لماذا يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطراً للتأكيد انه لن يفاوض مجدداً على صفقة بريكست؟

لم تغير بروكسل رسالتها لكن يبدو أن البرلمان البريطاني لا يصغي إليها

سابين وياند (صفحتها الرسمية على تويتر)

يردد الاتحاد الأوروبي منذ العام الماضي أنه لن يتفاوض مجدداً حول اتفاق بريكست الذي كان قد توصل إليه مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. مع ذلك، يبدو وكأن الرسالة لم تجد آذاناً صاغية في البرلمان البريطاني ، فجميع من تنافسوا للحلول محل ماي على رأس حزب المحافظين و الحكومة، اقترحوا إجراء بعض التعديل على هذا الاتفاق.

أما بالنسبة لبروكسل، فالقضية قد أغلِقت، إذ أنها فرقت الفريق الذي تفاوض على الاتفاق المذكور آنفاً، ونقلت سابين ويناد نائبة ميشيل بارنيه، كبير المفاوضين الأوروبيين بشأن بريكست،  للعمل في جزء آخر من المفوضية الأوروبية.

في هذا السياق قال جان كلود يونكر أخيراً في المجلس الأوروبي خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي، إن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي متفقة "بالإجماع" على عدم إجراء أي محادثات أخرى حول ملف بريكست، وبالتالي لن يكون هناك أي تطور جديد بخصوصه. وكان قد ذكر في شهر مارس (آذار) الماضي أنه "واضح تماما" بشأن بريكست.  كما كانت هناك تحذيرات مماثلة متكررة في فترات أقدم، ما يجعل الإلحاح البريطاني على تجاهل موقف الاتحاد الأوروبي، مثيراً للدهشة إلى درجة يكاد يكون معها غير قابل للتصديق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن السؤال يبقى مطروحا: لماذا لا يريد الاتحاد الأوروبي إعادة التفاوض؟

قال الاتحاد الأوروبي إنه قدم سلفاً تنازلات للمملكة المتحدة، إذ عدّل المقترح الأصلي المتعلق بالتسوية الحدودية بين ايرلندا الشمالية وجمهورية ايرلندا المعروفة باسم " الحاجز الخلفي"، تعديلاً كاملاً بما ينسجم مع الصيغة التي طلبتها الحكومة البريطانية . ونظّم الاتحاد لاحقا، جلستين  لتقديم "توضيحات" في محاولة لدعم رئيسة الوزراء ماي، سياسياً.

لكن الأهم من هذا كله، هو أن الاتحاد الأوروبي كان قد درس القضايا المتعلقة بملف بريكست بعناية على امتداد سنوات، وهو ببساطة لا يرى أن هناك سبيلاً آخر لحلّ المشكلات التي يتضمنها، وذلك على نحو يراعي الخطوط الحمراء التي وضعها كلا الطرفين. فالمفاوضون خفّضوا عدد نقاط التفتيش إلى أقصى حد ممكن، ونقلوها إلى الداخل، كما أبقوا الحدود مفتوحة بين آيرلندا الشمالية وآيرلندا الجنوبية، وحافظوا أيضاً على تكامل السوق المشتركة. أما بالنسبة للمقترحات التي طرحها أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي فغالباً ما يُنظر إليها كحلول تستند إلى تكنولوجيا غير متوفرة حتى لآن، أو تقع ضمن نطاق نظريات المؤامرة (المزعومة حول اتفاقية غات).

كذلك، لا تُعتبر المملكة المتحدة شريكا تفاوضيا يستحق الثقة. فماي حملت الاتفاق الذي توصلت إليه مع الاتحاد على مجلس العموم، وحين قوبل بمعارضة فورية، حاولت العودة إلى بروكسل لإجراء تعديلات عليه، على الرغم من أنها أُبلغت بشكل واضح أن لامجال مطلقاً للاستجابة إلى رغبتها تلك.

علاوة على كل ذلك، فإن لدى مسؤولي الاتحاد الأوروبي قضايا أخرى عليهم أن يعالجوها وهم يريدون الانتهاء من قضية بريكست تماما، ولاسيّما أنهم كرسوا وقتاً طويلاً لها خلال ما يزيد على سنتين.

لكن هل هناك أي شيء يعتبره الاتحاد الأوروبي قابلا للتفاوض من جديد؟

من المهم الفصل  بين اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، من جهة،  وبين الإعلان السياسي للعلاقة بين الطرفين في المستقبل، من جهة أخرى. فاتفاق الانسحاب هو ما يريد عدد من أعضاء حزب المحافظين تغييره لانه يشتمل على تسوية "الحاجز الخلفي" الحدودية مع ايرلندا  التي يرغبون بالتخلص منها.

أما العلاقة  بين الطرفين في المستقبل ، فهي شأن آخر. في هذا السياق، ستلقى مقترحات حزب العمال بإضافة توافقات تتصل بالااتحاد الجمركي أو السوق المشتركة إلى الاتفاق، من جانب الاتحاد الأوروبي، كما أوضح بارنييه وممثلو بعض الدول الأعضاء فيه، مراراً. ويقول الاتحاد الأوروبي إن هذه المقترحات يمكن أن تُضاف إلى الاتفاق خلال مفاوضات لن تستغرق سوى أيام قليلة. لكن يبدو أن الحكومة البريطانية غير مهتمة بمقترحات حزب العمال هذه.

هل هذا يعني أن الاتحاد الأوروبي لن يؤجل موعد خروج المملكة المتحدة مرة أخرى؟

لا يمكننا الجزم بما سيحدث في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل حين تنتهي مهلة بقاء المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي، لكن الضجيج الذي تصدره دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي يفيد أن تأجيلاً جديداً لن يُسمح به إلا إذا كانت الغاية منه إجراء انتخابات عامة أو استفتاء ثانٍ، هذا في حال قررت المملكة المتحدة تنظيم أي منهما. فلن يكون هناك تمديد من شأنه إشاعة بعض الفوضى، أو من أجل إجراء "محادثات أخرى"، لأن الاتحاد الأوروبي لن يكون طرفاً في أي محادثات جديدة من هذا النوع.

إذن لماذا لا يصغي البرلمان البريطاني إلى ذلك؟

إنه سؤال تصعب الإجابة عنه، فبالنسبة للأجنبي قد يبدو السبب غير قابل للتفسير يكاد يشتمل على إنكار للحقيقة.

والواقع أن الإجابة تتعلق، في جزء منها، بكون البرلمان يرّكز للغاية على الداخل، ويُعامل المعلومات الواردة من الخارج وكأنها ذات أهمية ثانوية. لذلك، حين يقول المرشح الأوفر حظا  للفوز برئاسة الحكومة المقبلة أنه سيعاود التفاوض حول صفقة بريكست، فإن هناك نواباً يصدقونه ، بدلا من أن يضحكوا عليه كما قد يفعل جمهوره في مكان آخر غير البرلمان. 

كذلك، هناك جانب آخر يتعلق بأولويات السياسيات الحزبية، إذ سيقول جونسون وآخرون ما يحتاجون لقوله كي يتركوا انطباعات ايجابية عنهم لدى نواب و أعضاء حزب المحافظين. هكذا يبدو سيكسب المرشح المزيد من التأييد حين يقول انه سيقدم نتائج افضل مما حققته تيريزا ماي.

© The Independent

المزيد من سياسة