة كتبها الشاعر رافايل ألبيرتي عام 1978 كتحية لصديقه بيكاسو، ويقول فيها:

"تطغى على قرنك.

إن تركتَ نظرك ينزلق من علوك

من ذلك التلّ الشاهق حيث تعيش الآن

سترى البحر، البحر الذي انبثق من يديك،

يتدفق ويصعد نحوك كثابتة،

بحرٌ دائمٌ وممتلئ بذاته

لا نهاية له ولا حدود".

المزيد من ثقافة