Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يكون مكان الولادة قدَرَ الإنسان الحتميّ؟

يجب تدبر أثر الخصائص الجغرافيّة في نحت وعي الناس وتوجيه فكرهم ومسلكهم

لوحة للرسام الدانماركي بيتر مارتنسون (صفحة الرسام - فيسبوك)

يترجّح مصيرُ الإنسان بين معلومتَين تنطوي عليهما بطاقةُ هويّته الشخصيّة: مكان الولادة وتاريخها. كلتاهما تمهر وجود الإنسان وتختم عليه ختماً دامغاً. أبدأ بالزمن الذي يولد فيه الإنسان، إذ إنّه يحدّد له كيفيّات اختباراته الحياتيّة. فالأزمنة تتغيّر وتتطوّر بحسب إيقاعات الوعي الإنسانيّ الفرديّ والجماعيّ. كثيرٌ منّا لا يستحسنون الولادة في زمن البطش الاستبداديّ وفي ممالك الظلم المميتة. نهرب من أزمنة الاستبداد السياسيّ، ولكنّنا أيضاً نتهيّب أزمنة الأوبئة والجوائح التي تُبيد الناس عن بكرة أبيهم. صحيحٌ أنّ الزمن مسرحُ جمالات الوجود. بيد أنّه أيضاً مستوعبُ قباحات البشر وآثامهم ومعاصيهم وشرورهم وانحرافاتهم ومظالمهم. أعتقد أنّ الزمن يحتضن آثار الفعل الإنسانيّ، فيتّخذ هيئتَه ويتّشح بردائه، إذ ينطبع بما أفرجت عنه عقولُ الناس في عصرٍ من العصور. لذلك تنشأ صلةٌ وثيقةٌ بينه وبين والثقافة. ذلك بأنّ مجموع ما ينتجه الإنسان في زمنٍ من الأزمنة يتحوّل إلى ثقافة العصر. ولكلّ زمنٍ ثقافتُه.

خصائص الجغرافيا وأنماط الاختبارات الإنسانيّة

ومن ثمّ، يمكن القول إنّ الزمن يخضع، في وجهٍ من الوجوه، لوعي الإنسان وقراره وفعله، في حين يجد المرءُ نفسَه عاجزاً عن تغيير الثوابت الطبيعيّة والبيئيّة التي تحدّد له خصائصَ مكان ولادته. لذلك أضع المكانَ في مرتبة القدَر الأعظم الذي يسيطر على مصائر الناس منذ ولادتهم. فالإنسان يختبر ضروباً شتّى من الاغتراب قد يكون أشدّها إيلاماً غربته في موطن ولادته. أسباب الغربة في الوطن، لا سيّما العربيّ، يعرفها القاصي والداني. غير أنّ أقصى الأسباب أستجليه في قدَر مكانِ الولادة، إذ أعتقد أنّ الإنسان إمّا أن يَنعم بميلادٍ شريفٍ في وطنٍ عزيزٍ، وإمّا أن يُبتلَى بميلادٍ قهريٍّ ظلاميٍّ مُجحفٍ في وطنٍ مُستباح. بيد أنّ العزّة والاستباحة نتائجُ فرعيّةٌ تنجم عن أصولٍ سببيّةٍ تعليليّة. من هذه الأصول موقعُ الولادة الجغرافيّ.

كان بعض الفلاسفة الإغريق الأوائل يتحدّثون عن القدَر الكونيّ الغامض الذي يصيب الإنسانَ منذ ميلاده، فيَنسبون إليه كلَّ الضرورات القاهرة والمآسي المهلكة. لا بدّ، والحال هذه، من مساءلة قدَر الولادة في حياة الإنسان. في رأيي أنّ المكان أخطرُ الحقائق وأعصاها على الإمساك والضبط والسيطرة. لذلك لا بدّ من أن يستفسر الإنسانُ، في المقام الأوّل، عن الموقع الجغرافيّ الذي فيه ينبسط موطنُ الولادة. إذا كانت الأرض قاحلةً، وأجوافُها عقيمةً فارغةً، وبراكينُها مشتعلةً، وانفلاقاتُها مُزلزلةً، وسهولُها يابسةً، وسماؤها مكفهرّةً، ومياهُها ناضبةً، وأهويتُها عاصفةً، وسحاباتُ غبارها مُظلمةً خانقةً، فلن يستطيع الناسُ الذين كُتب عليهم أن يولدوا على مثل الأرض الظالمة هذه أن يَنعموا بحياة كريمة، ووجود معافًى، ومسارٍ سليمٍ. كثيرٌ من الأوطان التي ارتسمت حدودُها في الأزمنة الحديثة تعاني وطأة القدَر الغاشم هذا.

أظنّ أنّ مأساة مكان الولادة الجغرافيّ تختم بقدَرٍ رابضٍ كلَّ المآسي الأخرى. ذلك بأنّ خصائص الطبيعة تفرض على الناس وعياً مختلفاً. لا يخفى على أحد أنّ كثرة الأنهار والتضاريس والجبال والوديان تشحذ المخيِّلة وتُخصبها، في حين أنّ الجفاف والقحط وفقر المكان وامتداده الرتيب وانبساطه على هيئةٍ واحدةٍ إنّما يُرهق العقلَ ويُعطّل ملَكة التطلّب المعرفيّ. كذلك تستفزّ البرودةُ أعضاءَ الجسد وتهيّج وظائفه البيولوجيّة، في حين أنّ القيظ الشديد يُهلك خلايا الدماغ ويحبس على الروح في وهاد التراخي والتكاسل. يُجمع الناسُ، والحال هذه، على أنّ العوامل الطبيعيّة تؤثّر في البنيان الجسديّ، وفي لون البشرة، وفي بعض الخصائص البيولوجيّة المناعيّة التي ينفرد بها بعض الأقوام من دون سواهم. ولكنّهم في الأغلب لا يُجمعون على ربط التصوّرات الفكريّة والدِّينيّة بمثل هذه الخصائص. والحالُ أنّي ذكرتُ العوامل البيئيّة هذه لأبيّن أنّ أثر الجغرافيا عظيمٌ في نحت وعي الإنسان. من صميم هذا الوعي تنبثق تصوّرات الكون والزمن والحياة والوجود والإنسان والحقيقة والمعنى والسعادة. القاطن في جوار نهر الدانوب الأزرق يتخيّل الوجود في غير ما يتخيّله الساكن في صحراء أفريقيّة محرومة من غيث السماء. أمّا مجموع هذه التصوّرات، فغالباً ما ينعقد في أنظومةٍ فكريّةٍ أو دينيّةٍ أو سياسيّةٍ تضمّ الناس الملتئمين على بقعةٍ من بقاع الأرض، وتوحّد رؤاهم، وتحدّد لهم مسالكَ تفكيرهم وعملهم.

من الجغرافيا إلى الوعي والذهنيّة

من جرّاء التأثّر البالغ بطبيعة الأرض التي ينشأ عليها الإنسان، تنعقد إذاً في وعيه ثوابتُ واقتناعاتٌ ومُستنداتٌ وركائزُ تطبع حياته وتختم على وجوده. لذلك لا بدّ له من أن يخضع لمثل الخلفيّة الثقافيّة الضاغطة هذه، بحيث تتحوّل خصائصُ وعيه الثقافيّ إلى قدَر ثانٍ مقترنٍ بقدَرِ مكان الولادة. حين يسأل المرءُ عن اختلاف الناس في تصوّرات العالم (Weltanschauungen) التي يعتصمون بها، يجدر به أن ينظر في خصائص الطبيعة الجغرافيّة التي تؤثّر تأثيراً عميقاً في بناء الوعي، وصوغ الرؤى، وتشييد الأنظومات الفكريّة.

ذلك بأنّ ذهنيّات الشعوب التي تُسهم في تحديد طرائق التفكير وأساليب العمل إنّما تتأثّر بالتصوّرات الفكريّة والدِّينيّة التي يصوغها الوعي الإنسانيّ الخاضع لعوامل الطبيعة الجغرافيّة. ومن ثمّ، أعتقد أنّ الذهنيّات الناشئة من الوعي تُضحي القدَر الثالث الذي يصيب وجود الإنسان، فرداً وجماعةً، ويفرض عليه مسلكاً حياتيّاً منضبطاً خاضعاً لأحكام الانتساب الأصليّ. من البديهيّ، والحال هذه، أن تتواجه الذهنيّات وتتعارض وتتفاعل وتتقابس، ولكن من غير أن تتحارب وتتقاتل وتتنابذ على وجه الضرورة. لكلّ شعبٍ ذهنيّتُه التي تفرض عليه أن يفكّر ويتكلّم ويعمل وفقاً للبنى الذهنيّة السائدة الثابتة.

كثيرٌ من الناس يتألّمون من شدّة خضوعهم لردود الفعل الناشطة في بيئتهم، ولسانُ حالهم يُملي عليهم أنّهم عاجزون عن الانعتاق من الطبيعة الأولى المرتسمة في قاع وعيهم. لا شكّ في أنّ التطبّع يمكنه أن يشذّب نتوءات الطبيعة ويهذّب انحرافاتها. غير أنّ الذهنيّة الأصليّة تظلّ في مقام التأثير الأبلغ. ومن ثمّ، ينبغي للمرء أن ينتظر ثلاثة أو أربعة أو حتّى خمسة أجيال حتّى يندمج الإنسانُ في أرضٍ غيرِ أرضِ مولده، وفي مجتمعٍ غيرِ مجتمعه الأصليّ. ومع ذلك، تظلّ أبحاث علم الأنساب تربط الناس بأصولهم ومنابتهم وانتماءاتهم الأعرق. ذلك بأنّ الإيرلنديّ أو الألمانيّ أو السويديّ الذي تقيم أسرتُه في الولايات المتّحدة الأمِيركيّة منذ قرنَين ما برح يحمل في كيانه خصائصَ الانتساب الأصليّ، ولو أنّ انتماءه الأميركيّ بلغ حدود التماهي الثقافيّ الأقصى.

أصل التصوّرات الثقافيّة الكبرى

إذا ثبت أنّ الأقدار الثلاثة هذه، أي الجغرافيا والوعي والذهنيّة، تحدّد مصائر الناس منذ نشأتهم الأولى، فإنّ الاختلافات والنزاعات والمشاحنات تضحي خاضعةً لأصول التباين الأساسيّ في اختبارات الوعي الجماعيّ المقترن بالمكان الحاضن، أي بالجغرافيا الطبيعيّة. لا عجب، والحال هذه، من أن تنشأ أديانٌ توحيديّةٌ في هذه الأرض، وأديانٌ حلوليّةٌ صوفيّةٌ في الأرض الأخرى. ولا غرابة أيضاً من أن تنعقد طباعُ الناس على النشاطيّة والابتداريّة والاقتحاميّة في هذه البقعة، وعلى الهدوئيّة والسكونيّة والتأمّليّة في البقعة الأخرى. كذلك يمكننا النظر في طبيعة القيَم الاجتماعيّة السائدة في مختلف المواطن. لا تُستنبت قيمةُ الحرّيّة، على سبيل المثال، استنباتاً يسيراً في جميع المناطق، وفي جميع الذهنيّات، وفي جميع الحضارات؛ ولا تنضج وتتحقّق وتتعزّز بالمقدار عينه وعلى الكيفيّة عينها.

وعليه، يجدر بنا أن نتدبّر أثرَ خصائص المكان الجغرافيّة في نحت وعي الناس وتوجيه فكرهم ومسلكهم. لا ريب في أنّ مثل هذا التبصّر يساعدنا في فهم المشكلات الجيوثقافيّة والجيوسياسيّة التي تعكّر صفوَ التلاقي الإنسانيّ الحضاريّ، وتُزعزع أسُسَ السلام العالميّ. فالأوطان الحديثة نشأت من التواطؤ الخفيّ الناشط بين كتلتَين من العوامل الحاسمة: كتلة الأقدار الثلاثة هذه، وكتلة الاعتبارات القوميّة والثقافيّة (اللسانيّة) والدِّينيّة. لا عجب، والحال هذه، من أن تلتئم، في مُتّحدٍ صلبٍ، الأقوامُ المنسجمةُ المؤتلفةُ المطبوعةُ بخصائص البيئة الحاضنة، وأواصر الوعي المشترك، وروابط الذهنيّة الضابطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن ثمّ، إذا أردنا أن نفهم حقيقة التباينات الثقافيّة بين المجتمعات الإنسانيّة، وأن ندرك جوهر الاختلاف الناشب في تصوّر المبادئ الناظمة والقيَم الهادية، وَجَب علينا أن نستجلي طبيعة الأقدار الثلاثة التي ترسم صورة الإنسان في هذه المجتمعات: خصائص المكان الجغرافيّة، وعناصر الوعي الثقافيّ السائد بما ينطوي عليه من مضامين تصوّرات العالم المعتمدة، والبنى الذهنيّة الجماعيّة المهيمنة. لذلك لا تنفعنا الحلول الموضعيّة الالتفافيّة الاجتنابيّة في معالجة اضطرابات المعيّة الإنسانيّة الكونيّة، بل ينبغي النظر الموضوعيّ في مقادير الاختلاف الأصليّ الناشب في عمق الوعي الإنسانيّ. حين نعالج اضطرابات الوعي وتشنّجات الذهنيّة بالاستناد إلى تدبّر خصائص الانتساب الجغرافيّ، يمكننا أن نستخرج التسويات المعقولة الفطنة التي تحرص على مراعاة مشاعر الهويّة والانتماء والذاتيّة الفرديّة والجماعيّة.

صعوبة تغيير الذهنيّات

أعود إلى الإنسان لأسأله عن الطاقات التي يختزنها والإمكانات التي يمتلكها من أجل الاضطلاع السليم بمسؤوليّة مكان ولادته الجغرافيّ. فهل كُتِب على الإنسان أن يولد ويحيا ويموت إمّا في قرائن الهناء الذي تَضمنه له خصائصُ المكان وإمّا في أحوال القهر الحتميّ الذي تفرضه عليه طبيعةُ الانتساب الجغرافيّ الأصليّ؟ لا شكّ في أنّ الناس يمكنهم أن يحوّلوا تحويلاً تقنيّاً قاهراً الصحراء إلى جنّة، والجنّة إلى صحراء، فيتغلّبون بإرادتهم على الأقدار المرسومة. غير أنّ المشكلة لا تنحصر في قدَر واحدٍ يمكن الانعتاق منه، بل من تواطؤ الأقدار الثلاثة على قهر الإنسان الفرد. إذا حوَّل الناس الصحراء إلى جنّة، بقي أمامهم قدَرُ الوعي وقدَرُ الذهنيّة. والحالُ أنّ التاريخ لم يُثبت لنا إلّا نادراً قدرةَ الإنسان على تغيير الوعي والذهنيّة تغييراً جذريّاً حاسماً. ليست التقنية بقادرةٍ وحدَها على إنجاز التغيير الحضاريّ الخلاصيّ هذا.

الاختلالات الجيوسياسيّة تؤجّج صراعات الأقدار الثلاثة

أمّا إذا أضفنا إلى تواطؤ الأقدار الثلاثة هذه تعقّدَ الأوضاع السياسيّة الناجمة عن مظالم التاريخ، فإنّ الانعتاق من حال القهر القدَريّ الحتميّ يضحي من الأمور المستحيلة. حين ينحشر بلدٌ صغيرٌ كبلجيكا بين عملاقَين كفرنسا وألمانيا تصارعا وتقاتلا طوال عقودٍ حتّى آخر جنديّ بلجيكيّ، فلا بدّ له من أن يعاني عواقبَ الانعطاب البنيويّ وآثارَ الاستباحة والذلّ والقهر. يُحزنني أنّ الأوطان الصغيرة التي تتعاقب على أرضها أجيالٌ من الناس المقهورين أمست عالقةً إلى الأبد في إشكاليّات جيوسياسيّة لا حلّ لها إلّا في عالم المثُل السماويّ!

خلاصة القول أنّ الإنسان ليس حرّاً في اختيار أرض مولده، وموطن انتسابه، وطبيعة وعيه، وبنية ذهنيّته. وليس حرّاً في الانعتاق اليسير من أثقال التاريخ، ومساومات السياسة، وتواطؤات المصالح الأنانيّة الفرديّة والجماعيّة. لذلك ينطبع كيانُه بالتوتّرات الأصليّة الناجمة عن نشأته الأولى. قد يستطيع أن يهرب من وطنه ومن مجتمعه، ولكنّه لا يقوى على الهروب من ذاته، أي من وعيه ومن ذهنيّته. لذلك لا يملك سوى أن يناضل نضالاً مستنيراً عنيداً حثيثاً حتّى يغيّر في ذاته ما يمنعه من نحت صورة الإنسان الأعلى على مثال القيَم الهادية التي تناصرها شرعة حقوق الإنسان الكونيّة. 

المزيد من ثقافة