القرى الكردية تحتضر بسبب حرب يتجاهلها العالم 

لم نهتم بآلاف القرى الكردية التي دمرتها تركيا في تسعينيات القرن الماضي، و تركيا مستمرة بنهجها لغياب المساءلة

صورة أرشيفية لدنيا رشيد التي قتلت في قصف تركي على قريتها في كردستان العراق (الإندبندنت)

 وصلنا لقرية بارميزا بعد عام من قصف القوات التركية لسيارة حملت عثمان درويش، البالغ من العمر 20 عامًا، عندما كان  متوجهًا إلى عمله. وكان هناك مدنيون آخرون على الطريق ولم يكن بينهم مقاتلون من حزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه)، وهي الذريعة التي تستخدمها تركيا لقصف المناطق التي يقطن فيها الأكراد. ترك حمدت وراءه زوجةً وطفلاً يبلغ من العمر أربعة أشهر. جلست نساء القرية اللواتي كن متشحات بالسواد مع الأمهات والأخوات في منزل عائلة حمدت في الذكرى السنوية لوفاته. وشرح لنا الرجال كيف تخنق القواعد العسكرية التركية - الثلاث عشرة المُقامة على التلال المحيطة -  قرية برميزا وقد بُنيت هذه القواعد داخل حدود العراق المُعترف بها دوليًا. 
وتحدثوا بالتفصيل عن ما يبدو أنها الاستراتيجية الحالية للقوات التركية لتفريغ قرية برميزا من سكانها، فالقرويون الذين يأخذون قطعانهم لمسافة تزيد عن 400 مترا باتجاه أي من القواعد الثلاث عشرة يتعرضون لخطر إطلاق النار أو القصف.
وتواجه العشرات من القرى الكردية على طول الحدود وضعًا مشابهًا تمامًا. وتقوم كل من إيران وتركيا بقصف تلك القرى عبر الحدود لأن الجماعات المسلحة التي تقاوم حكوماتها تتخذ من الكهوف في جبال كردستان ملاذا لها.

 

لا يبدي حلفاء تركيا في أوروبا والولايات المتحدة  وبسبب عقود السلاح المربحة وما تمر بها المنطقة من ظروف ملائمة للعمليات العسكرية، لا يبدي حلفاء تركيا في أوروبا والولايات المتحدة اهتماما فيما إذا كانت الطائرات الحربية التي يبيعونها على تركيا تسقط قنابل على المدنيين الأكراد كما ليس من الواضح فيما إذا كان لدى تركيا خطة بعيدة المدى لإعادة تأسيس الإمبراطورية العثمانية.
وقالت زميلتنا الكردية سوماز: "يريدوننا أن نختفي." وكانت سوماز تتحدث في اليوم الذي كنا نناقش فيه تهجير تركيا لسكان أكثر من 90 قرية قريبة من الحدود في عام 1995.
 ولكننا علمنا أنها كانت تتحدث عن أمرا أكثر خبثًا وتأثيرا فحسب تقديرات جماعات حقوق الإنسان فإن تركيا قد دمرت حوالي 4000 قرية كردية في تركيا حتى عام 2003.
وفي الحادثة الأكثر شهرة، قام صدام حسين بتدمير 5000 قرية كردية في العراق، و كان ذروتها حملة الأنفال سيئة الصيت في الثمانينات من القرن الماضي، حيث قتل فيها 182,000 كرديا وأدت إلى تهجير أكثر من نصف مليون منهم.
ووقفت شيماء، والدة حمدت، عند الباب مستندةً إلى إطار الباب وبعيون منكسرة، قاطعتنا متسائلة إذا كنا بحاجة لشئ لأنها كانت تستعد للمغادرة مع نسوة أخريات لزيارة المقابر.
جفلت والدة حمدت عندما سألها المصور الذي كان يسافر معنا فيما إذا كان باستطاعته اللحاق بهن.هزت رأسها لتبدي موافقتها الفورية على ذلك الطلب بينما كانت تقف بشموخ بثيابها السوداء – وهو اللون الذي سترتديه لبقية حياتها حسبما أخبرتني سوماز.
عندما وصلنا إلى المقبرة كانت مراسم المناسبة قد بدأت بالفعل. فكانت شيماء تغني أغنية كردية رثائية تقليدية تٌعدد صفات وأفعال الشخص المتوفى العزيز عليها.
وكثيرًا ما انهارت قواها لتعبر عن حزنها الشديد بدون أن تنبس بأي كلمة في الوقت الذي كانت النساء الأكبر سنًا يحاولن التخفيف عنها.  أما والد حمدت الذي رافقنا للمقبرة فقد جثم بمفرده بعيدًا مرتديا ثوب العمل الفضفاض الأخضر، وبظهرٍ منحني كان يمسح عيونه ويرثي ولده. 
وكان إثنان من أعضاء فريقنا الأكراد يطلقون الدعاء وفي نفس الوقت يبكون.
نظرت باتجاه القاعدة العسكرية التركية و هي بالفعل تطل على المقابر ويبدو أنها  تهدد حياة القرويين الذين يرعون ماشيتهم في المنطقة ويعملون في حقولهم بشكل يومي. 
أبدت شيماء رغبة بتوثيق المصور للمناسبة،  لكي لا يكون إبنها مجرد واحدا من أكراد كثرين يقتلون في عمليات التطهير العرقي المتواصلة بينما لا يكترث أحد. 
وبعد نوبة أخرى من الأناشيد التي أنهكت جسد شيماء النحيل , التقطت أنفاسها وعندها التقت عيونها البنية الشاحبة مع أعيننا وقالت : "هل ترون؟ هل ترون كم كنا نحبه؟."


في اليوم التالي قمنا بزيارة عائلة دنيا رشيد، التي ماتت في شهر حزيران الماضي بهجوم مدافع الهاون بالقرب من قاعدة عسكرية تركية عندما كانت تقوم بجمع البذار من نباتات الكانجر التي تٌعرف أيضًا بالغونديليا برفقة قرويون آخرون من قرية هالانيا.
وكنا نشرنا قصة دنيا بشكل موسع على مواقع التواصل إضافةً إلى صورة عائلية لها مع أخيها الذي ظهرت منه فقط يده وقد امتدت على كتفها.
تمعنت في وجهها كثيرا فوجدته لطيفا، وعندما اتيحت لي الفرصة لزيارة كردستان العراق الشهر الماضي اتجهت صوب أهلها لسؤالهم عن صفات دنيا وشخصيتها.
لم أكن أنوي استعادة الأحداث المأساوية لموت دنيا لكن والدتها قالت بان ابنتها كانت  إنسانة إجتماعية وذكية وتحترم الآخرين ثم بدأت وبشكل تلقائي بسرد تفاصيل ما حدث يوم وفاتها.
وقالت أن دنيا لم ترغب في البداية الذهاب لجمع البذار، وأخبرها والدها أن باستطاعتها أن تبقى في البيت. ولكنها غيرت رأيها لأن جميع صديقاتها كن يردن الذهاب. وأخبرتنا والدتها أنها أحضرت لها زجاجة إضافية من الماء وأخبرتها بأن تشرب الماء لأن الجو كان حارًا ذلك اليوم ولكنها قالت أنها بافضل حال. 
وأخبرتنا كيف أن جسد دنيا طار في الهواء في انفجار تسببت به قذيفة هاون.
وأخبرتنا أن ابنها وضع جسد أخته – وكان ذراعها وكتفها وساقها ممزقين – على صدرها لكي تعانقها. وأخبرتنا أن الجنود الأتراك جمعوا شظايا قذيفة الهاون وأمروا العائلة بأن تقول أنها قُتلت في انفجار لغم أرضي.
ولم يتواصل الصحفيون الأكراد مع العائلة للاستفسار عن موت دنيا، وشكى والدها بمرارة أنه لم ير أي ذكر لها في أي مطبوعة كردية. (تسيطر الأحزاب السياسية الكردية على جميع وسائل الإعلام الرئيسة ويقيم الحزب الكردستاني الديموقراطي الذي يسيطر على المنطقة التي تقطن فيها العائلة علاقات طيبة مع تركيا.)
وقال: "عندما قُتلت إمرأة أميركية في دهوك، علم كل العالم بذلك." ولا تزال حقيقة تجاهل مقتل إبنته على يد الدولة التركية تزعجه لإن غيابها ترك جرحًا ينزف في عائلته.
وأنهت والدة دنيا حديثها بالقول: "لو كانت دنيا هنا لكان الأمر مختلفًا. كانت ستُسعد لوجودكم هنا. الجميع أحبها. جميع من عرف دنيا يشعر مثلي الآن، بما في ذلك مدرساتها وصديقاتها. كانت مختلفة كثيرًا ولطيفة. إرادة الله قضت بأن لا تبقى معي. دائمًا أراها أمامي. تلك كارثة كبيرة أصابتنا."
وهذه صورة دنيا. ويعني إسمها "العالم."
يجمع كلٌ من التلمود والقرآن على أن من قتل نفسا كمن قتل العالم بأسره ومن أحيا شخصا كأنما أحيا العالم بأسره."
ولأن المجتمع الدولي لم يول إهتماما بالآف القرى الكردية التي دمرتها تركيا في تسعينيات القرن الماضي وكذلك قتلها وإخفاءها لعدد غير معروف من الأكراد، لذا ترى تركيا أن قتل مدني كردي هنا وتهجيرقرية كردية يمران دون مسائلة.
ولكن بالنسبة لأسرتي حمدت ودنيا، وبالنسبة لالآف العائلات التي تبكي على فقدان أحبائها وقراها في العقدين الماضيين، فإن تركيا قد دمرت ولا تزال تدمر عوالم بأكملها. 
 

© The Independent

المزيد من آراء