Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة تهاوي الدينار تعمق الأزمة الاقتصادية في تونس

العملة المحلية سجلت تراجعاً قياسياً أمام الدولار في سوق التعاملات وسط أزمات البلاد المتعددة

هبوط الدينار أمام الدولار لن يؤثر على احتياطي تونس من العملة الأجنبية (غيتي)

بدهشة كبيرة تسمر التونسيون من متعاملين اقتصاديين ومتخصصين ماليين ومواطنين منذ الأربعاء 28 سبتمبر (أيلول) 2022 أمام موقع البنك التونسي بعد الهبوط القياسي والتاريخي للدينار أمام الدولار. وقد تجاوز الدولار الأميركي عتبة 3.300 دينار تونسي في سوق التعاملات البنكية أي أكبر ارتفاع عرفته العملة التونسية بتاريخها.

وبحسب مؤشرات البنك المركزي التونسي على موقعه الرسمي "فإن الدولار الواحد أصبح يعادل 3.309 دينار"، ويعود آخر رقم قياسي في سجل الهبوط المقلق للعملة التونسية إلى 22 أغسطس (آب) 2022، إذ بلغ سعر صرف العملة التونسية مقابل الدولار 3.209 دينار.

تأثير علاقة الدولار باليورو

ويرى المتخصصون أن أسباب تدحرج قيمة العملة التونسية إلى هذه المستويات يعود بالأساس إلى علاقة الدولار باليورو وصعود العملة الخضراء أمام العملة الأوروبية. وأكدوا في تصريحات لـ "اندبندنت عربية" أن العملة الأوروبية تراجعت من مستوى 1.13 في المئة أمام الدولار منذ بداية العام لتصل إلى 0.95 في المئة يوم الأربعاء 28 سبتمبر 2022. كما تحسنت العملة التونسية منذ بداية العام مقارنة مع اليورو، لكنها في المقابل واصلت هبوطها أمام الدولار الأميركي.

انعكاسات على شراء مواد الطاقة

وعن تداعيات هذا التراجع القياسي للعملة التونسية مقابل الدولار أبرز المتحدثون أن البلاد ستتأثر من هذا التراجع، بخاصة على مستوى واردات المواد الطاقية وبالدرجة الأولى شركة الكهرباء وشركة تكرير النفط (الحكومتين) اللتين تقتنيان المواد الطاقية من محروقات بالدولار ما سيؤثر على وضعيتهما المالية المهترئة.

وفي المقابل رأى المتخصصون أن هبوط الدينار أمام الدولار لن يؤثر على احتياطي تونس من العملة الأجنبية الذي يعادل 112 يوم توريد باعتبار أن خلاص القروض يتم باليورو والدينار التونسي لا يزال مستقراً أمام العملة الأوروبية.

وفي سياق متصل رجح المتحدثون أن احتياطي تونس من العملة الأجنبية لن يتأثر كثيراً بتراجع قيمة الدينار أمام الدولار لا سيما أن تحويلات المغتربين التونسيين في تزايد مستمر ويتم تغذية الاحتياطي باستمرار.

وفي هذا السياق نما إجمالي قيمة تحويلات التونسيين العاملين في الخارج 17 في المئة على أساس سنوي، خلال النصف الأول من 2022، إذ أظهرت مؤشرات المركزي التونسي أن قيمة التحويلات للنصف الأول من 2022، سجلت 1.19 مليار دولار. إضافة إلى ذلك فإن شركات الطاقة المنتصبة في تونس شرعت في خلاص الضرائب المفروضة عليها بالدولار.

وفي أثناء هذا التراجع المقلق للدينار، زادت مخاوف التونسيين من تعقد أوضاعهم المعيشية وتركزت النقاشات في شأن تداعيات ارتفاع الدولار أمام العملة المحلية على أسعار المنتجات والمواد الاستهلاكية، لا سيما المستوردة منها.

رحلة الهبوط 

تأكيداً على الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد، بخاصة انخفاض قيمة العملة المحلية تراجعت قيمة سعر صرف الدينار أمام الدولار في سوق المعاملات البنكية بنسبة 7.4 في المئة في النصف الأول من العام الحالي، وفق مؤشرات البنك المركزي التونسي.

وشهد معدل سعر صرف الدينار خلال الأشهر الستة الأولى من 2022 بالمقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية تراجعاً بنسبة 8.1 في المئة أمام الدولار، بينما سجل تحسناً بنسبة 1.4 في المئة أمام اليورو.

وشهدت العملة التونسية تراجعاً لافتاً لقيمتها مقابل العملتين الأميركية والأوروبية على مدار تسعة أعوام، إذ هوى سعر الدينار أمام الدولار 107 في المئة منذ عام 2011 حتى بداية 2019، ومع بداية 2011 بلغ سعر الدولار 1.424 دينار وارتفع الدولار تدريجاً حتى بلوغه 1.871 دينار عام 2015، ثم كسر حاجز الدينارين في 2016، وصعد عاماً بعد آخر ليسجل 2.439 عام 2018، ومع بداية 2019 قفز الدولار إلى 2.949.

تداعيات مالية خطرة 

يقول المتخصص في الأسواق المالية معز حديدان إن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار الذي بلغ رقماً قياسياً جديداً ستكون له تداعيات خطرة، خصوصاً على الواردات وتسديد تونس لديونها".

وأشار إلى أن "الديون العمومية التونسية تبلغ اليوم 107 مليارات دينار (33.4 مليار دولار) منها 66 مليار دينار (20.6 مليار دولار) ديوناً عمومية خارجية أي ما يعادل 46 في المئة من الناتج الداخلي الخام التونسي" واصفاً الرقم بالكبير بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني.

يضيف "من الملاحظ أن خدمة تسديد الدين الخارجي لسنة 2022 تعادل ستة مليارات دينار (1.8 مليار دولار)، وفي ظل ارتفاع الدولار مقابل الدينار ستصعد كلفة خدمات الدين الخارجي، وستكون في حدود 680 مليون دينار (212.5 مليون دولار) إضافية لتسديد الديون الخارجية أصلاً وفائدة".

تأثيرات لانخفاض الدينار

وأوضح حديدان أن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار سيؤدي إلى انعكاسات سلبية على تونس أبرزها، زيادة واردات البلاد بالدولار على غرار المحروقات والحبوب إلى جانب صعود قائم الدين العمومي، بخاصة خدمات الدين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولاحظ أن 24 في المئة من الدين الخارجي لتونس بالدولار، مما سيؤثر على نمو نسبة التضخم والمقدرة الشرائية للتونسيين، تحديداً التضخم المستورد بالدولار من خلال زيادة كلفة التصنيع جراء توريد المواد الأولية. كما يعتقد أن الشركات الموردة للمنتجات ستواجه بدورها صعوبات مرتبطة بزيادة الكلفة جراء توريد المواد الأساسية بالدولار، مما سيدفعها إما إلى رفع الأسعار أو إلى تقليص هامش الربح لديها. كما ستجد الدولة نفسها مضطرة، في إطار سياسات الحفاظ على المقدرة الشرائية إلى دعم المواد الموردة، بالتالي ارتفاع مخصصات الدعم التي ستنعكس على الموازنة.

غياب السياسة النقدية الواضحة

واعتبر حديدان أن سبب الهبوط الحاد للدينار التونسي مقابل الدولار يعود إلى تدهور الوضع المالي والاقتصادي على جميع المستويات إضافة إلى غياب السياسة النقدية الواضحة. وأوضح أنه جراء تفاقم عجز الميزان التجاري وتراجع الإنتاجية وتدني عائدات السياحة والاستثمار أدى إلى الانخفاض في قيمة الدينار مقابل الدولار بالسياق الاقتصادي العالمي الذي اتسم بارتفاع الدولار أمام غالبية العملات في العالم حيث يقوم المستثمرون ببيع اليورو لشراء العملة الخضراء أو الملاذ الآمن، في ظل التخوفات من الحرب الروسية - الأوكرانية وتوقعات بهبوط النمو الاقتصادي في أوروبا.

وفسر تراجع قيمة الدينار بتعمق العجز التجاري، إذ إن الواردات أصبحت أكثر كلفة بالنسبة لتونس، بخاصة واردات المنتجات البترولية والحبوب، والتي يتم تسديد ثمنها بالعملة الأجنبية، وهو مما أدى إلى وجود فارق شاسع بين التدفق الخارجي للعملة الأجنبية مقابل ضعف تدفق العملات الأجنبية إلى تونس.

وفي سياق متصل لاحظ المتحدث أن الزيادة في قيمة الدولار تأتي مدفوعة أيضاً بتغيير السياسة النقدية الأميركية للبنك الاحتياطي الفيدرالي لمحاربة التضخم القياسي، حيث سيقوم بتنفيذ زيادات متتالية في أسعار الفائدة مما يشجع المستثمرين إلى الاستباق وتحويل اليورو إلى دولارات من أجل خفض قيمة اليورو والعملات الأخرى في وقت لاحق مقابل الدولار.

لا خيار سوى زيادة الصادرات

وشدد حديدان على أنه من أجل رفع قيمة العملة المحلية يتعين على الحكومة التونسية زيادة الصادرات وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر.

وألح في تصريحه على ضرورة وصول تونس إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي في أسرع الآجال من أجل فتح آفاق الحصول على التمويلات الخارجية، مطالباً أيضاً بالتشجيع على الترفيع في مساحة الزراعات الكبرى للحبوب والاستغناء عن بعض الدول التي يتم الاستيراد منها دون التصدير، وفق رأيه.

ومن جانبه يرى المحلل المالي بسام النيفر أن أسباب تسجيل ارتفاع في قيمة الواردات إلى ارتفاع سعر الدولار مقارنة بالدينار التونسي، بخاصة أن أغلب عقود التوريد هي بالدولار، لا سيما العقود المتصلة بمنتجات الطاقة (غاز ونفط).

وذكر في هذا الصدد أن عجز الميزان التجاري لتونس المسجل غير مسبوق، إذ بلغت قيمته زهاء 17 مليار دينار (5.6 مليار دولار)، وذلك بسبب ارتفاع الواردات بنسبة 34 في المئة. 

وأضاف أن 79 في المئة من الواردات هي مواد لا يمكن الاستغناء عن توريدها فهي محروقات ومواد غذائية ومواد أولية نصف مصنعة ومعدات موجهة للإنتاج. 

وأكد أنه بالنسبة إلى مراجعة الاتفاقات قد تمت مراجعة اتفاقية التبادل التجاري مع تركيا وتم كذلك الترفيع في التعليمات الديوانية الموردة من هذا البلد، ولكن المشكل قائم مع الصين نظراً إلى ارتفاع حجم الواردات من مواد أولية ضرورية للصناعة التونسية وأيضاً مواد غذائية مقابل ضعف حجم الصادرات. 

وخلص النيفر إلى أن هامش التحرك أمام أي حكومة للتقليص من الواردات هو ضعيف وكل حلول الحد من الواردات هي حلول ظرفية ولن يكون لها أي أثر طويل المدى والحل الجذري يجب أن يكون في دعم الصادرات، بخاصة صادرات مصنوعة بمواد أولية تونسية، وذلك للترفيع في قيمتها.