تقرير أميركي يحذر من تعاون إيران والقاعدة في أزمة الخليج

"الجهاد النفعي" استراتيجية "القاعدة" في التعاون مع المختلفين معها عقائديا

المدمرة الأميركية"يو إس إس كول" تعرضت لهجوم انتحاري من قبل عناصر القاعدة قبالة سواحل عدن عام 2000 (غيتي) 

حذر تقرير صادر من "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" في واشنطن وهي مؤسسة بحثية غير حزبية، من إمكانية استفادة تنظيم "القاعدة" من التوتر الحاصل في الشرق الأوسط، خصوصاً بين الولايات المتحدة وإيران. ولفت إلى أنّ استراتيجية التنظيمات الإرهابية التابعة لـ"القاعدة" والحليفة لها أيضاً، تشير إلى إنّ تلك الصراعات تعد أمراً حاسما لنجاح التنظيم على المدى القريب استناداً إلى تجاربه التاريخيّة السابقة، كما أنّ التوجه الجديد لتنظيم "القاعدة" في التركيز على الصراعات الساخنة الجارية في المنطقة يعكس أكثر من مجرد انتهازية.

وأشار التقرير الذي أعده دافيد غارنينشتين روس، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "فالينز غلوبال" و فارشا كوديوفايور، كبيرة باحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إلى أن تنظيم "القاعدة" ظل على مدى سنوات ينسج تحالفات استراتيجية مع عدد من اللاعبين الدوليين. عُقِدَ بعض تلك التحالفات مع أطراف لها عداء عقائدي وأيديولوجي واضح مع "القاعدة" مثل إيران، على الرغم من عِلم التنظيم بأن هذه الاستراتيجية قد تنقلب عليه، خصوصاً مع ظهور تنظيمات أكثر تشدداً منه مثل تنظيم "داعش". غير أن "القاعدة" توقعت انهيار "داعش" وخططت لسرقة منتسبيه واستقطابهم. وحاضراً، تتجه "القاعدة" مستندة إلى خبرتها الغنية وعلاقاتها التاريخية مع قوى اقليمية مثل إيران، إلى استثمار حالة التوتر والصراع في الشرق الأوسط.

القاعدة - إيران ... تاريخ من العلاقات

شرح التقرير كيف استفادت "القاعدة" تاريخيّاً من اتّباع تلك الاستراتيجيّة. فمنذ تأسيسها خلال المراحل الأخيرة من الحرب الأفغانيّة– السوفياتية، لم تتلق "القاعدة" دعماً مباشراً من دولة ما، لكنها استفادت بشكل غير مباشر من دعم دول عظمى كالولايات المتحدة، واخرى إقليمية كانت ترغب في دعم المجاهدين ضد النظام الشيوعي الموالي للسوفييت في كابل. ولكن منذ التسعينيات، بدأت "القاعدة" في نسج علاقات مع إيران، لكن علاقاتها لم تكن تسير على وتيرة واحدة ثابتة. ففي بعض الأحيان دعمت إيران وحلفاؤها تنظيم "القاعدة"، وفي أحيان أخرى توترت تلك العلاقة فشهدت اختطاف طهران عناصر من "القاعدة"، وكذلك عمليات تبادل للأسرى.

في المقابل، يكشف التقرير أنه على الرغم من الخلافات الضخمة بين الدولة الدينية الشيعية الوحيدة في المنطقة وبين "القاعدة"، إلا أن إيران كانت حريصة على الحفاظ على هذه العلاقة المتقطعة مع التنظيم الإرهابي. وفي مرحلة مبكرة من تلك العلاقة، ساعدت ميليشيا "حزب الله" اللبناني الذي تدعمه إيران في تدريب عناصر "القاعدة" الذين نفذوا تفجيري السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام في 1998 وقد أسفرا عن مقتل 223 شخصا.

 وعندما وقعت حوادث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الإرهابية في الولايات المتحدة، لجأت قيادات "القاعدة" بمن فيهم أسامة بن لادن ونجليه حمزة وسعد إلى إيران التي وجدوا فيها ملجأ آمناً آنذاك.

وكذلك أمضى خبير المتفجرات  المصري سيف العدل الذي كان يُنظر إليه كزعيم مستقبلي لتنظيم "القاعدة"، وقتاً طويلاً في إيران. إذ عاش فيها مرّة بوصفه لاجئاً واخرى كمعتقل، بحسب ما أكد التقرير، لكنه كان فاعلاً دوماً في التخطيط الاستراتيجي لعمليات "القاعدة".

 طهران والقاعدة ضد الولايات المتحدة

أوضح التقرير أنه عقب الغزو الأميركي للعراق في 2003 ، دَعَمَ النظام الإيراني مجموعات متشددة عراقية بهدف تدمير جهود الحرب الأميركية في العراق. وعلى غير ما قد يتوقعه بعض الناس، لم يكن دعم إيران موجها حصراً إلى المجموعات الشيعية، وإنما امتد إلى تنظيم "القاعدة– عراق" وهو أحد فروع ذلك التنظيم.

ولكن، انقلبت تلك العلاقة في 2004 حينما أعلن أبو مصعب الزرقاوي، زعيم "القاعدة – عراق"، حرباً شاملة ضد الشيعة العراقيين ارتكب فيها ذلك التنظيم (وكذلك خليفته "داعش" بعد ذلك) انتهاكات وتنكيل وبشاعات عديدة ضد الشيعة.

ولفت التقرير إلى إنه على الرغم من هذه الانتهاكات والفظائع بحق الشيعة، إلا أن إيران سارعت إلى دعم "القاعدة" مرّة أخرى بعد سنوات قليلة. إذ أشارت وزارة الخارجية الأميركية في تقرير لها نهاية العام الماضي، إلى أن إيران سمحت لـ"القاعدة" بإدارة خط أنابيب رئيسي يمُر عبر الأراضي الإيرانية منذ العام 2009 في الأقل.

ووفقاً لوزارة الخزانة الأميركية ، فإن إيران والقاعدة عقدا اتفاقاً سرياً سمحت إيران بمقتضاه أن تُستَخدَم أراضيها من أجل تمرير أموال خط الأنابيب وأشخاص تابعين لـ"القاعدة" بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وكذلك استمر ياسين السوري، وهو أحد عناصر "القاعدة" المنخرطين في التنسيق مع طهران في عملية خط الأنابيب، في العمل من داخل إيران منذ 2005.

وهكذا أظهرت القاعدة رغبتها وقدرتها على العمل مع دول مختلفة معها فكرياً وعقائدياً واستراتيجياً.

القاعدة ونظام بشار الأسد

أشار التقرير إلى أن علاقة النظام السوري مع "القاعدة" أيضاً جاءت على النحو الذي اتبعته إيران مع ذلك التنظيم. ففي ذروة حرب العراق، سعى بشار الأسد إلى دعم الجماعات المتشددة التي تحارب الوجود العسكري الأميركي في العراق بهدف منع واشنطن من الالتفات إلى دمشق بعد دخولها بغداد. وعلى الرغم من تفضيل النظام السوري دعم البعثيين السابقين في نظام صدام حسين، إلا أن دمشق كانت راغبة أكثر في مساعدة المجموعات الجهادية مثل "القاعدة- عراق". ففي بداية شهر مارس (آذار) 2003، أشار دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي آنذاك إلى أن سوريا سمحت بمرور إمدادات عسكرية إلى العراق عبر الحدود. كذلك شكّلت سوريا ملجأً آمناً للمقاتلين الأجانب المنتسبين إلى "القاعدة" في العراق، إذ ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في 2005 أنّ المقاتلين ضد الولايات المتحدة كانوا يدخلون العراق من سوريا في حافلات بموافقة النظام السوري.

وفي 2008، ذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن حلقة من قيادات "القاعدة" في العراق أداروا شبكة كانت تتحكم في تدفق الأموال والأسلحة والإرهابيين من سوريا إلى العراق، في وقت أعلن فيه فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري آنذاك، إنّ لبلاده مصلحة وطنية في طرد الغزاة من العراق.

غير أن دعم سوريا لـ"القاعدة" والمتشددين في العراق، انقلب عليها بعد 2011 عندما انتقلت تلك الجماعات إلى مقاتلة قوات نظام بشار الأسد. ووفق تقارير أصدرتها وزارة الخارجية الأميركية في 2017 حول الإرهاب، أدّت الحكومة السورية دوراً كبيراً في نمو شبكات الإرهاب في سوريا عبر الموقف المتساهل الذي اتخذه نظام بشار الأسد  قبل ذلك في تسهيل جهود المقاتلين الأجانب خلال الصراع في العراق.

الجهاد النفعي لـ"القاعدة"

وأضاف التقرير أن رغبة "القاعدة" في التعاون مع الدول الأخرى، تتناقض بوضوح مع المنهج الصدامي الذي اتبعته "داعش" منذ انشقاقها عن "القاعدة" في 2014. وعلى خلاف تنظيم "القاعدة"، مالت "داعش" إلى مهاجمة الدول التي تتواصل معها. وفي أفغانستان مثلاً، حاولت ما يسمى "ولاية خورستان" المنتسبة إلى "داعش"، تمييز نفسها عن حركة "طالبان" عِبْرَ قطع رأس جندي باكستاني في يناير (كانون ثاني) 2015 بهدف التأكيد على أنها لا تتلقى توجيهات أو أوامر من باكستان، وهو ما سجلته "داعش" في مجلتها "دابق" الناطقة بالإنكليزية.

وعلى الرغم من قدرة "داعش" في تحقيق نمو سريع بين عامي 2014 و 2015 وعدم موتها حتى الآن، إلا أن تنظيم "القاعدة" أثبت أن استراتيجيته النفعية البرغماتية كانت أشد فعالية. إذ أشار التقرير نفسه إلى أن "داعش" قاتلت في الحرب السورية ضد الأطراف بما فيها الولايات المتحدة والدول العربية ونظام الأسد وروسيا وإيران. في المقابل، سعت "هيئة تحرير الشام" المنتسبة إلى "القاعدة" إلى استغلال الخلافات الكامنة خلف الصراع ، فتلقت دعماً من تركيا وقطر وكل الأطراف التي دعمت السُنة ضد نظام الأسد وحلفائه.

إيران – "القاعدة" – "داعش" .. تعاون محتمل

حذر التقرير نفسه من أن ارتفاع صوت دقّات طبول الحرب في الخليج، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى أعلى درجاته، قد يؤدي إلى اتخاذ طهران خطوات لإعادة تشكيل النظام الإقليمي مع إمكانية أن يشمل ذلك الأمر إعادة التعاون مع المتشددين الجهاديين المستعدين دوماً لاستغلال الوضع لصالحهم. إذ تشير تجارب التاريخ إلى أن تجدد الصراع يمكن أن يعزز قوة تنظيم "القاعدة"، بينما يظل موقف "داعش" الرافض لتلقي الدعم من دول أخرى، عائقاً يحول دون استخدام الأخير في ذلك السياق.

ومع ذلك، لم يستبعد التقرير أن تُغَيّر "داعش" استراتيجيتها الحالية وتسعى إلى محاكاة تنظيم "القاعدة" من أجل بناء قوتها من جديد.